• ×

موقف الإمام أحمد بن حنبل و شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبدالوهاب من حكام عصرهم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

موقف الإمام أحمد بن حنبل و شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبدالوهاب من حكام عصرهم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


أما بعد: هذه مقالة كتبتها للجواب على ثلاث تهم وجهت لثلاثة من علماء الإسلام.

الأولى: أن الإمام أحمد بن حنبل واجه الخلفاء ونقد باطلهم.

والثانية: أن شيخ الإسلام ابن تيمية طالب السلطان بالجهاد وأغلظ القول له.

والثالثة: أن العلامة المجدد محمد بن عبدالوهاب التميمي خرج على الدولة العثمانية وقاتلها وكفرها.


أقول وبالله التوفيق: لقد أخطأ من اتهم الإمام أحمد حنبل الشيباني (ت٢٤١هـ) بأنه واجه الخلفاء ونقد باطلهم ، إذ لم ينقل عن أهل العلم بأنه واجه الخلفاء وفند باطلهم، إنما فند باطل أهل البدع وناظرهم مع تعظيمه لسلطان المسلمين، والنصوص في تعظيمه للسلطان وحقنه لدماء المسلمين كثيرة، انقل لسيادتكم بعض النصوص للإمام أحمد التي قد جمعتها في كتاب لنا باسم: (أخبار الخارجين على الولاة عبر خمس قرون) وهي دراسة عن الدماء التي سالت من أثر خروجهم، وتندم الخارجين، ومواقف السلف في الخارجين)، منها:



تحذير الإمام الإمام أحمد بن حنبل من الخروج على السلطان وإن كان ظالمًا فاحشًا في ظلمه، وهذا نصه: «من خرج على إمام من أئمة المسلمين- وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان: بالرضا أو بالغلبة-؛ فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارج عليه؛ مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق».

ونقل الإمام حرب مذهب أحمد في تعظيم السلطان والتحذير من الخروج عليه بأنه يجب: الانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمر كم، ولا ننـزع يداً من طاعة، ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك: فهو مبتدع و مخالف، ومفارق للجماعة».

وكذا نقل العلامة ابن مفلح مذهب الإمام أحمد في الخروج على الحاكم، فقال: «نصوص أحمد أنه لا يحل الخروج، وأنه بدعة يخالف الدين، وأمر بالصبر، وإنه إذا وقعت عمت الفتنة، وانقطعت السبل، وسفكت الدماء وتنتهك المحارم، قال سحبنا عامة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلة الصبر».


ذاك رأي الإمام أحمد بن حنبل وفتاواه، وقد طبقها رحمه الله قولاً وعملاً ، أما القول فقد نقلناه آنفًا، وأما التطبيق فقد أنكر الإمام أحمد على من خرج على الحاكم أو هم بالخروج عليه، ودونك مواقفه:



موقف الإمام أحمد من خروج أبي العميطر السفياني على الخليفة الأمين العباسي:

قال الحافظ الذهبي (ت748هـ): «وعن أحمد بن حنبل أنه قال للهيثم بن خارجة: كيف كان مخرج السفياني؟ فوصفه بهيئة جميلة واعتزال للشر، ثم وصفه حين خرج بالظلم، وقال: أرادوه على الخروج مرارًا ويأبى، فحفر له خطاب سربًا تحت الأرض إلى تحت بيته، ثم دخلوا ونادوه في الليل: اخرج فقد آن لك. فقال: هذا شيطان. ثم أتوه ثاني ليلة فوقع فيه نفسه. وأتوا ثالث ليلة فخرج. فقال الإمام أحمد: أفسدوه».



موقف الإمام أحمد من روم سهل بن سلامة الأنصاري المطوعي الخروج على الخليفة المأمون:

قال الحافظ أبوبكر المروذي: «سمعت أبا عبد الله –أي أحمد بن حنبل-يأمر بكف الدماء، وينكر الخروج إنكارًا شديدًا، وأنكر سهل بن سلامة، وقال كان بيني وبين حمدون بن شبيب أنس، وكان يكتب لي، فلما خرج مع سهل جفوته بعد، وكان قد خرج ذاك الجانب، فذهبت أنا وابن مسلم فعاتبناه وقلت: إيش حملك فكأنه ندم أو رجع».

وقال أبو الحارث الصائغ: سألت أبا عبد الله –أي أحمد بن حنبل- في أمر كان حدث ببغداد، وهمَّ قوم بالخروج فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟

فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: سبحان الله الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه-يعني أيام الفتنة-قال: والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال: وإن كان فإنما هي فتنة خاصة فإذا وقع السيف عمت الفتنة وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به.



وأما قوله بأن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) طالب السلطان بالجهاد وأغلظ له القول، فأقول: أما نصحه للسلطان بالجهاد فكان أهل لذلك النصح، إذ يُعد في ذاك الزمان إمامًا، ومن الراسخين في العلم بشهادة معاصريه ومن بعده.

وأما قولكم بأن ابن تيمية أغلظ القول للسلطان، فلا يمكن ذلك؛ لأن النصوص المنقولة على لسان شيخ الإسلام ابن تيمية تعظم السلطان وتعرف حقه وتحذر الناس من الخروج عليه، وأقوله في ذلك كثيرة، منها قوله: «استمر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين»... إلى أن قال: «وهذا كله مما يبين أن ما أمر به الرسول ﷺ من الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم والخروج عليهم؛ وهو أصلح الأمور للعباد في المعاض والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئًا؛ لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد، ولهذا أثنى النبي ﷺ على الحسن بقوله: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقة للجماعة».

وقال: «لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان خروجهامن إفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته».

وقال: وقل من خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولد على فعله من الشر؛ أعظم مما تولد من الخير».

وقال: «وما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه: من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم».



وأما قوله بأن العلامة المجدد محمد بن عبدالوهاب التميمي (ت١٢٠٦هـ) حمل هو وأصحابه السلاح على الدولة العثمانية وكفروها وحاربوها.


فالجواب: لم يخرج العلامة محمد بن عبدالوهاب التميمي على الدولة العثمانية؛ لأن نجد لم تكن في يومًا ما تابعة للدولة العثمانية، شأنها كشأن المخلاف السليماني الواقع جنوب السعودية، واليمن، وليس للولاة العثمانيين وقت ظهور العلامة محمد بن عبدالوهاب ودعوته ولاية على نجد أو حامية تركية، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية أن هناك رسالة تركية عنوانها: (قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان) ذكر فيها مؤلفها التركي أن دولة آل عثمان تنقسم إلى 32 إيالة منها أربع عشرة إيالة عربية، ولم يذكر من ضمن هذه الإيالات بلاد نجد، والعلامة محمد بن عبدالوهاب رحمه الله لم يخرج على الدولة العثمانية إنما خرج أوضاع فاسدة في بلده صحح فيها عقائد الناس وأحيا فيها معالم التوحيد، وهناك رسالة لطيفة ألفت لدفع هذه الشبهة وتكذيبها وفيها زيادات وايضاحات لجمع من العلماء والمؤرخين تحت الرابط: https://saaid.net/monawein/sh/5


كتبها:

إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير

٤ ذو القعدة ١٤٣٧هـ

بواسطة : إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
 0  0  7125
التعليقات ( 0 )

-->