• ×

جبل قعيقعان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جبل قعيقعان



يتفق معظم المؤرخون على أن جبل أبي قبيس هو أحد أخشبي مكة المكرمة بينما يختلفون على أخشبها الثاني فبينما تذكر بعض المصادر أنه الجبل الأحمر تقول مصادر أخرى أنه قعيقعان. وسواء كان جبل قعيقعان هو أخشب مكة الثاني أم لا فإنه من جبال مكة المكرمة التي تروي التاريخ القديم للبلد الأمين ولقد استخدمته قبيلة جرهم كمخزن لأسلحتها التي تسببت قعقعتها بالاسم كما تذكر كثير من المصادر واليوم حيث يسكن بعض أهل مكة على سفوحه باسمائه الجديدة التي تغيرت على مر العصور كما تتغير أسماء الدول والمدن والأماكن وتختلف مع اختلاف الأزمن. فسيلان أصبحت سيرلانكا وسيام أصبحت تايلند وبكين تغيرت إلى بيجن وبومباي إلى موبي. كذلك تغير اسم جبل قعيقعان إلى جبل هندي وغيره من الأسماء التي ترد لاحقاً. لذا فإن نظره سريعة على تاريخ هذا الجبل وحاضره قد تكون ذات فائدة في التعرف عليه ، وذلك من خلال المصادر التاريخية المتقدمة والمتأخرة.
يعرف ابن منظور في (لسان العرب) الجبل بانه \" اسم لكل وتد من أوتاد الأرض إذا عظم وطال من الأعلام ، والأطواد ، والشناخيب ، وأما إذا صغر وانفرد فهو من القنان ، والقور وألكم ، والجمع أجبال وجبال.
أما عبدالله بن عبدالعزيز البكري الأندلسي المتوفى سنة 487هـ فيذكر في (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع) الذي حققه مصطفى السقا أن (قعيقعان) \" على لفظ تصغير قعقعان : جبل بمكة\"
ويقول الأندلسي أن الكلبي وغيره من أصحاب الأخبار أن \" جرهماً وقطورا لما احتربت بمكة ، قعقعت السلاح بذلك المكان فسمي قعيقعان\"

كثيراً من المصادر التاريخية والجغرافية الهامـة تحدثت عن جبل ( قعيقعان) ووصفته وصفاً دقيقاً اختصره بتصرف بما يلي:
يذكر الأزرقي(أبي الوليد محمد بن عبدالله بن أحمد الأزرقي) من القرن الثالث الهجري في أحد أهم المصادر المتقدمة كتابه (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) والذي حققه شدي ملحس أن الجبل (الأحمر) والذي كان يسمى في الجاهلية (الأعرف) هو \" الجبل المشرف وجهه على (قعيعان) وعلى دور عبدالله بن الزبير \" كما يتحدث الأزرقي عن \" شعب قعيعان\" فيقول \" هو ما بين دار يزيد بن منصور التي بالسويقه يقال لها : دار العروس إلى دار بن الزبير إلى الشعب الذي منتهاه في أصل الأحمر إلى فلق ابن الزبير الذي يسلك منه إلى الأبطح والسويقه على فوهة قعيقعان ، وعند السويقه ردم عمله ابن الزبير حين بنى دوره بقعيقعان ليرد السيل عن دار حجير بن ابي أهاب وغيرها\"
وفي (معجم البلدان) يذكر ياقوت الحموي المتوفي سنة 626هـ أن (قعيقعان) \" بالضم ثم الفتح بلفظ تصغير هو اسم جبل بمكة قيل : إنما سمي بذلك لأن قطوراء وجرهم لما تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه ، وعن السدي أنه قال : سمي الجبل الذي بمكة قعيقعان لأن جرهم كانت تجعل فيه قسيها وجهابها ودرقها ، فكانت تقعقع فيه\"
كما يذكر صفي الدين عبدالمؤمن بن عبدالحق البغدادي المتوفي سنة 739هـ في كتابه ( مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع) أن (قعيقعان) بالضم ثم الفتح ، والتصغير : جبل بمكة ، الواقف عليه يشرف على الركن العراقي ، إلا أن الأبنية قد مالت بينهما\"




يعرف بعض المؤرخين أخشبي مكة بأنهما أبوقبيس وقعيقعان بينما يذكر البعض أن الأخشبين هما أبو قبيس والجبل الأحمر وهو ما ذهب عليه الأكثر ممن أطلعت عليه.
وفي هذا المجال يذكر المؤرخ محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المتوفى سنة 832هـ قاضي مكة في كتابه شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام الذي حققه الدكتور عمر عبدالسلام تدمري \" من الجبال المحدقة بمكة اخشباها وهما أبو قبيس والجبل الأحمر على ما ذكر الأزرقي لأنه قال : أخشبا مكة أبو قبيس ، وهو الجبل المشرف على الصفا إلى السويداء إلى الخندمة ، ثم قال بعد ذكر شيء من خبر أبي قبيس : والجبل الذي يقال له الأحمر ، وكان يسمى في الجاهلية \" الأعرف\" وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان وعلى دور عبدالله بن الزبير.
ثم يستمر الفاسي قائلاً \" وذكر ابن الأثير والمحب الطبري في أخشبي مكة مثل ما ذكره الأزرقي ، وذكره القاضي عياض في المشارق، وياقوت في مختصره لمعجم ابلدان ، ما يقتضي خلاف ذلك في الأحمر، أما القاضي فلانه قال : الأخشبان جبلان يضافان إلى مكة ومرة إلى المدينة ، أحدهما أبو قبيس والآخر قعيقعان ، وأما ياقوت فقال : باب: الأخشب موضعان ، الأخشب الشرقي والأخشب الغربي ، فالشرقي هو أبو قبيس ، والغربي قعيقعان\".
وينقل الفاسي عن النووي أن قعيقعان ، \" هو بضم القاف الأولى وفتح العين وبعدها ياء مثناه من تحت ساكنه وكسر القاف لثانية : وهو جبل مكة المعروف ومقابل لأبي قبيس \" ثم يوضح سبب تسمية قعيقعان بأنه \" لقعقعة سلاح مضاض بن عمرو الجرهمي وقومه فيه لما خرجوا لقتال قطورا ، وقيل لقعقعة سلاح تبع لمّا قدم مكة تعظيماً لحرمة البيت بعد أن كان له فيه رأي غير ذلك\" ويذكر الفاسي أن مضاض بن عمرو الجرهمي وهو جد نابت بن إسماعيل أبو أمه ومن معه من جرهم نزلوا \" أعلا مكة وقعيقعان ونزل الميدع أجياد وأسفل مكة \" هو وقومه من قطورا\".
ثم يذكر أن مضاض بن عمرو خرج من قعيقعان \" في كتيبة عدتها الرماح والدرق والسيوف تقعقع معه ، ويقال : ما سميت قعيقعان إلا بذلك. وخرج السميدع بقطوراء من أجياد ومعه الخيل والرماح ، ويقال: ما سمي أجياد إلا بذلك\".
وفي أحد أهم المصادر الحديثة يخبرني سعد بن عبدالله بن حنيدل في كتابه ( معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري) أن قعيقعان بقاف مثناه مضمومة وعين مهملة بعدها ألف وآخره نون بلفظ التصغير : جبل معروف في مكة.
وينقل رواية البخاري بسنده عن عباس \" قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن قال ارملوا ليرى المشركون قوتهم ، والمشركون من قبل قعيقعان\".
وينقل \" بن حنيدل\" عن الفاسي قوله أن قعيقعان أحد أخشبي مكة ، ويذكر عن النووي قوله \" قول ياقوت في تعريف قعيقعان هذا : أنه مقابل أبي قبيس يفهم منه أنه أخشب مكة الاخر ، والله أعلم. ويذكر ابن حنيدان أن \"ياقوت\" ذكر أن الواقف على قعقعان \" يشرف على الركن العراقي\"
كما يورد بن حنيدان قول عمر بن ابي ربيعة :

قامت ترائي بالصفاح كأنها=
كانت تريد لنا بذك ضرارا
سقيت بوجهك كل أرض جئتها=
ولمثل وجهك أسقى الأمطارا
من ذا نواصل أن صرمت حبالنا=
أو من نحدث بعدك الأسرارا
هيهات منك قعيقعان وأهلها
= بالحزنتين فشط ذاك مزارا
أما المؤرخ المعاصر العلامة الشيخ عاتق بن عيث البلادي فيذكر في (معجم المعالم الجغرافيه في السيرة النبوية) أن قعيقعان كأنه \" مأخوذ من القعقعة : هو جبل مكة المشرف على المسجد الحرام من الشمال الغربي ، وله عدة أسماء من كل جانب منه\".
ويوضح البلادي هذه الأسماء بالتفصيل في كتابه (معالم مكة التاريخية والأثرية) أن قعيقعان هو \" الجبل الضخم المشرف على المسجد الحرام من الشمال والشمال الغربي ، ممتداً بين ثنيتي : كداء ، وكدي بالقصر بين وادي إبراهيم شرقاً ووادي ذي طوى غرباً.
ويذكر البلادي أن اسم قعيقعان لا يعرف اليوم وإنما أصبح هذا الجبل يسمى في وقتنا المعاصر بأسماء كثيرة. يعرفها البلادي كما يلي : \" الطرف الشمالي منه يسمى اليوم جبل العبادي ، والشرقي المشرف على ثنية كداء (الحجون) والمشرف علىمقبرة المعلاه يسمى جبل السليمانية المنسوب إلى الشيخ محمد بن سليمان المغربي ، أما جزؤه الجنوبي فجله يسمى (جبل هندي) وشرقه المتصل بريع الفلق فلق ابن الزبير إلى جوفه .... يسمى جبل الفلق ، ويسمى طرفه المشرف على حارة الباب جبل المطابخ ، وطرفه المشرف على ثنية كدي بالقصر ريع الرسام اليوم يسمى قرناً ، وما أشرف على دحله الموارعة بجرول يسمى جبل السودان ، وبين الفلق والقرارة له عدة أجزاء : جبل القرارة ، وجبل فلفله ، وجبل النقا.
العلامة المكي الشيخ محمد طاهر الكردي في مرجعه التاريخي الهام (التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم) أن ارتفاع جبل قعيقعان (430) متراً وأنه الجبل الثاني من أخشبي مكة وفي عصره أصبح قعيقعان يعرف بـ\"جبل هندي\" إلا أن الكردي يستطرد قائلاً \" وفي الحقيقة أن الأخشب الثاني هو الجبل الصغير الذي بأسفل قعيقعان المطل على الكعبة وهو الذي كان يسمى بـ\"الأحمر\" كما كان يسمى بالجاهلية بـ\"الأعرف\". ويوضح الكردي أنه لما كثر السكان والبيوت بالجبل \" اختلط الجبلان ببعض فصارا كالجبل الواحد\" ويذكر الكردي أن في هذا الجبل كانت دور عبدالله بن الزبير رضي الله عنه. كما يصف الكردي أن \" عليه نصب المنجنيق في محاربته مع الحجاج\". ويبين الكردي أن هذا الجبل الكبير الطويل \" في أصله تقع المروة من جهة المدعى أي في الشمال الشرقي للمسجد الحرام \" وينقل عن صاحب العقد الفريد أن الواقف على درج المروة \" يرى ميزاب البيت وما اتصل به\" ويبين لنا الكردي أنه في وقته أصبحت جميع جهات وأطراف قعقعان ورأسه \"عامرة بالمنازل والبيوت والسكان\".

بقلم
الدكتور عدنان بن عبدالبديع اليافي

بواسطة : hashim
 0  0  6568
التعليقات ( 0 )

-->