• ×

المملكة العربية السعودية بعيون “العربي”

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


المملكة العربية السعودية بعيون “العربي”

بقلم | حسن شعيب
2016/08/21

منذُ فتحتُ عينيّ على قراءة الحرف والكلمات خاصةً في مكتبة عمي السيد صالح شعيب بمكة في حي الجُمّيزة “بمكتبة شعيب” وأنا أرى والدي رحمه الله يقتني مجلة العربي الكويتية ويحرص على متابعة وصولها شهرياً منذ أول أعدادها قبل أكثر من نصف قرن بل ويشارك في مسابقاتها الشهرية .

وكان من توفيق الله لي بعد هذه السنين ؛ أن يكون لقلمي نصيبهُ من صفحات تلك المجلة المميزة قبل عامين ؛ حين رشّحني الصديق القدير أ.نبيل خياط لكتابة استطلاع المجلة في عدد ذي الحجة عن تاريخ توسعات المسجد الحرام حتى آخر توسعة للملك عبدالله بن عبد العزيز ( رحمه الله ) والذي نشر في العدد 671 لشهر أكتوبر 2014م .

ومرّت الشهور ويفْجَأني الصديق اللطيف الشاعر محمد الجلواح – الذي كان همزة الوصل بيني وبين مجلة العربي – بأن جميع استطلاعات مجلة العربي عن المملكة قد نُشرتْ مؤخراً في كتابين يحكيان مسيرةَ المملكة عبر 55 عاماً في 44 استطلاعاً مصوّراً كان ختامها استطلاعي عن توسعة المسجد الحرام !

فحرصتُ على اقتناء ذلك الكتاب المعنون “المملكة العربية السعودية بعيون العربي” حتى وصلني قبل أيام عبر أحد أصدقاء القراءة بالكويت أخي أ.خالد الشداد الذي استخرجه لي من قلب إدارة المجلة بالكويت ولمّا ينزل بعد للمكتبات !

الكتاب بجزأيه في ألف صفحة ملوّنة هي مجتزأة تماماً من أعداد المجلة كما نُشرتْ ، مع إثبات صورة غلاف كل عددٍ من المجلة بتاريخها وبيانات نشرها كجانب توثيقي مهم للباحثين وشاهد للتاريخ .

قدّمَ الكتابَ وزيرُ الإعلام الكويتي الشيخ سلمان صباح الصباح مبيّناً فيه متانة العلاقة بين البلدين الشقيقين ، والإشارة إلى أن إعداد وطباعة وإصدار الكتاب استغرق مدة 5 أشهر ، بعدها كانت المقدمة الضافية لرئيس تحرير مجلة العربي د.عادل العبد الجادر ؛ مشيراً إلى أن استطلاعات المجلة عن المملكة بالكلمة والصورة بدأت قبل 55 عاماً منذ العدد رقم 15 لشهر فبراير من عام 1960هـ باستطلاع عن مدينة الرياض العاصمة ؛ كتبه رئيس تحرير المجلة وقتها د.أحمد زكي ، توالتْ بعده الاستطلاعات عن المملكة متفرقة في 44 استطلاعاً حتى العام 2014م تمّ جمعها كما نُشرتْ بالمجلة بين دفتي هذا الكتاب في جزأين .

ولا أدري لماذا تجاوز رئيس التحرير د.عادل الاستطلاعَ الأول لمجلة العربي عن المملكة المعنون “لبيك اللهم لبيك” عن مكة المكرمة والمنشور في عددها رقم 7 لشهر يونيو 1959م وهو المنشور أولاً – تاريخاً وترتيباً – في جزء الكتاب الأول ، واعتبرَ استطلاع الرياض المتأخِّر عنه هو الأول ؟!

غطّتْ استطلاعات العربي 17 مدينةً سعودية هي : مكة المكرمة ، المدينة المنورة ، الرياض ، القصيم ، جدة ، الطائف ، (المنطقة الشرقية) : الأحساء ، رأس تنورة ، بقيق ، الظهران ، الخبر ، الدمام ، القطيف ، (المنطقة الجنوبية) : أبها ، أبوعريش ، جيزان ، فرسان .. بعض تلك المدن كانت الكتابة عنها وتصويرها ربما لأول مرة !

نالتْ مكة المكرمة نصيبَ الأسد بعشرة استطلاعات مصوّرة واسعة في سنوات متفرّقةٍ كانتْ فاتحةَ استطلاعاتِ المملكة للمجلة عام 1959م ثم توالت في الأعوام ( 1965- 1988م ) حتى توقفتْ عن مكة 12 عاماً لتعود مرةً أخرى عام 2000م وما تلاه حتى العام 2014م .

شارك في كتابة تلك الاستطلاعات – خلال 55 عاماً – عن المملكة 22 كاتباً هم ( مرتبين بالأقدم ) : أحمد زكي (رئيس تحرير المجلة) ، سليم بسيسو ، محمد بدر الدين خليل ، سليم زبال ، محمد طنطاوي ، محمد حسني زكي ، صادق يلي ، يوسف الشهاب ، محمود عبد الوهاب ، سليمان مظهر ، أنور الياسين ، محمد المنسي قنديل ، جمال مشاعل ، أشرف أبوزيد ، يحيى سويلم ، عرفة عبده علي ، حسين محمد بافقيه ، جمال الغيطاني ، عبدالرحيم العلام ، عبد الله السمطي ، حسن محمد شعيب .

ولأن الاستطلاعات تقوم على التوثيق والتصوير الفوتوغرافي كان هناك مصوّرين لتلك التقارير عبر مسيرة المجلة لم يتجاوز عددهم أصابع اليدين وهم : أوسكار متري ، عبدالناصر شقرة ، فهد الكوح ، طالب الحسيني ، سليمان حيدر ، حسين لاري ، رضا سالم ، سمير السيد .

تميّزت استطلاعات العربي عن المدن السعودية بالصور الفوتوغرافية الملوّنة التي تحكي المدينة في الزمان الذي غطّته ، وتكاد تدخلُ بعضُ الصور في تفاصيل الحياة والناس ووسائل معاشهم اليومي ؛ حتى لكأنك تعيش بينهم ! فإذا ما تتبعْتَ تلك الاستطلاعات للمدينة الواحدة عبر نصف قرن – كما في مكة المكرمة – تمثّل أمام ناظريْك “فيلم” كامل لتاريخ المدينة وتطوّرها الحضاري والإنساني عبر السنين ، ولا أبالغُ إنْ قلتُ بأن صور مكة والحرم الشريف والمشاعر المقدّسة عبر تلك الاستطلاعات تمثّل بانوراما حقيقية لماضي وحاضر المدينة لو تمّ اجتزاؤها مفردةً في معرض فوتوغرافي خاص ! وقس على ذلك بقية مدن المملكة .

كان بعض تلك الاستطلاعات سبقاً صحفياً انفردتْ به العربيُّ في المملكة مثل استطلاعها عن “سلاح الطيران السعودي” عام 1961م ، وعن “مصانع السلاح السعودي” عام 1985م ، وحمل الاستطلاعان توثيقاً فوتوغرافياً نادراً لأماكن عسكرية ممنوع التصوير فيها منعاً باتاً !

مصوِّرو العربي كانوا يتغلغلون في تفاصيل كل مدينة في : مساجدها ، مكتباتها ، دكاكينها ، حاراتها ، مقاهيها ، وبين رجالها ونسائها وأطفالها ؛ للدرجة التي تجعلك تقرأ في تتابع الاستطلاعات أزياء المرأة السعودية في مختلف مناطق المملكة غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً ؛ حيث ركّزت الكاميرا على الجانب الإنساني والاجتماعي ؛ إذ تحكي الصورة في استقرائها الزماني خلال نصف قرن الجانب الحياتي للرجل والمرأة في المملكة من خلال صور الحرف والمهن ، وكيف استطاعت العدسة الوصول إلى النساء بأماكن متعددة في : الروضة ، والمدرسة ، والسوق ، والمعهد ، والجامعة ، والمستشفى ، والمسجد .. ناهيكَ عن حياة المرأة الغربية بكل أريحية في لباسها بالمنطقة الشرقية بحكم شركات النفط الأجنبية هناك !

كانت الاستطلاعات تنزل تحت قسم بالمجلة عنوانه “اعرف وطنك أيها العربي” خُصّصَ للمدن العربية ، ولكن بعضها خرجَ إلى عناوين فرعية خاصة لمعالم ومظاهر حضارية مميزة بالمملكة مثل : توطين البدو ، الذهب الأخضر بعد الذهب الأسود ، مواقع التاريخ تحت رمال الجزيرة العربية ، التجربة السعودية في الزراعة ، لحوم الهدي والأضاحي ، مجلس الشورى السعودي ، دارة الملك عبد العزيز ، الحج لمسة فن ، رمضان ليالي البهجة والرحمة ، المزارات الدينية في مكة والمدينة .

وللحقيقة فإن اللذة في قراءة مقالٍ كتب قبل نصف قرنٍ لا تقلّ في عبقها المعرفي والتاريخي عن قراءة الصورة الفوتوغرافية التي تشحذ الذاكرة سريعاً نحو الزمن وتستحضرُ تفاصيل المكان والزمان والشخوص في مشهدٍ يعتصر العقل والقلب شوقاً وحنيناً .

لذلك حبّذا لو خرج أمثالُ هذه الأعمال التجميعية في موضوعات متفرّقة بمجلاتنا الزاخرة لاشك بمثل ذلك التنوّع والعبق الجميل ، وقد قامتْ المجلةُ العربية مؤخراً بإصدارات تحمل نفس الفكرة مما جمعتهُ أبوابُها عبر 40 عاماً في : الحوارات ، والأعلام ، والدراسات الأدبية ، والقصة القصيرة ، والقصائد ، والمدن .. كلّ قسمٍ في جزءٍ مفرد ؛ خدمةً للباحثين بحسب مجالات اهتمامهم .

وهناك أيضاً مجلات ثقافية قديمة وعريقة أمثال : المنهل ، الفيصل ؛ هما جديرتان بأن تخطوا تلك الخطوة في إعادة جمع ما صدر فيها من استطلاعات ، أو تراجم ، أو دراسات .. وغيرها لاشك ستكون مَعيناً ومادةً تاريخية ثريّة للباحثين تسهّل عليهم الكثير وتجمع ما تفرّقَ عبر السنين في مكان واحد سهل الوصول في تحقيق المأمول .

من آخر السطر :

تظل الكتب المقتطفة من المجلات والصحف تحمل طعماً ورائحة معرفية جميلة للماضي الثقافي ؛ فالمجلات العربية القديمة زاخرة بكتابات كبار الأدباء والمثقفين والصحفيين الذين امتازوا بالرصانة والجودة والإخلاص في العمل الكتابي ، يُضاف إلى ذلك تلك القيمة التاريخية والتوثيقية التي يُضفيها الزمن على أعمالهم كشواهد للعصر بالكلمة والصورة .

حسن محمد شعيب

Shuaib2002@gmail.com

بواسطة : حسن شعيب
 0  0  680
التعليقات ( 0 )

-->