• ×

كم نحن بحاجةٍ دائمة للقرب من كتاب الله حفظًا وفهمًا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
من هنا نبدأ

كم نحن بحاجةٍ دائمة للقرب من كتاب الله حفظًا وفهمًا واستشهادًا وتطبيقًا، هذا القرب بهذا المعنى هو الذي فهمهُ النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه وطبّقه، وكيف لا يكون ذلك وهو الذي عليه أُنِزل!
وقد لخصت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك كلِّهِ بقولها: (كان خُلُقهُ القرآن).
وعندما يكثرُ التنظير والحديث عن قضايا كثيرة وننشغل بالكلام الإنشائي ونغفل عن كلام رب العالمين فيكون ذلك في غاية الجهلِ والتفريط! فعلى سبيل المثال: عندما نتحدث عن الحوار وأسلوبه وقواعده، لا ينبغي أن ننطلق من غير أن نبدأ بالقرآن، القرآن للمتأمل مليء بأنواع من الحوارات ومع مختلف الفئات والتوجهات، مع الكافر والمنافق والملحد والمسلم، مع الملأ والعامة، وحتى مع الشيطان!
ومن قواعد الحوار في القرآن وهي سمة غالبة: الدعوة إلى الرفق واللين في القول مع المخالف، ولو كان هذا المُخالف في مرتبة هالك ظالمٍ كفرعون الذي قال: (ماعلمتُ لكم من إلهٍ غيري) ومع ذلك قال اللهُ لنبييه موسى وأخيه هارون: (فقولا له قولًا لينا لعله يتذكرُ أو يخشى).... نعم: ان كان المقصدُ هو الهداية وإنقاذ الآخر من الهلاك أو الخطأ، فلا داعي للصراخ والشدة والتعالي! لعلة يتذكرُ أو يخشى!
ومن قواعد القرآن وآدابه في الحوار: إعطاء الفرصة كاملةً للطرف الآخر ليقول رأيه ويُبين حجته؛ ثم يكرُ القرآن عليها بالنقض والإبطال بأساليب غاية في الروعة والإعجاز والإقناع!
وليس من خصمٍ ولا صاحب باطل أعظم من (إبليس) رأس الضلال والضالين؛ ولكن تأمل في آيات كثيرة في كتاب الله الحوار الذي كان يدور بين رب العالمين وهذا المخلوق الذي ضَلَّ وأضل!
ومنه قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ).. الأعراف.
وقد تكرر هذا كثيرًا؛ فانظر كيف طلب اللهُ منه أن يُبِّينَ سببَ عصيانه حتى يقيم الحجةَ عليه، وكيف كان حِلمُ اللهِ عليه وصبره على جدله ومرائه!
ومن أدبِ القرآن كذلك: العدلُ في القول؛ يقولُ تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا)، والعدلُ أحدُ كليات القرآن وقواطعه الثابتة وآياته المحكمة؛ وهو مطلوبٌ من كلِّ أحد ومع كل أحد؛ وتأمّل -بالله عليك- هذه الآية الفريدة العجيبة التي يوجه الله فيها نبيه الكريم أن يقول للمشركين: (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فهنا يوجِّهُ الله تعالى نبيَه الكريم؛ في تعليمه مجادلة الكفار؛ أن يُضيفَ الإجرام إلى النفس ويقول في حقهم: وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. تفاديا للإغضاب المانع من الفهم. يقول البيضاوي في تفسيره: هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في الإخبات، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين!!
وفي سياقنا هذا يعني: أن المُحاورَ والخصمَ لا يجوزُ له بحال أن يتمادى ويتعد حدود الشرع في الخصومة أو الحوار، فيعمد للكذب أو التدليس أو الافتراء على محاوره بما ليس فيه أو ما لم يقله! ولا يكن كالمنافق إذا خاصمَ فجر! فقد كان النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه يذكرُ بعضَ خصومه بما فيهم من مكارم أخلاق أو صفات مع بيان حالهم.
وكذلك علماء الجرح والتعديل ومن كتب في سير الرجال؛ فهذا الإمامُ الذهبي المُحدث والناقد رحمه الله؛ يقولُ في ترجمة الحجاج: (الأمير الغشوم الظالم ثم قال: له حسناتٌ ولكنها مغمورةٌ في بحرِ سيئاته..!) ومن قرأَ في كتابهِ العظيم الفريد «سير أعلام النبلاء» وجد عجائبَ وفرائدَ من الإنصافِ والعدلِ في القول مع الموافق والمخالف! وكثيرًا ما يقول في بعض من تنكّب طريقَ الهدى (سامحه الله، غفر اللهُ له، أمرهُ إلى الله).

بواسطة : hashim
 0  0  1075
التعليقات ( 0 )

-->