• ×

المستشرقون في جبل شمّر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

المستشرقون في جبل شمّر

الجمعة، ٢٦ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٤
عمرو عبدالعزيز منير

أدب الرحلات الغربي، وآثار رحلاتهم يعد امتداداً لحركة الاستشراق والمستشرقين، والاستشراق بحد ذاته هو من تراث الإمبراطوريات الغربية التي كانت – ولا تزال – تحرص على دوام مصالحها في الجزيرة العربية، وحتى الرحلات العلمية ذات الطابع الأكاديمي كانت مرتبطة بالسياسة أكثر من ارتباطها بالعلم والحضارة، ونادراً ما حادت عن أهدافها السياسية بالإضافة إلى الأهداف العلمية التي ساعدت على توفير معلومات مهمة حول أوضاع هذه المنطقة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والجغرافية والعمرانية، والإستراتيجية والتاريخية، أو عن الحياة البيئية أو الشعبية، والتي كانت جميعها تحت مجهر البحث والنقاش في المؤتمر الدولي الذي عقد برعاية كريمة من الأمير سعود بن عبد المحسن آل سعود أمير منطقة حائل على هامش ملتقى حاتم الطائي الثاني الذي ينظمه نادي حائل الأدبي الثقافي بالتعاون مع المؤرخ الحائلي خليف بن صغير الشمري تحت عنوان «حائل في عيون الرحالة». في الفترة 30 نيسان (أبريل) إلى 2 أيار (مايو) الماضي.

عالجت غالبية الأوراق المقدمة محاور تختص بتاريخ مدينة حائل- شمال المملكة العربية السعودية- السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، عبر تناول رحلات الغربيين الذين قدموا للمدينة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والذين كان لبعضهم أكثر من سبب أو هدف. وأدت هذه الأهداف وغيرها إلى توافد عدد من الرحالة الأوروبيين إلى جزيرة العرب لرصد أوضاعها السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وغير ذلك. هذا الأمر استلزم من الباحثين الاعتماد على الأرشيفات العثمانية والإنكليزية والأميركية والنمسوية (أرشيف الأكاديمية النمسوية للعلوم)، إضافة إلى نماذج من رحلات الغربيين والهنود والفرس، كما عالجت بعض الأبحاث الحياة العلمية والثقافية في حائل وقامت بعرض وتحليل مخطوطات تناولت ذلك.

نذكر بحث البروفسور رسول جعفريان من طهران «طريق جبل شمر في الرحلات الإيرانية في العصر الصفوي وبداية العصر القاجاري 900 إلى 1220 هـ دراسة مقارنة»، وأوضح أن المعلومات حول طريق الحج الإيراني من ناحية نجد وحائل في العصر الصفوي والنادري والزندية (من حوالى 900 إلى 1200 الهجرية) قليلة جداً، عكس عصر القاجاري (من حوالى 1200 إلى 1320 الهجرية) وقدم دراسة مقارنة للعصرين، مؤکّداً على تغيير المسير الفارسي من نجد إلى طريق جبل شمر.

وقدم مارسيل كوبرشوك من هولندا في بحثه «القهوة والشعر البدوي في جبال شمر: رحلاتي إلى حائل في عام 1988» فصولاً من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي في جبل شمر عبر تجربته الذاتية وزيارته إلى المنطقة في ثمانيات القرن الماضي، مقارناً بين مشاهداته وتجربته الذاتية ومشاهدات الرحالة الذين سبقوه مثل تشارلز داوتي الذي زار حائل في أواخر القرن 19. ورصد سهيل صابان من جامعة الملك سعود في بحثه «رحلات الأجانب إلى حائل من واقع وثائق الأرشيف العثماني» توجه العديد من هؤلاء إلى حائل في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين، بعضهم بعلم السلطات العثمانية، وحصلوا منها على أذونات السفر، مثل نولده الروسي/الألماني، أما البعض الآخر فقد توجه إلى المنطقة من دون الحصول على موافقة تلك السلطات، مثل شارل هوبير الذي طلب من السلطات بعد قدومه إلى حائل، السماح له بالتجول في منطقة المدينة المنورة.

وعالجت هويدا عزت محمد من جامعة المنوفية في مصر في ورقتها «حائل في أدب رحلات الحج عند الإيرانيين» مدى اهتمام الرحالة والأدباء الإيرانيين قديماً وحديثاً بتسجيل رحلاتهم للحج عبر طريق حائل القديم، والمنهج الذي اتبعه هؤلاء في تدوين رحلاتهم، وأهم أدواتهم المستخدمة، والمصادر التي اعتمدوا عليها، ومدى تدخل العنصر الأيديولوجي لديهم عند حديثهم عن تلك الأماكن العربية منذ رحلة ناصر خسرو التي وقعت أحداثها في القرن الخامس الهجري ما بين عامي (1045م – 1052م ) (437 – 444هـ) واستغرقت نحو سبع، مروراً برحلات العصر القاجاري- الذي يعتبر عصر ازدهار أدب الرحلات.

وتناول الفنلنديان كاي أورنبيري وباتريسيا بيرغ «حائل في رحلة المستشرق الفنلندي والمستكشف جورج أغسطس والين (1811-1852) في الشرق الأوسط 1843-1850» وكان الين طلب للحصول على منحة سفر إلى شبه الجزيرة العربية: لدراسة اللهجات البدوية والحصول على بعض المعلومات عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية. وبدأ رحلاته من القاهرة في 11 نيسان 1845، قاصداً الجزيرة العربية، زائراً معان، والجوف، جبة، حائل والتي وصلها في 21 أيلول (سبتمبر) 1845. ومكث هناك لمدة شهرين ضيفاً على الأمير عبدالله بن رشيد، ثم زار المدينة المنورة، ومكة، وجدة والسويس وعاد إلى القاهرة في 14 آذار (مارس) 1846.

وعرض الإنكليزي بيتر هاريجان في بحثه «الخيول العربية الأصيلة في حائل»، مدى إسهام حائل في تربية الخيول العربية ذات الأنساب العريقة. وتطرق محمد خير البقاعي ملامح «جبل شمر وحائل في كتاب الجزيرة العربية المعاصرة، ملحقاً به وصف شعيرة الحج لأدولف دافريل (1822-1904م) طبع باريس 1868م» وتكمن أهمية البحث في اعتماده على مجموعة كبيرة من كتب المستشرقين والرحالة عن الجزيرة العربية والدين الإسلامي. وعرض لما ذكره المؤلف عن جبل شمر وحائل من حياة اجتماعية وثقافية وسياسية.

وعرضت النمسوية أنيكا كروبف في بحثها عن السلام والحرب في إقليم حائل الملامح السياسية لحائل من خلال الوثائق والأرشيفات النمسوية (أرشيف الأكاديمية النمسوية للعلوم والأرشيف العسكري النمسوي) والوثائق الألمانية حول حائل.

أما علي بن سالم النصيف من كلية الملك خالد العسكرية فقدّم بحث «التركيبة الاجتماعية للجيش في عملية بناء الدولة في الجزيرة العربية في القرن 13هـ/19- دراسة انثروبولوجية تاريخية في ضوء كتابات الرحالة الأجانب في شمال الجزيرة العربية»، واتخذ من نموذج إمارة حائل مثالاً لدراسته، معتمداً في شكل رئيس على ما ورد في كتابات الرحالة عن مجتمعات شمال الجزيرة العربية وحالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. وكان من أهم مصادره كتابات داوتي وموزل وبلنت ووالين (فالين) وبلغريف وبوركهارت وغيرهم. وناقش تحولات البيئة الاجتماعية ومدلولات التركيبة الاجتماعية للمجتمع في أمارة حائل في الفترة بين أربعينيات القرن الثاني عشر أوائل القرن الرابع عشر الهجريين/ ثلاثينات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين.

وتطرق عبدالله الشمري إلى «صورة حائل في كُتب الرحالة الأتراك» من خلال رحلة سويله مز أوغلي، وهو كتاب نادر استطاع مؤلفه تجميع وترتيب عدد كبير جداً من المعلومات والملاحظات التي تدور حول أوضاع الجزيرة العربية وحائل ومنطقة نجد، والتدابير المهمة التي يجب اتخاذها في هذه المناطق والتنظيمات السياسية والإدارية والمحلية التي كانت سائدة وقتئذ. وتعرض عبد الله بن إبراهيم العسكر من جامعة الملك سعود في بحثه «رسائل غيرترود بيل من حائل: منهج غير متبع في كتابات المرتحلين الغربيين». لمجموعة رسائل غرتورد التي تصل إلى 1600 رسالة وتحوي معلومات ثرية جداً. (متاحة على موقع تابع لمكتبة جامعة نيو كاسل البريطانية (www.grety.ncl.ac.uk)، واعتمد في ورقته على الرسائل التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمنطقة حائل ويصل عددها إلى أربعين.

وتناول خليف بن الصغير الشمري في بحثه «جبل شمر «حائل» في الرحلات الهندية والفارسية» قسماً رئيساً من الرحلات الشرقية إلى منطقة حائل وما يحيط بها مع عرض متكامل لطريق الحج العراقي عبر حائل وقدم نماذج للرحلات الهندية مثل رحلة حافظ الكربلائي، والرحلات الفارسية مثل رحلة محمد ولي ميرزا قاجار، ورحلة عصمت السلطنة ابنة فرهاد ميرزا 1297هـ، و «حائل في كتاب تير اجل در صدمات راه جبل 1299هـ» لمؤلف فارسي مجهول.

وأما خاتم فضي الشمري، فأكد في ورقته «مجتمع حائل وعاداته وتقاليده من خلال كتابات الرحالة الأوربيين في القرن التاسع عشر الميلادي» أن دراسة تاريخ العادات والتقاليد في مجتمع حائل، لم تحظ بالعناية الكافية من الباحثين، وهو أمر يُعزى إلى شح النصوص التاريخية وندرتها النسبية. وأنهى الملتقى جلساته بالتوصية على ضرورة توجيه الجهود لدراسة تاريخ المدن السعودية دراسة علمية وأكاديمية تشارك فيها جامعات المملكة بما تملك من كوادر علمية وبشرية عظيمة. إذ يأتي الاحتفاء بتاريخ المملكة ومدنها كأحد عوامل بناء هويتها الذاتية وترسيخ أثرها الإيجابي في بناء قوة الأمة والمملكة ودعم شبكة النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي.

المصدر: جريدة الحياة

بواسطة : عمرو عبدالعزيز منير
 0  0  142
التعليقات ( 0 )

-->