• ×

صور من التلاعب بالتاريخ وتحريفه: وقفة مع بحث: "سلطة أشراف مكة ونفوذهم في المدينة المنورة (منقحة ومزيدة)"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
صور من التلاعب بالتاريخ وتحريفه:
وقفة مع بحث: "سلطة أشراف مكة ونفوذهم في المدينة المنورة".

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أمَّا بعد:
فقد وقفت على بحث بعنوان "سلطة أشراف مكة ونفوذهم في المدينة المنورة" للدكتور عويضة بن متيريك الجهني (أستاذ التاريخ في جامعة الملك سعود)!! وقد آسفني ما رأيتُ في هذا البحث من خلط، وليٍّ لأعناق النصوص التاريخية ليَّا فاضحًا؛ ليثبت من خلالها أنَّ حكام مكة الأشراف كانوا لا سلطة ولا نفوذ لهم على المدينة النبوية في القرون المتأخرة. ودونك أيها القارئ الكريم بيان سوء فهمه وافترائه؛ بل وجنايته على التاريخ:
أولًا: تلاعبه بالنصوص؛ لتحقيق ما ادَّعاه ولتتفق مع رأيه؛ من ذلك:
أنه أَوَّلَ نصوص العلماء القائلين بأن شريف مكة هو حامي الحرمين. وفي رواية: خليفة الحرمين. وفي رواية: والي الأقطار الحجازية. أَوَّلَهَا بأنها كُتبت لإرضاء شريف مكة، ولم يذكر دليلًا على كلامه الذي لا يعدو أن يكون طعنًا في أمانة مؤرخي مكة.
وتأمل كيف لوى قول المؤرخ العصامي المكي (ت1111ھ): "الحسن بن أبي نمي تقلَّدَ بعد أن أُجِيبَ إلى مراده حماية الحرمين الشريفين وجدة وينبع وخيبر". فادعى أنَّ المقصود بالأمر السلطاني لأمير مكة الحسن: حمايةُ المدينة فقط، وليس في الأمر تصريحٌ بولايته المدينة!!
فنقول للدكتور الجهني: ونحن نلزمك بكلامك؛ فقد ورد في كلام المؤرخ العصامي أنَّ الشريف الحسن حامي الحرمين-أي: حامي مكة-فهل نفهم من كلامك أنَّ الشريف الحسن حامي مكة لا أميرها؛ وقد أطبقت التواريخ بأنه أميرها؟!!
لا أدري هل هذا جهل منه أم غلب عليه الهوى؟! فالنصوص في تاريخ مكة كثيرة على إمارة أشراف مكة وسلطتهم على المدينة النبوية في القرون المتأخرة، ودونك سبعة أدلة على ذلك، وقد تركت ضعفها:
الدليل الأول:
ترجم المؤرخ عبدالعزيز بن فهد القرشي المكي (ت٩٢٢هـ) للشريف محمد بن بركات المتوفى سنة ٩٠٣هـ فقال: "محمد بن بركات، أمير الحرمين الشريفين والحجاز قاطبة، وحلي بن يعقوب بل وجازان". (غاية المرام) (٢: ٥٠٦).
الدليل الثاني:
ترجم المؤرخ عبدالعزيز بن فهد القرشي المكي (ت٩٢٢هـ) للشريف بركات بن محمد بن بركات المتوفى سنة ٩٣١هـ، فقال: "بركات بن محمد بن بركات، صاحب الحجاز على الإطلاق، ملك الحرم الشريف، وكذا الينبوع والمدينة الشريفة، وما والاهما من المواطن المنيفة". (غاية المرام) (٣: ٣٥).
الدليل الثالث:
ذكر العلامة العياشي (ت1090هـ) في رحلته للحرمين سنة 1072هـ ولاية أشراف مكة على المدينة؛ حيث وصف أمير الحرمين الشريف زيد بن محسن، بقوله: "وهذا الأمير من أحسن أمراء عصره؛ سياسة وحسن تدبير، ولم تزل الإمارة في أسلافه منذ أعصار متطاولة، وإخوانهم بنو حسين لهم إمرة المدينة، وولاية الحجاز الآن بأطرافه من أطراف اليمن إلى أقصى نجد مما يلي البصرة، ثم إلى خيبر مما يلي ناحية الشام، ثم إلى الينبع كلها للأمير زيد بن محسن وأسلافه، وليس لبني حسين في ولاية المدينة في هذا الزمان إلا الاسم فقط، وبعض تصرف من تحت يد الأمير زيد". (الرحلة العياشية) ١/ ٣٢٦.
الدليل الرابع:
أنَّ الشريف عبدالمحسن بن أحمد بن زيد لمَّا تولى ولاية الحرمين سنة ١١١٦هـ نودي له في جدة وغيرها، ونودي له في المدينة، وخطب باسم الشريف عبدالمحسن على المنبر النبوي. (منائح الكرم ٥/ ٣٠٨-٣١١)؛ (إتحاف فضلاء الزمن ٢/ ٢٣٩)؛ (خلاصة الكلام ص١٣٣).
الدليل الخامس:
أنَّ الشريف عبدالكريم بن محمد بن يعلى البركاتي لمَّا تولى ولاية الحرمين سنة ١١١٦هـ بعد تنازل الشريف عبدالمحسن عن ولايتها؛ أرسل الشريف عبدالكريم إلى الطائف والمدينة النبوية فنودي له. (منائح الكرم ٥/ ٣٢٦).
الدليل السادس:
أنه في يوم الاثنين من شهر شوال سنة ١١٢٣هـ أمر نصوح باشا شيخ الحرم المدني وقاضي المدينة والآغوات بالنداء في المدينة لأمير الحرمين الشريف سعيد بن سعد بن زيد، فنادوا له وزيَّنوا المدينة. (منائح الكرم ٥/ ٥١٧-٥١٨)؛ (إتحاف فضلاء الزمن ٢/ ٣٦٠)؛ (خلاصة الكلام ص١٦٤).
الدليل السابع:
ما قاله المؤرخ محمد بن علي بن حيدر الموسوي الحُسيني المكي (ت١١٣٩هـ): "أولاد جعفر الحجة، أسسوا إمارة المدينة المنورة، وكانت فيهم كالمملكة المستقلة، وهم في الأزمنة التالية بالمدينة والبادية تحت أحكام بني عمهم الحَسنية القتادية، ملوك الحرمين الشريفين، وأقطار الحجاز على الحقيقة لا المجاز منذ خمسمئة عام وثلاثين عامًا". (تنبيه وسن العين ص٢٣٢ - ٢٣٣).

ثانيًا: الرجم بالغيب والافتراء.
ذكر الدكتور عويضة أنَّ أمير مكة الشريف الحسن بن أبي نمي أمر بقتل الحجيج؛ ليتدخل في شؤون المدينة؛ وزعم أنَّ سببَ اعتداء وقتل بعض القبائل للحجاج إيعازُ شريف مكة إلى نائبه على المدينة النبوية الشريف مانع الحُسيني أن يقطع عوائد ومرتبات القبائل؛ لينهبوا ويقتلوا الحجاج حتى تتاح له فرصة التدخل في شؤون المدينة ودخولها.
وهذا من الرجم بالغيب والافتراء والظلم، وكعادته؛ لم يأتِ الدكتور بدليل على هذا الإيعاز، رغم وجود عشرات النصوص التاريخية الناطقة بعدل أمير الحرمين الحسن بن أبي نمي ورفعه للمظالم وأكتفي هنا بهذين النصين في التدليل على ذلك.
الأول: أنَّ العلامة عبد القادر الطبري المكي (ت١٠٣٣هـ) ألَّفَ كتابًا أهداه إلى أمير الحرمين الشريف الحسن، وقال في مقدمته: "وجعلته خدمة لخزانة أمير المؤمنين العادل، ماحي آثار الظلم، حامي منار العلم والعلم مولانا وسيدنا الحسن بن أبي نمي بن بركات سلطان الحرمين المكي والنبوي حاوي سيادة الشرفين العلم والنسب المصطفوي". (الآيات المقصورة في شرح المقصورة) (ق٣).
الثاني: للمؤرخ الشلي اليماني (ت ١٠٩٣هـ) نصٌّ يَصِفُ فيه عدل الشريف الحسن والأمان العظيم في عهده؛ حيث يقول: "استقَلَّ بسلطنة الحجاز، وقام بها أحسن قيام، وقطع دابر الفساد، فكانت القوافل والأحمال تسير بكثرة الأموال، مع آحاد الرجال، ولو في المخاوف والمهالك، فخافه كل مقدام فاتك). (عقد الجواهر والدرر) (١/ ٢٧٩).
قلت: وفي هذين النصين أيضًا دلالة على ولاية الشريف الحسن على المدينة النبوية، فيُضَمَّانِ إلى الأدلة السبعة السابقة؛ لتصبح الأدلة تسعة على بطلان ادعاء الدكتور عويضة أنَّ حكام مكة الأشراف لا سلطة لهم ولا نفوذ على المدينة النبوية.
ومن رجمه بالغيب أيضًا:
قوله: إنَّ الشريف الحسن في كل زيارة للمدينة يفرق النقود من الذهب والفضة على عامة الناس، ولا شك أن هدف الشريف من مثل هذه التصرفات لم يكن كسب قلوب أهل المدينة وعواطفهم فحسب؛ بل كان يهدف إلى إقناع العثمانيين بقبول امتداد سلطتها إلى البلدة!!! وهذا فيه ما لا يخفى من تحميل النص ما لا يحتمله فما هذا التلاعب بالنصوص والرجم بالغيب يا دكتور؟
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه:
الشريف إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
١٢ صفر ١٤٣٩هـ

بواسطة : الشريف إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
 0  0  1875
التعليقات ( 0 )

-->