شهرزاد تستعيد صوتها: حين أعادت الكاتبات العربيات كتابة الحكايات من منظور مختلف
كانت شهرزاد دائماً الأذكى في الغرفة. لكن لقرون طويلة، كانت ذكاؤها في خدمة البقاء — تحكي لتعيش ليلة أخرى، تُؤجّل الموت بكلمة، تحتال على السلطة بقصة. لم يسألها أحد ماذا تريد هي. لم يُعطَ لها صوت خارج إطار الخدمة.
اليوم، شيء ما تغيّر في الحكاية.
الموجة التي لم تأتِ من فراغ
ما نشهده الآن من إعادة كتابة التراث العربي بأقلام نسائية ليس ظاهرة وليدة أمس. جذوره تمتد إلى عقود من النضال الأدبي الهادئ الذي لم يحظَ دائماً بالاهتمام الذي يستحقه. كاتبات مثل نوال السعداوي مهّدن الطريق بجرأة نادرة، مساءلاتٍ النصوص المقدسة والموروث الشعبي في آنٍ واحد.
لكن الجيل الحالي يعمل بأدوات مختلفة. لديه منصات رقمية، قراء في القارات الخمس، وجرأة مختلفة النوع — ليست جرأة المعارضة فحسب، بل جرأة الخلق والتجديد.
ألف ليلة وليلة: النص الذي لا يتوقف عن التحوّل
لا يوجد نص في الأدب العربي أكثر مرونة وقابلية للتأويل من ألف ليلة وليلة. هذا المتن الضخم المتشعب، الذي جمعته أيدٍ متعددة عبر قرون، يحمل في داخله بذور تفكيك نفسه. الشخصيات النسائية فيه — حتى حين تبدو خاضعة — تمارس أشكالاً من القوة الخفية: القوة بالكلام، بالحيلة، بالذاكرة.
الكاتبة الأمريكية من أصل سوري سلمى جيوسي، والكاتبة اللبنانية الأمريكية رنا أحمد — وغيرهن كثيرات — أخذن هذه البذور وزرعنها في تربة جديدة. أعمال تُبقي على روح الأصل — الغرابة، الدهشة، الزخم السردي — بينما تُعيد توزيع الأدوار: من يحكي، لمن، ولماذا.
الأميرة لم تعد تنتظر على الشرفة. هي التي تخرج، تتاجر، تحكم، تُخطئ، وتتعلم.
بين التراث والحداثة: الخيط الرفيع
التحدي الحقيقي في هذا النوع من الكتابة ليس الجرأة — بل التوازن. كيف تُعيد كتابة حكاية عمرها ألف سنة دون أن تفقد روحها؟ كيف تُدخل أسئلة اليوم إلى عالم الأمس دون أن يبدو الأمر قسراً أو مصطنعاً؟
الكاتبة الجزائرية الأمريكية أسيا جبار — التي رحلت عام 2015 لكن أثرها لا يزال يتردد — وجدت إجابتها الخاصة: الاستماع إلى الأصوات المنسية داخل النصوص الكلاسيكية. الخادمة التي تمر في السطر الثاني، الأم التي تُذكر مرة واحدة ثم تختفي، الأخت التي لم يُسألها أحد رأيها. هذه الشخصيات الهامشية تحمل في صمتها قصصاً كاملة — وكل ما يحتاجه الكاتب الحساس هو أن يستمع.
الحكاية الشعبية تلتقي بـ Young Adult
في الأسواق الأمريكية، ثمة ظاهرة تستحق التوقف عندها: صعود روايات الفانتازيا المستوحاة من التراث العربي والموجهة لجيل الشباب. كتب مثل "An Ember in the Ashes" لسبا طاهر و"The Wrath and the Dawn" لرنا أهدية تجمع بين الجماليات العربية والإيقاع السردي الغربي الحديث.
ما يلفت الانتباه في هذه الأعمال ليس فقط المكانة التجارية التي حققتها — قوائم بيست سيلر، تحويلات لأفلام ومسلسلات — بل الرسالة الضمنية التي تحملها: الفتاة العربية، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، يمكنها أن تكون بطلة رواية فانتازيا تقرأها مراهقة في أوهايو وتتماهى معها تماماً.
هذا التقاطع بين الجمهور العربي الأمريكي والجمهور الأمريكي الأوسع هو أحد أكثر التطورات إثارة في مشهد النشر الحالي.
الشاشة تُعيد رسم الأميرة
التحولات لا تقتصر على الأدب. في عالم الإنتاج المرئي، بدأت الأميرات العربيات يأخذن أشكالاً جديدة. تجربة ديزني في تحديث شخصية ياسمين في النسخة الحية من علاء الدين — رغم إشكالياتها المتعددة — فتحت نقاشاً جدياً حول كيفية تمثيل المرأة العربية على الشاشة الكبيرة.
لكن الأكثر إثارة هو ما يجري على منصات البث من إنتاجات عربية أصيلة تتناول الموروث الشعبي بعيون نسائية. مسلسلات خليجية ومصرية ولبنانية باتت تُعيد قراءة شخصيات من التراث بأسئلة جديدة: ماذا كانت تريد؟ ماذا كانت تشعر؟ ما الذي لم تقله لنا الرواية الرسمية؟
الجمهور الأمريكي يُصغي
ما يجعل هذه الظاهرة ذات أهمية خاصة لمتابعي الشأن الثقافي في الولايات المتحدة هو أن الجمهور الأمريكي — وخاصة الأجيال الشابة — يُظهر شهية حقيقية لهذا النوع من المحتوى. ليس من باب الفضول الاستشراقي كما كان الحال في السابق، بل من باب الاعتراف بأن هذه القصص تطرح أسئلة إنسانية عميقة تتجاوز الجغرافيا.
البودكاست والمنصات الرقمية فتحت قنوات مباشرة بين الكاتبة العربية وقارئتها في ميامي أو شيكاغو. لم يعد الوصول مشروطاً بموافقة دور النشر الكبرى أو بوسطاء ثقافيين يُرشّحون ما يصلح للاستهلاك الغربي.
شهرزاد اليوم
في النهاية، ما تفعله الكاتبات والمبدعات العربيات اللواتي يُعدن كتابة التراث ليس مجرد تغيير في الشكل أو الأسلوب. إنه إعادة تعريف لمن تملك الحق في رواية القصة — ولمن يُروى عنها.
شهرزاد لم تكن يوماً مجرد راوية. كانت ناجية، وذكية، وصاحبة إرادة. الجيل الجديد من الكاتبات يرى فيها شيئاً آخر أيضاً: أماً للأدب العربي نفسه، امرأة فهمت قبل غيرها أن الكلمة هي أقوى سلطة في العالم.
والآن، بعد ألف ليلة وليلة وأكثر، جاء دورها لتحكي قصتها هي.