• ×

كيف أصبحت جدة ميناء لمكة المكرمة ومعبر الحجاج إليها

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم

كيف أصبحت جدة ميناء لمكة المكرمة ومعبر الحجاج إليها
د.عدنان عبدالبديع اليافي


جاء في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي وهو رحالة عاش في القرن الرابع الهجري أن جدة مدينة على البحر. وتقع جدة بين دائرتي عرض 25-21 و 45 21 شمالاً ، وخطي طول 5-39 و 20-39 شرقاً على الساحل الشرقي من البحر الأحمر في غرب المملكة العربية السعودية ، هذا الكيان الكبير الذي أسسه ووحد أرجائه وأمن طرقه جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.
وكما هو معروف فان جدة هي الميناء الرئيس للملكة العربية السعودية ويطلق عليها بوابة مكة ودهليزها ، كما تسمي عروس البحر الأحمر ، يفد إليها حجاج ومعتمري بيت الله الحرام قاصدين مكة المكرمة والمشاعر المقدسة. كانت منذ القدم نقطة عبور من وإلى المدن والبلاد المختلفة الواقعة على البحر الأحمر الذي كان يعرف قديماً ببحر القلزم. ولقد جاء في معجم ما استعجم لصاحبه عبدالله الأندلسي المتوفي سنة 487هـ أن جدة ساحل مكة معروفة سميت بذلك لأنها حاضرة البحر . ولقد ازدادت أهمية هذا الميناء بعد ظهور الإسلام وخاصة في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما أمر بجعل جدة ميناءً لمكة المكرمة بدلاً من الشعيبة عام 26هـ فأصبحت جدة المدخل الرئيس لمكة المكرمة يقصدها جل من نوى الحج أو العمرة.
وجدة مدينة موغلة القدم , قيل أن حواء هبطت بها في طريقها إلى عرفات للقاء أبو البشر آدم عليه السلام . لو ثبت ذلك لأمكن القول أن جدة كانت معبراً للحج منذ الأزل . لكن الثابت علمياً وعملياً من الآثار القديمة التي وجدت بالقرب من هذه المدينة أن ثمود سكنتها كما سكنها قضاعة بن معد بن عدنان وأبناؤه. ومن أحفاد قضاعة من تسمى باسم المدينة ، وهو جده بن جرم بن ربان ، ولدته أمه بجدة فسمي باسمها ، هذا الاسم القديم الذي عرفت به جدة على مر العصور ولم يتغير منذ القدم وإلى اليوم . كما أن من رواد جده القدماء , عمر بن لحي رئيس قبيلة خزاعة التي كانت بمكة بعد جرهم , كما أشار إلى ذلك مؤرخ جدة الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري - رحمه الله - .
ومنذ قبل الإسلام كانت جدة ميناء لمكة قبل أن تصبح الشعيبة مينائها حتى عام 26هـ عندما أمر الخليفة الراشد عثمان بن عفان بإعادة جعل جدة ميناءً للمدينة المقدسة. وكان تجار مكة يبحرون غرباً من جدة إلى الحبشة ودول أفريقيا الأخرى كما كانوا يبحرون جنوباً إلى اليمن وغيرها من الدول.وكانت جدة منذ قبل الإسلام مخزناً استراتيجياً ومستودعاً تجارياً لمكة. فحينما اسر المسلمون نوفل بن الحارث في بدر ، طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أن يفدي نفسه بألف رمح مما كان يخزن في جدة ففعل.
لكن جدة كانت سنة 26هـ على موعد مع اكبر أحداثها قاطبة حينما أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه خلال فترة خلافته , بتحويل ميناء مكة المكرمة من الشعيبة إلى جدة وجعل هذه المدينة الميناء الوحيد لمكة المكرمة بعد أن قدم إلى جدة وأغتسل في بحرها المعروف اليوم ببحر الأربعين.
وقد ورد تفصيل لهذا الحدث بقلم محمد بن احمد بن محمد النهروالي المتوفي سنة 990هـ في كتابه الموسوم \" كتاب الأعلام بإعلام بيت الله الحرام \" أذ يقول النهروالي : \"أن الحافظ النجم عمر بن فهد ذكر في اتحاف الورى , أن من أهم حوادث سنة ستة وعشرون أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أعتمر من المدينة المنورة فأتى مكة ليلاً فدخلها وطاف وسعى وأمر بتوسيع المسجد الحرام وجدد أنصاب الحرم , وطلب أهل مكة من أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يحول الساحل من الشعيبة وهي ساحل مكة قديماً في الجاهلية إلى ساحلها اليوم(في زمن النهروالي) أي إلى جدة لقربها من مكة ، فخرج عثمان رضي الله عنه إلى جدة ورأى موضعها وأمر بتحويل الساحل إليها ، ونزل إلى البحر واغتسل فيه وقال: أنه مبارك وقال لمن معه : ادخلوا البحر للاغتسال ولا يدخله أحد إلا بمئزر ، ثم خرج من جدة عن طريق عسفان إلى المدينة المنورة وترك الناس ساحل الشعيبة منذ ذلك الوقت وبدأوا الأبحار من ساحل جدة.
وأبان العصر الأموي الذي استمر من سنة 41هـ إلى عام 132هـ أي من 661م إلى 750م كانت جدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمكة المكرمة وتابعة لها وكانت مرفئوها وخزانتها . وكان الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان يغبط عامله سعد لأنه كان يتربع في جدة ويتقيظ في الطائف ويشتي في مكة.
وخلال العصر العباسي كانت جدة مدينة عامرة ومرفئا لمكة المكرمة وفرضه لها , تذكر المصادر إنها استقبلت في عهد الخليفة العباسي المهدي أساطين الرخام التي وردت من الشام ومصر إلى مكة المكرمة لعمارة المسجد الحرام , وقد تم نقلها إلى مكة المكرمة بواسطة العجل أي باستخدام الدواليب .
واستمرت أهمية جدة وارتباطها بمكة خلال العصر الأيوبي إلا أن جدة وفي القرن التاسع الهجري أي في العصر المملوكي شهدت تطورات هائلة حولت مينائها إلى مرفئا عالمي وأصبحت المراكب تفد إليها مباشرة من الهند والخليج العربي والصين وغيرها .
أما الرحالة الذين زاروا جدة وهم كثر فقد أعطونا صوراً واضحة عن ارتباط جدة بمكة المكرمة والحج . فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا عميد الرحالة العرب ابن جبير يصف جدة وصفاً مفصلاً، بأحيائها، وأزقتها، وباعتها، وعادات أهلها , وفنادقها وأهم مساجدها وطرق البناء بها وتحدث عن مينائها بإسهاب وعن وصول الحجاج إلي هذا الميناء . أما ابن المجاور، والذي جاء بعد ابن جبير بحوالي مائة عام في القرن السابع الهجري، فقد رسم لنا أقدم خريطة معروفة لجدة وضمنها كتابه \" تاريخ المستبصر \" وكان مقتنعاً بقدم اتخاذها مرفئاً لمكة المكرمة , كما وصف شدة ازدحام الحجاج بها. ثم أتى الرحالة الشهير ابن بطوطة بعد ذلك بمائة عام أخرى أي في القرن الثامن الهجري وتحدث عن جدة كما رآها وتحدث عن مبانيها التي كان الحجاج يستخدمونها وتحدث عن ارتباط جدة بمكة المكرمة وذكر أن قاضيها وخطيبها كان من أهل مكة المكرمة.
كما تحدث الرحالة السويسري المسلم بوركهارت عن جدة التي زارها سنة 1814م بإسهاب واصفاً دكاكينها ومنازلها وصفاً دقيقاً مبيناً أهميتها للحجاج وحركتهم.
أما الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين، والذي قدم للحج عام 1888م فيذكر لنا في رحلته التي وصفها في كتاب قيم , أسماء الوكلاء في جدة في ذلك الوقت، وكانت قائمة الأسماء هذه قد وردت في تقرير صدر في جدة عام 1883م.
هذه ملامح من تاريخ جدة الذي ارتبط دوما بمكة المكرمة والحج والمشاعر المقدسة . واليوم تكاد المدينتين أن تلتقيا بعد أن توسعتا وازدهرتا وكبرتا وأصبحت كل منهما مدينة عالمية تنافس كبرى مدن العالم.
د.عدنان عبدالبديع اليافي
19/11/2008م

بواسطة : hashim
 0  0  3114
التعليقات ( 0 )

-->