• ×

عنوان المجد في طبعته الجديدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عنوان المجد في طبعته الجديدة

بقلم: إبراهيم بن عبدالله السماري
alsmariibrahim@hotmail.com

يعد كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» من أشهر الكتب التي أرخت لهذه المنطقة في حقبة تاريخية معينة، وبرغم ما لوحظ على هذا الكتاب وغيره من أخطاء تاريخية عند تسجيل الأحداث، وما نبه إليه من أغلاط في تفسير تلك الأحداث لغلبة وجهة النظر الشخصية على ذلك التفسير، إلا أنه يظل من أهم التواريخ النجدية، ولاسيما في ظل ندرة التوثيق المكتوب لأحداث هذه المنطقة من أبنائها. وقد تعددت الطبعات المنشورة في تحقيق هذا الكتاب، إلا أن طبعة دارة الملك عبدالعزيز تعد أفضل الطبعات المتداولة على الإطلاق بالنظر إلى ما قدمته من خدمة علمية ومهنية.
والملحوظ أن عدداً من طبعات الكتاب تعتمد على المخطوطة ذاتها، إلا أنها تختلف في جودتها وإتقانها لعدة أسباب، أولها مدى كفاءة المحقق، والثاني اختلاف طريقة ومنهج التحقيق، والثالث: الهدف من نشر الكتاب، حيث يغلب الهدف التجاري على كثير من طبعات الكتب ومنها هذا الكتاب، بل إن غلبة هذا الطابع على كثير ممن عني بنشر هذا الكتاب تسبب في طمس أو تشويه المحتوى العلمي له.

ومن المعروف عند المهتمين بكتب التراث وتحقيق نفائسه أن التحقيق له مدارس مشهورة وكل مدرسة لها خصائصها ولها أشخاصها كذلك، فهناك مدرسة تعتمد على ملء الحواشي بالإسهاب والإطالة والاستطرادات التي غالباً ما تخرج عن خط سير موضوع الكتاب بقصد الإفادة ولو على حساب مقصود المؤلف، فكأنهم أرادوا أن يكون المطبوع جامعاً بين تحقيق النص الأصلي «المخطوط» وبين التأليف «الحواشي» في آن واحد، والمدرسة الأخرى تركز على إخراج نص المؤلف كما أراده هو وعدم التدخل فيه إلا بتصحيح ما لا يصح تركه دون تصحيح أو تعليق ونحو ذلك، بقصد أن المؤلف ينسب لصاحبه وليس إلى محققه، وربما عمد بعض أنصار هذه المدرسة وكثيراً ما يفعلون إلى الإعراض عن صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه وصحة عنوانه ونحو ذلك من أدبيات الدراسات التي يعتمد عليها التحقيق.

والمدرسة الثالثة عنيت بالموازنة بين ذا وذاك بحيث تتم المحافظة على نص المؤلف كما أراده وعدم التدخل لتصحيحه أو شرحه إلا عند الضرورة، مع العناية بصنع دراسة تحليلية للكتاب وتعقب موارده ومع الحرص على وضع فهارس متنوعة لتعم فائدته وتسهل مراجعته.

وقد صدر عام 1423/2002م عن «مكتبة الملك عبدالعزيز العامة» بالرياض طبعة جديدة من طبعات كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» لمؤلفه عثمان بن عبدالله بن بشر، بتقديم الأستاذ عبدالله بن محمد المنيف المتخصص في المخطوطات دراسة وممارسة، وهذه الطبعة تتبع في منهجها المدرسة الثالثة من مدارس التحقيق التي أشرت إليها مع قربها الشديد من المدرسة الثانية، حيث اعتمدت هذه الطبعة على نشر الكتاب مصوراً من نسخة مخطوطة مكتوبة بخط واضح وجميل، مع شيء من الأدبيات المعتادة لتتميم الفائدة بالتعريفات الضرورية وتتبع ظروف التأليف ومنهجه، مما يجعل اقتناءها متعة لا تعدلها متعة.

أشارت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في تقديم الكتاب إلى أنه من المصادر الأساس لتاريخنا الوطني، ويعد سجلاً دقيقاً لكثير من المواقع والحروب التي عاصرها المؤلف، فوق كونه حافلاً بأسماء كثير من القبائل والمدن والعلماء، وفي كلمته الأولى أشار الأستاذ عبدالله المنيف إلى أن أهمية هذه المخطوطة تنبع من كون المؤلف قرأها وأكثر من نسخها، ونهج في ترتيبها نهجاً يخالف غيرها من النسخ وذلك بجعل السوابق في أول الكتاب بعد أن كانت في النسخ الأخرى مبثوثة في ثناياه، ثم قام الأستاذ المنيف بالتعريف بالمؤلف، والتعريف بالكتاب، وذكر أن من أهم مصادر ابن بشر التي لم ينص عليها صراحة تاريخ ابن لعبون في السوابق، وتاريخ ابن غنام في ما بعد ذلك، وأوضح أنه استفاد منهما في تصحيح بعض المعلومات في عنوان المجد وسوابقه، ثم تتبع مصادر ابن بشر في عنوان المجد مسحاً إحصائياً وتتبعاً تحليلياً، كما أشار الأستاذ المنيف إلي طبعات الكتاب وأنها وصلت إلى أكثر من عشر طبعات ولعدة مرات في كل طبعة، وأبدى مرئياته حيال كل طبعة، منوهاً بطبعة دارة الملك عبدالعزيز من حيث الفهارس والكشافات وجودة الطباعة، ثم قام بوصف المنهج الشكلي في النسخ الخطية والمطبوعة، وأعطى معلومات مفصلة عن الوصف الاكتناهي للمخطوطة التي اعتمدت عليها هذه الطبعة من حيث مسطرتها وعدد صفحاتها وألوان الحبر وطريقة التنقيط ونوع الخط ونحو ذلك، مما أعطى لهذه الطبعة شخصية علمية تخصصية تفتقدها مهنة الوراقة في كثير من تحقيقات ونشر المخطوطات، وأتمنى أن يكمل الأستاذ المنيف ما بدأه في هذه الطبعة، وما وعد به في مناسبة سابقة من تتبع خصائص الكتابة في المخطوطات النجدية من حيث رسم الخط وطريقة الكتابة والحبر ومسطرة السطر وغير ذلك من المداخل المهمة للتعريف بتلك المخطوطات، فالموضوع يستحق الجهد، والباحث أهلٌ له.

وختم الأستاذ المنيف مقدمته بذكر مسوغات نشر هذه النسخة من وجهة نظره مشيراً إلى جملة أسباب تتعلق بالمؤلف ابن بشر من حيث خلفيته العلمية وقدراته الفكرية، وتميزه مع ابن غنام في ذكر تفاصيل الأحداث التي عاصرها.

استغرقت المقدمة بما فيها تصدير المكتبة وكلمة المعلق ثلاثين صفحة، منها صفحتان خصصتا لفهرس زمني بتواريخ أحداث السنوات التي تناولها ابن بشر من عام 850هـ حتى عام 1268هـ والصفحة التي ورد فيها تاريخ كل سنة في هذه الطبعة، فكان فهرس السنوات هذا بديلاً عن فهرس الموضوعات، كما تضمنت المقدمة صورة لوقفية الكتاب.

وفي نهاية هذه الطبعة أُلحق كشاف هجائي معجمي للأعلام والقبائل والأماكن والوقائع في ثمان وسبعين صفحة، ولقد لحظت أنه بالنظر إلى ما ذكره ابن بشر في كتابه من كُتُبٍ كان الأولى أن يشمل التكشيف سجلاً بتلك الكتب المذكورة في الكتاب لما في ذلك من فائدة.

كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» لمؤلفه عثمان بن بشر بدراسة وتقديم الأستاذ عبدالله بن محمد المنيف تجربة فريدة حيث لم يسبق في حدود علمي أن صدر من كتب التاريخ الوطني كتاب عن تحقيق مخطوطة مصوراً عن تلك المخطوطة بإخراج ملون جميل، وزاده جمالاً حسن طباعته، وجودة تجليده ونوعية ورقه، مما يسر طبعه في مجلد واحد في خمسمائة وخمس وثلاثين صفحة تضاف إلى المقدمة التي جاءت في قرابة ثلاثين صفحة ليصبح مجموع صفحاته خمسمائة وخمساً و ستين صفحة.

الأمر المستغرب في هذه الطبعة هو عدم ذكر اسم المقدم للكتاب الأستاذ عبدالله بن محمد المنيف في الغلاف الخارجي للكتاب ولا في الورقة المعدة فوق الغلاف الخارجي، وكذلك تَجاهُل ذكر اسمه في نهاية كلمته التي صدر بها دراسته للكتاب، والأمر المستغرب الآخر أن فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية المطبوعة خلت من اسم المقدم، برغم أن ذلك حق من حقوقه، وبرغم أن الناشر جهة علمية على اطلاع بحقوق النشر وتبعاته، والاكتفاء بالإشارة إلى المعلق في العنوان الداخلي للكتاب لا يكفي في رأيي للتعبير عن حقوقه.
هذا وبالله التوفيق.

بواسطة : hashim
 0  0  4630
التعليقات ( 0 )

-->