• ×

ذو الحليفة أو آبار علي بالمدينة المنورة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ذو الحليفة أو آبار علي بالمدينة المنورة


2015/11/27

بقلم | ضياء محمد عطار

ذو الحليفة بالمدينة المنورة الذى اشتهر بآبار على منذ عدة قرون مضت من الهجرة النبوية الشريفة ولا يزال يعرف بها ، وهو واد مبارك من العقيق ، وهو ميقات الحرم ، ولا يجوز لمن كان يريد الحج أو العمرة الى بيت الله الحرام تجاوزه الا محرما . وهو أحد المواقيت الخمسة للحرم المكى الشريف التى وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا للقادمين من الآفاق . وهو أبعد المواقيت الخمسة عن مكة شرفها الله وعظمها .

وهو موضع مبارك له فضل وشرف .. وقد أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فيه لما رواه الامام البخارى فى صحيحه ، فقال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي قال حدثني يحيى عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني الليلة آت من ربي وهو بالعقيق : أن صل في هذا الوادي المبارك ، وقل عمرة في حجة . وروى الامام البخارى أيضا فى صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم : أري وهو في معرسه ( أي مبيته ) من ذي الحليفة في بطن الوادي ، فقيل له : إنك ببطحاء مباركة . أي بذى الحليفة .

وبه مسجد الشجرة ، وهو مسجد الميقات . وهو من مصليات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومساجده التى صلى فيها . لما روى الامام النسائى فى سننه الكبرى قال : أخبرني عيسى بن إبراهيم بن مثرود المصري ، قال حدثنا بن وهب قال أخبرني يونس يعني بن يزيد عن بن شهاب قال إن سالما أخبرني أن أباه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل يقول : لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، وإن عبد الله بن عمر كان يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة ، أهل بهؤلاء الكلمات .

وعلى شرفه وكونه أحد مواقيت الحرم المكى الشريف ، وكونه من حرم المدينة المنورة التى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : المدينة حرم ما بين عير الى ثور الحديث . والعير جبل يقع فى آبار على بموازاة جبل أحد جنوبا كما هو معروف . وكذلك لكونه من وادى العقيق المبارك . فكان معروفا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى الحليفة . وهوكذلك فى كثير من كتب الفقه المتقدمة . ولكنه اشتهر منذ القرن السابع للهجرة الشريفة ( ببئر على أو آبار على ) وذلك عند كثير من علماء التاريخ وعلماء الفقه . وكذلك عند المختصين بتاريخ سيدة البلدان ومأرز الهدى والايمان ، مدينة سيد ولد عدنان ، صلى الله عليه وسلم ، وعند أهل المدينة المنورة عامتهم وخاصتهم . ولكن لا يدرى الكثيرون من هو ( على ) هذا الذى نسب اليه ذو الحليفة ؟؟. ولا يزال هناك خلاف فى تحديد شخصية ( على ) المنسوب اليه هذا الوادى المبارك . فهناك من ذكرها منسوبة لعلى مجهول ، على العموم دون تعليق ولا تعريف . ولم يعين من هو هذا ( العلى ) الذى ينسب اليه ؟ فمن علماء الحديث والفقه الامام شهاب الدين ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى وغيره كثيرون . ومن علماء التأريخ الامام زين الدين أبو بكر حسين المراغى فى تاريخه تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة ، والامام جمال الدين محمد المطرى فى تاريخه التعريف بما انست الهجرة من معالم دار الهجرة . والامام السيد نور الدين على السمهودى فى تاريخه المشهور وفاء الوفا ، ولكنه زاد فقال : إن نسبتها للامام على رضى الله عنه لا تصح . بينما هناك عدد كبير من العلماء صرحوا فى كتبهم وتواريخهم المعتمدة : أن المنسوب إليه ذو الحليفة هو الامام على ابن أبى طالب رضى الله عنه .

وممن صرح بنسبتها للإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه ممن اطلعت علي مصنفاتهم : العلامة جمال الدين يوسف ابن المجاور الشيبانى رحمه الله فى كتابه : تاريخ المستبصر ، وهو من علماء القرن السادس للهجرة المطهرة حيث تحدث عن رحلته عام ( 626 ) ستة وعشرين وستمائة من الهجرة الشريفة ، فقال ما نصه : وبئر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهي بئر عظيم البناء ، يروى الحاج منها إنتهى .

ومنهم العلامة على بن الحسن الخزرجى فى تاريخه العقود اللؤلؤية فى تاريخ الدولة الرسولية ، فقال فى ترجمة الملك المجاهد ملك اليمن فى أخبار سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة من الهجرة ما نصه : ثم ارتحل السلطان فأَمسى على بئر علي عليه السلام أول ليلة من ذي الحجة ، فأصبح يومه هنالك . ثم سار فكان وصوله مكة ليلة الأربعاء الثاني من ذي الحجة ، فدخل مكة عشاءً وطاف طواف القدوم ، وسعى ودخل البيت المعظم بعد الطواف والسعي ، فلما خرج من البيت دخل مدرسته المجاهدية إنتهى .

ومنهم العلامة السيد محمد كبريت الحسينى المدنى وهو من علماء المدينة فى القرن العاشر الهجرى ، حيث قال فى كتابه الجواهر الثمينة فى محاسن المدينة ما نصه : ذو الحليفة وبئر سيدنا على ، وقد عمر الوزير محمد على باشا بذى الحليفة البئر المنسوبة إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه وكرم وجهه ، على يد نقيب السادة الأشراف بالمدينة المنورة السيد أحمد بن أسعد الحسينى فى سنة تسعمائة واثنتين وثمانين إنتهى .

ومنهم العلامة السيد جعفر بن إسماعيل البرزنجى مفتى الشافعية فى زمانه بالمدينة المنورة حيث قال ، فى كتابه نزهة الناظرين فى تاريخ مسجد سيد الأولين والاخرين في سياق عمارة المسجد النبوى الشريف عام 1267 وهم يبحثون عن معدن للحجر الصلد لعمارة مسجد سيد الورى صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما نصه : وكشفوا عما بأطراف المدينة من الجبال أياما ، حتى وجدوا من الهضاب التى بمحاذاة أبيار سيدنا على كرم الله وجهه ببطحاء وادى العقيق جبلا عظيما إلخ . وهؤلاء العلماء صرحوا بنسبتها للامام على رضى الله عنه صراحة دون غموض ولا لبس . وأجمعوا على نسبتها للآمام على ابن أبى طالب رضى الله عنه صراحة كما مر ذكره . ولكن هنا بعض المعاصرين من المفكرين والدعاة المصريين ، صرح على الملأ ، أنه منسوب للسلطان على دينار سلطان دارفور بالسودان . وقال : يجهل الناس آبار على لمن هى منسوبة . إنها منسوبة الى السلطان – على دينار – سلطان دار فور – الذى أنشأ هنالك آبارا وجدد مسجدها ، وعمل بها الخيرات للحجاج والزوار ، ولذلك سمى الموضع بآبار على . وأكد أن يقوله هى الحقيقة التى يجهلها كثير من الناس الخ .. فاقتنع بهذا الكلام عدد من إخواننا المثقفين من أهل السودان وغيرها ورددوها فى كثير من المقالات ، مؤكدين أن آبار على هى نسبة للسلطان على بن دينار سلطان دار فور .

وعليه أقول وأوضح لمن يعلم أو لا يعلم : إن نسبتها للسلطان على دينار غير صحيحة اطلاقا ، وما يذكره هؤلاء المثقفون كلام عاطفى عابر لا يستند الى دليل ولا حجة . ومن الواجب على أمثال هؤلاء العلماء الكرام : أن يصححوا لأنفسهم معلوماتهم قبل أن يبثوا فى الناس معلومة خاطئة هكذا ، مهلومة عابرة لا تنم عن معرفة ، ولا ينسجم مع تاريخ هذا الموضع المبارك . بدليل أن السلطان على بن دينار رحمه الله كان من أهل القرن الرابع عشر الهجرى ، حيث أنه قد توفى سنة ( 1335 ) من الهجرة الشريفة شهيدا على يد الانجليز ، فكيف يصح أن تكون آبار على ( ذو الحليفة ) قد عرفت منسوبة للسلطان على دينار ، وهى قد عرفت منسوبة للإمام على رضى الله عنه منذ سبعمائة سنة أي من قبل سبعة قرون سبقت ولادة السلطان على دينار كما سبق ، وهذا كلام فيه مغالطة كبيرة وتصحيف . وتبرير نسبتها الي السلطان على ابن دينار جهل ووهم ، لا يقبل التصديق ولا الالتفات اليه . ونحن لا نشك : إنه كان للسلطان على دينار رحمه الله ، أياد جميلة فى الحرمين الشريفين ، أوفى آبار على رضى الله عنه بالذات ، لأنه كان رجلا عرف بالخير وله أفضال كثيرة ، كما يقال أنه أيضا كسى الكعبة المشرفة في أحد السنين من سلطانه مع أننى لم أتأكد من هذا الخبر علميا ولا تاريخيا ، وعلى كل حال نسال الله تعالى له حسن القبول ، وأن يجزل مثوبته ، ولكن هذا لا يعنى أن ننسب إليه ما ليس له ، وأن نغالط فى التاريخ ، ولا سيما فيما يتعلق بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتاريخها . وأن نوضح أن نسبتها للسلطان على دينار باطل على كل الوجوه . وأما نسبتها للامام على رضى الله عنه قائمة ، مالم يثبت منكرها أدلته التى تدحض هذا الاثبات ، وأن يحدد من هو هذا – العلى – المجهول الذى ينسبون إليه آبار على رضى الله عنه ، ونطالبه أن يدحض نسبتها للامام على رضى الله عنه بشئ من الحقائق التى تثبت النفى بمفهوم علمى وتاريخى يمكن الوثوق به ، ويمكن للباحث قبوله والتسليم له .. وأما نفيه نسبتها للامام على رضى الله عنه بدون حجة تبقى كلام طائش ، وبالطبع ليس هناك – على – مجهول ، يأخذ بمثل هذه الشهرة منذ قرون من التاريخ وفى مدينة سيد الورى صلى الله عليه وسلم ، وفى أهم مواقيت الحرم ، إلا أن يكون – عليا – معروفا يستحق هذه الشهرة . وعليه فنسبتها للآمام على بن أبى طالب رضى الله عنه صحيحة لاغبار عليها ، ما دام ذلك كان مشهورا منذ القرن السادس للهجرة الشريفة وحتى اليوم ، فالاثبات بحجة راجح على النفى بدون حجة . وهناك جماعة قالوا : إن نسبتها للامام على رضى الله عنه كانت من عمل الشيعة ، فشنعوا فى هذه التسمية ، وقالوا : ان الشيعة تدعى أن عليا رضى الله عنه قاتل الجن بذى الحليفة ، ولذلك سميت بآبار على الخ ..

وعليه أقول : إن القول بأن الامام عليا رضى الله عنه قاتل الجن بذى الحليفة لهو كلام مردود على صاحبه ، وهو كلام باطل لا يصح تصديقه لا نقلا ولا عقلا . وإن الامام عليا رضى الله عنه لم يقاتل جنا ولا إنسا بذى الحليفة ، بل لم يقاتل الجن فى حياته أصلا . وأما التشنيع بأن هذه التسمية هى من عمل الشيعة فهو كلام غير مقبول . لأن هذه التسمية سواء كانت من عمل أهل السنة أو من عمل الشيعة ليس فيها عيب ، فلم ينسبوها ان نسبوها الا الى سيد من سادات الصحابة ، وركن من أركان أهل النبوة ، فلا داعى لهذه المعارضة ولا داعى لهذا التشنيع .. والله الهادى الى سواء السبيل ..

بواسطة : ضياء محمد عطار
 0  0  863
التعليقات ( 0 )

-->