• ×

الأرشيف العثماني يحفظ تاريخاً لمكة والمدينة لم يحفظه المؤرخون

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الأرشيف العثماني يحفظ تاريخاً لمكة والمدينة لم يحفظه المؤرخون


محاضرة في منزل الشريف إبراهيم الهاشمي الأمير بمكة المكرمة في 24 ربيع الأول 1438هـ/23 ديسمبر 2016م

الحمد لله..
كلمة شكر للشريف إبراهيم الهاشمي الأمير؛ لحسن استضافته وكرم ضيافته..
تعريف بالأرشيف العثماني بصورة موجزة..
منذ انضمام الحجاز للحكم العثماني (عام 923هـ/1517م) وحتى انفصاله عنه (عام 1334هـ/1916م) امتد ذلك الحكم أربعة قرون، جرت خلال تلك الفترة الطويلة المراسلات الإدارية بين إستانبول والحجاز بصورة متواصلة. ونظراً لأن إمارة مكة المكرمة كانت تشكل أهم المناطق الإدارية في ولاية الحجاز، وكان أمراء مكة المكرمة الأشراف مخولين بإدارتها، إضافة إلى الصلاحيات الأخرى الممنوحة لهم في منطقة الحجاز، فقد صدرت في تلك الحقبة التاريخية الطويلة مراسيم سلطانية خاصة بتولية هؤلاء الأمراء، وتبادلت إستانبول الرسائل معهم، ودوّن الإداريون العثمانيون الموجودون في المنطقة تقارير تفصيلية حيناً ومقتضبة في أحيان عن الوضع الإداري في مكة المكرمة، والمشكلات التي كانت تطرأ بين الفينة والأخرى، سواء في مكة المكرمة أو في المناطق الإدارية التابعة لها، أو بين أشراف مكة المكرمة، أو بينهم وبين ولاة الحجاز، كما كان قضاة مكة المكرمة من أولئك الإداريين يكتبون عن تلك المشكلات السياسية والاجتماعية ويزودون العاصمة العثمانية بتوضيحات فيما يخص الأمور الإدارية والقضائية والاجتماعية والسياسية، رداً على طلب السلطان أو الصدر الأعظم في تقديم صورة واقعية عن الوضع القائم في البلد. يضاف إلى ذلك ما دوّنت في السجلات الكثيرة المتنوعة التي تناولت معلومات عن المجتمع المكي، مثل السجلات المالية ودفاتر الصرة، وسجلات الأوقاف، وسجلات الأمور المهمة (دفاتر المهمة)، وسجلات حسابات الأوقاف ومثلها حسابات الحرمين الشريفين التي شملت مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والصحية لمكة المكرمة، ومثل ذلك للمدينة المنورة، مع ما خصت به من المراسلات الإدارية المنثورة في مختلف تصنيفات الأرشيف العثماني.
فكل تلك المعلومات الواردة في الوثائق العثمانية تشكل مصدراً هاماً وأوّلياً لتاريخ مكة المكرمة في حقبة العهد العثماني، لا يمكننا أن نجدها في التواريخ المكية والمدنية بهذا التنظيم والتصنيف،ولا مندوحة للباحثين في أدق التفاصيل من الرجوع إليها؛ لأنها وثائق رسمية للدولة العثمانية، وهي – بعمومها - تتميز بالتجرد من العواطف والآراء الشخصية؛ إذ إنها دونت لإعلام العاصمة بما حصل في البلد من أوضاع. ومعلوم أن الوثائق الرسمية المكتوبة تعدّ من أقوى المصادر التاريخية. وهي تضم تواريخ محددة للأحداث التاريخية. ويمكن من خلال تلك التواريخ تتبع الأحداث بدقة.
ومن جانب آخر فإنه بسبب خصوصية وضع مكة المكرمة المكاني وكذلك المدينة المنورة، نجد تنوّعاً في المادة التاريخية الخاصة بهما في وثائق الأرشيف العثماني، لا يماثلها بلد آخر في الإدارة العثمانية؛ كونها تضم بيت الله المعظم، ويتوجه المسلمون إليها كل سنة كما تضم المدينة المنورة؛ لأداء فريضة الحج في موسمه وزيارة المسجد النبوي الشريف، والزيارة في كل أوقات السنة؛ لأداء العمرة. فذلك التنوع يقدم مادة ثرية لتاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومساحة موضوعية واسعة للباحثين، تعطيهم مجالاً رحباً للدراسة والتمحيص والمقارنة والتنظير.
ومع تعاقب السلاطين على حكم الدولة العثمانية وتغير أمراء البلدة المقدسة بين زمن وآخر، إلا أن النظرة الخاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة لم تتغير طيلة تلك العصور. وكيف تتغير وفيها بيت الله المعظم الذي تأوي إليه أفئدة المسلمين في أنحاء المعمورة، وتتجه إليه أنظارهم في اليوم مرات خمسة؟ ولو أن إستانبول هي العاصمة السياسية للدولة العثمانية فإن مكة المكرمة هي العاصمة الدينية لكل المسلمين. وكان يقطنها ولاة الحجاز، الذين كانوا يشرفون على منطقة واسعة من الحكم العثماني الواقع في الحجاز وحتى الحبشة. فالمراسلات التي تبادلوها مع إستانبول التي تخص مكة المكرمة تكشف النقاب عن كثير من الأمور التي جرى تداولها مع الباب العالي. وهذه المراسلات لا تنقل لنا فقط أساس المشكلات التي نشبت في مكة المكرمة أو طرأت في مختلف العهود؛ بل تعكس لنا أيضاً السياسات التي اتبعتها الدولة العثمانية، وكيفية حل المسائل الخاصة بمكة المكرمة. ومن ذلك على سبيل المثال: موقف الدولة العثمانية من ادعاءات الغربيين – سواء في مؤتمرات الصحة أو غيرها من المحافل الدولية – في انتشار المرض الوبائي؛ بسبب ماء زمزم؟ فلو اطلعنا على رد الدولة العثمانية لما عرفنا موقفها من تلك الادعاءات الغربية فحسب؛ بل عرفنا حقيقة ماء زمزم وتركيابته الكيمائية أيضاً؟
وكما كان الاهتمام جارياً بالحرم الشريف وقفاً وتشغيلاً وصيانة، وكما كان الحج يجري كل سنة تحت أنظار الدولة ورقابتها أمناً وصحة ونظارة وتوفيراً للمواد الغذائية والمياه، فإننا نطّلع على جانب هام من تاريخ مكة المكرمة من واقع الوثائق التي تتناول أوضاع بيت الله المعظم، ولاسيما تلك الوثائق والمحاضر والتقارير التفصيلية التي تقدم معلومات عن تعمير الحرم وترميمه، وتنظيفه وإنارته، وإدارته وصيانته، وتعمير بئر زمزم وترميمها، ووضع سقف عليها وإغلاقها بالمفتاح، وكيفية اختيار شيخ للزمازمة والمنزل المشروط عليه وتعميره..إلخ
وبناءً على ما سبق فإن الموضوعات التي تخص مكة المكرمة والمدينة المنورة في الأرشيف العثماني، والتي تجعل ذلك الأرشيف مصدراً هاماً لتاريخ البلد الحرام وطيبة الطيبة، كثيرة ومتنوّعة، وتضم حقبة التاريخ العثماني الممتدة أربعة قرون.
وفيما يخص المعلومات المباشرة عن مكة المكرمة والمدينة المنورة في تصنيف دفاتر المهمة فهي كثيرة جداً؛ إذ إنه يضم آلاف الأوامر السلطانية الخاصة بهذه البلدة المباركة، ولاسيما إذا وضع في عين الاعتبار شمول التصنيف لمدة أربعة قرون، وكون الأمور المتعلقة فيه بمكة المكرمة والمدينة المنورة كثيرة. منها على سبيل المثال: الأمر السلطاني المرسل لشريف مكة المكرمة (1) (في 25 جمادى الآخرة 976هـ/15 ديسمبر 1568م)، المتضمن شكر السلطان للشريف بتقديم مائة وخمسين خيلاً عربياً وألف رأس من مهر الإبل، أرسلت إلى الجيش العثماني في اليمن؛ إذ تم دحر عسكر المطهر (2) . وبناءًٍ على ذلك الموقف من الشريف فقد أرسل السلطان خطاباً سلطانياً إلى الشريف أبي نمي ابن بركات، قدر فيه موقف ابنه الشريف حسن أمير مكة المكرمة، الدال على الصدق والإخلاص والحمية الإسلامية، طالباً استمرار ذلك (3) .
ومما يجدر ذكره هنا الخطابات السنوية التي كان يبعث بها سلاطين الدولة العثمانية لأمراء مكة المكرمة الأشراف. وعلى الرغم من أن تلك الخطابات كانت تكريمية لهؤلاء الأمراء، التي كانت تضم العديد من ألفاظ التبجيل والتفخيم لهم، إلا أنها تحمل في طياتها أيضاً رعاية السلطان لأهالي الحجاز واهتمامه بهم، كما كانت تذكيراً لأمراء مكة المكرمة بالاهتمام بشؤون الرعية، والالتفات إليهم، والاهتمام بالحجاج ضيوف الرحمن.
وقد تناولت وثائق الأرشيف العثماني معلومات تاريخية هامة عن الكثير من الجوانب الاجتماعية لمكة المكرمة والمدينة المنورة. منها على سبيل المثال: صدور الأمر السلطاني لقاضي مكة المكرمة بعدم تحصيل أي رسم على المعاملات العقارية للسادة العلوية بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وصيانة الامتيازات الخاصة بالأشراف من تطرق أي خلل إليها، ومنع الشريفات من السلالة العلوية من الزواج بمن ليسوا بأكفاء لهن حسباً ونسباً، وذلك عطفاً على الأمر السلطاني الصادر عام (1244هـ/1828م)، كما ورد ذلك في (الحكم الواحد والأربعين) (4).
كما ورد كذلك في تصنيف جودت/عدلية: الوثيقة التي تشير إلى مهام أمير مكة المكرمة، ومن تلك المهام ما ورد في الخطاب السلطاني المرسل لأمير مكة المكرمة الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد (في أوائل 1144هـ/يناير 1732م) بضرورة استقبال الحجاج كل سنة عند منزل مدائن صالح، وضرورة التقيد به؛ لتوفير والأمن والراحة للحجاج (5). بينما نجد في وثيقة متأخرة (في 26 ذي القعدة 1270هـ/20 أغسطس 1854م) وعلى لسان أمير قافلة الحج السيد محمد عارف، أن أمير مكة المكرمة أرسل رجالاً من عنده إلى المدينة المنورة؛ لمرافقة قافلة الحج من الطريق السلطاني إلى مكة المكرمة (6) . ومنها كذلك الأوسمة الممنوحة لأمير مكة المكرمة جناب الشريف (محمد بن عون) وأولاده ووالي اليمن سعادة الشريف حسين وغيرهم (في 22 ربيع الثاني 1264هـ/28 مارس 1848م) (7) .
ومن ذلك أيضاً تعيين السيد علي – وهو من أهالي مكة المكرمة – في وظيفة المعرّف بأهالي مكة المكرمة (في إستانبول)، براتب قدره خمسمائة قرش (في 18 رجب 1321هـ/9 أكتوبر 1903م)، وذلك بناءً على وفاة معرف أهالي الحرمين الشريفين الشيخ إبراهيم مرشد أفندي (8) .


ومن الأمور الهامة التي تتعلق بجانب القضاء في مكة المكرمة والمدينة المنورة المعلومات الغزيرة التي تتعلق بوضع القضاة ومخصصاتهم المالية من جهة، والمعلومات التي كانوا يزودون بها الباب العالي في المراسلاتالإدارية عن مختلف القضايا الدينية والاجتماعية والثقافية في البلدين المباركين،لا بد لمن يدرس موضوع القضاء في الحجاز من الاطلاع عليها، ذلك أنه يتناول تحديداً دقيقاً لتاريخ تعيين القضاة، ومثله تاريخ عملهم في هذا القطاع الهام، ومخصصاتهم المالية من ولاية مصر، وأسمائهم، وصيغ الأحكام المرسلة إلى ولاة مصر إضافة إلى معلومات أخرى هامة، كما سبقت الإشارة إليه. وقد سبق أن عملت دراسة عن القضاء في الحجاز، نشر في مجلة جامعة القصيم، وذلك من واقع سجل من سجلات دفاتر المهمة (وهذا السجل المحفوظ في الأرشيف العثماني في 77 صفحة من القطع الكبير ويضم 193 حكماً سلطانياً، صدرت في الفترة من أوائل رجب 1280هـ (ديسمبر 1863م) وحتى 5 شوال 1330هـ (17 سبتمبر 1912). ورمزه في الأرشيف A.DVNS.MSR.MHM.d.14. وكل الأحكام السلطانية الواردة في هذا السجل باللغة العثمانية. ومن الخصائص التي تميز بها هذا السجل:
1 – وجود معلومات مقتضبة عن تراجم أحوال العاملين في القضاء بمكة المكرمة والمدينة المنورة ممن وردت أسماؤهم في تلك السجلات، ويمكن من خلالها التعرف على فترة عمل كل واحد منهم وتحديد أسمائهم. وهنا لابد من الإشارة إلى الدقة في تأريخ تعيين هؤلاء القضاة. ومن المعلوم أن بدء مباشرتهم للعمل كان في غرة المحرم الحرام من كل سنة، باستثناء الفترة التي تلت عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1293-1327هـ/1876-1909م)، وفي ثلاثة أحكام فقط؛ حيث صدر الأمر بمباشرتهم للعمل في غرة جمادى الآخرة.
2 – تدوين أسماء العاملين في أمانة الصرة (9) وآغا الخفتان (10) في مواكب الحج من كل سنة. وكان يتم اختيار هؤلاء من العاملين في معية السلطان، سواء بالقصر أو بالديوان. أما أمانة الصرة فكان يتم الاختيار لها من أحد الموظفين العاملين في "غرفة السعادة": المكان الذي يحتفظ فيه بالأمانات النبوية الشريفة. والجدير بالذكر أن كل واحد من هؤلاء كانوا يستبدلون في كل سنة؛ بحيث يقوم بالمهمة في كل سنة شخص آخر غير الذي قام بها سابقاً.
ومن الموضوعات الهامة التي وجدتها في سجل من سجلات الصرة ما يتعلق بإحصاء دقيق عن الأربطة في المدينة المنورة عام 999هـ/1590م. وقد احتوى الإحصاء المدون في السجل على أسماء الأربطة، والقاطنين فيها، وأعدادهم، والأموال التي تصرف عليهم سنوياً. فهل يمكننا أن نجد تلك المعلومات الإحصائية الخاصة بالأربطة الموجودة بالمدينة المنورة في هذا التاريخ وبصورة دقيقة في التواريخ الخاصة بتاريخ المدينة المنورة، كما أوردتها الوثائق العثمانية؟
استعراض بعض الوثائق العثمانية الخاصة بمكة المكرمة والمدينة المنورة

-------------------------------
(1) في العادة يرسل السلطان خطاباً سلطانياً إلى شريف مكة المكرمة؛ بسبب نسبه الطاهر. لكن هنا صدر الأمر السلطاني بصيغة حكم. وهو من الأحكام القليلة الصادرة في حق أمراء مكة المكرمة.
(2) الأرشيف العثماني، تصنيف A.DVNSMHM.7/510.Hukum: 2764. S.1011
(3) الأرشيف العثماني، تصنيف A.DVNSMHM.7/511.Hukum: 2769. S.1014
(4) الأرشيف العثماني، تصنيف A.DVNS.MSR.MHM.d.14
(5) الأرشيف العثماني، تصنيف C.ADL.1223
(6) الأرشيف العثماني، تصنيف I.DH.308/19647
(7) الأرشيف العثماني، تصنيف I.MSM.63/1813
(8) الأرشيف العثماني، تصنيف I.DH.1415/1321.Saban-2
(9) الصرة السلطانية: الأموال المرسلة من إستانبول إلى أهالي مكة المكرمة والمدينة المنورة. والاسم مشتق من الصرة أي كيس النقود، حيث كانت الأموال ترسل في أكياس وحقائب مختومة مع قافلة الحج القادمة من إستانبول كل سنة. فيتم توزيع تلك الأموال على أصحابها بموجب قائمة الأسماء المرفق معها، بمعرفة القاضي ومسؤول عن الإمارة – إذا كانت في مكة المكرمة -، ويوضع خط تحت اسم المستلم، دليلاً على استلامه. ثم تعاد القائمة إلى إستانبول. وإذا كانت هناك أسماء جديدة تضاف إلى القائمة في مكان المتوفين أو المتنازلين عن حصتهم، فيستلمون حصتهم في السنة الآتية. للتفصيل انظر: صرة أهالي مكة المكرمة/سهيل صابان.-الدارة. – ع3، س34 (1429هـ/2008م). ص117-170
(10) آغا الخفتان: الاسم الذي أطلق على المسؤول عن الخلع، أي أمين الخلع. ووظيفته إلباس الخلعة للأشخاص الذين يحصلون على رتب أو مناصب. ويقصد به هنا المسؤول عن الخلعة التي يتم إرسالها من طرف السلطان إلى أمير مكة المكرمة ومعه كتاب من السلطان إلى الأمير بمناسبة الحج. أشراف مكة المكرمة وأمراؤها في العهد العثماني/إسماعيل حقي أوزون جارشلي؛ ترجمة خليل علي مراد.- بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1424هـ/2003م.ص 88-91





بواسطة : أد. سهيل صابان
 0  0  432
التعليقات ( 0 )

-->