• ×

عالم يتعرض للمحن بسبب كتبه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عالم يتعرض للمحن بسبب مؤلفاته

تعرض شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى لمحن كثيرة، أفنى فيها جزءاً طويلاً من عمره، وكان لها تأثير كبير على مؤلفاته سلباً وإيجاباً، وقد فصلها من ترجم له كالإمام ابن كثير، وابن عبدالهادي، والإمام الذهبي والبرزالي، وغيرهم كثير.
وقد سعى الأعداء والحساد بكل ما أتوا من جاه لمنع الشيخ من التأليف وعاضدهم في ذلك السلطان وأعوانه من القضاة والأمراء والشيوخ، قال ابن عبدالهادي موضحاً سبب التشدد عليه في منعه من التأليف، وأن سبب ذلك تدوال كتبه بين الناس وضجر السلطان منها:
فقال: \" كان ما صنفه في هذه المرة الحبس الأخير- قد خرج بعضه من عنده، وكتبه بعض أصحابه واشتهر وظهر أي بين الناس \".
فلما كان قبل وفاته بأشهر ورد مرسوم السلطان بإخراج ما عنده كله ، ولم يبق عنده كتاب، ولا ورقة، ور دواة، ولا قلم ، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه يكتبها بالفحم، ثم ذكر نماذج من هذه الرسائل في مصنفه في مناقب شيخ الإسلام.
وقال ابن كثير موضحاً لنا الوقت والسنة والتاريخ : \" وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة من عام ( 728هـ) أُخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين من الكتب والأوراق والدواة والقلم ومنع من الكتب وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة\".
وقال المقريزي: \" وفي مستهل رجب حملت من القلعة إلى مجلس الحكم فوضعت بخزانة في المدرسة العادلية، وكانت أكثر من ستين مجلداً وأربع عشرة ربطة كراريس\".
ويقول تلميذه النجيب ابن عبدالهادي : \" لما حبس الشيخ لآخر مرة تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخفوا أصحابه من أن يظهروا ما كتبه.
فذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه ؛ فبقي هذا يهرب ما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه، ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أوتجحد؛ فلا يستطيع أن يطلبها، ... ولولا أن الله لطف وأعان وأنعم ... في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن لأحد أن يجمعها، ولقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه وجمعها وإصلاح ما فسد منها، ورد ماذهب منها، ما لو ذكرته لكان عجباً .. وإن بدون هذا تفنى الكتب \" .
بل وتذهب ولكن الله حفظ أعيان كتب الشيخ؛ لما علمه سبحانه من صدق نيته وإخلاص طويته، ومحض نصيحته ، وحبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبلاغ الأمة عن طريق هذه المصنفات ؛ فكتب الله لها البقاء والرواج إلى عصرنا الحاضر.
وقد فرح شيخ الإسلام فرحاً شديداً بخروج كتبه من السجن ليعم النفع بها، فقد كتب إلى بعض تلامذته ومحبيه، قوله برسالة مكتوبة بالفحم : \" وخروج الكتب كان من أعظم النعم، فإني كنت حريصاً على خروج شيء منها، ليقفوا عليه، وهم كرهوا خروج الإخنائية، فاستعملهم الله تعالى في إخراج الجميع وألزم المتنازعين بالوقوف عليها ... وما كتبت شيئاً من هذا ليكتم عن أحد، ولو كان مبغضاً ... \" .
وقال: \" وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب ولا كتاب، وجزعوا من ظهور الإخنائية ؛ فاستعملهم الله تعالى حتى أظهروا أضعاف ذلك، ألزمم تفتيشه، ومطالعته .
ومقصودهم إظهار عيوبه وما يحتجون به، فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم، وظهر جهلهم، وكذبهم، وعجزهم ، وشاع هذا في الأرض وإن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله \" .
وقال بعض المتأخرين ، كالشيخ الحجوري عن آثار محنته على مصنفاته : \" هو من المجددين، وبسبب محنته تعلق الناس بأفكاره، وبحثوا عنها ، وطبعوا كتبه ، وبعثوها من خمولها ، وتمذهبوا بمادتها؛ فصار زعيماً ... في الإسلام ، وعم ذكره الآفاق ...\".
ولقد أثنى جهابذة العلماء وأعيانهم على حسن تصانيف الشيخ وجودة سبكها، وإقبال الناس عليها من الموافق والمخالف ، قديماً وحديثاً .
قال عن مصنفاته الذهبي :
\" أثنى عليها الموافق والمخالف ، وسارت بتصانيفه الركبان .. \"
وقال عنها ابن رجب :
\" أما تصانيفه فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر ، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأقصار \".
وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني وهو من أشد أعدائه في مدحه لحسن تصنيفه : \" وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة، والتقسيم والتبيين\".
ونقل عنه ابن كثير قوله : \" وقد ألان الله له العلوم كما ألان الحديد لداود\".
تصانيف قد أنشأ بحسن يراعه *** وحسن عبارات كَدُرٍ تَنَضَّدا
فسار بها من لا يسير مشمراً *** وغَنَّى بها من لا يغني مُغَرَّدا
فجعل الله سبحانه وتعالى يد الأعداء سبيلاً لخروج كتبه، وذيوعها بين الكافة في عصره.

نقلاً بتصرف ؛ من كتاب:
منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في التأليف، ومراحله المتعددة
د. عبدالله بن محمد بن سعد الحجيلي
الأستاذ المساعد / بقسم القضاء والسياسة الشرعية
بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.


بواسطة : hashim
 0  0  2450
التعليقات ( 0 )

-->