• ×

مدينة حائل في كتابات المستشرقين والرحالة الأتراك والفرس والهنود

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

مدينة حائل في كتابات المستشرقين والرحالة الأتراك والفرس والهنود


السبت، ٣ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٥
عمرو عبدالعزيز منير

أدب الرحلات الغربي، وآثار الرحالة، تعد امتداداً لحركة الاستشراق والمستشرقين. والاستشراق بحد ذاته هو من تراث الإمبراطوريات الغربية التي كانت – ولا تزال – تحرص على دوام مصالحها في الجزيرة العربية. وحتى الرحلات العلمية ذات الطابع الأكاديمي كانت مرتبطة بالسياسة أكثر من ارتباطها بالعلم والحضارة، ونادراً ما حادت عن أهدافها السياسية بالإضافة إلى الأهداف العلمية التي ساعدت على توفير معلومات مهمة حول أوضاع هذه المنطقة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والجغرافية والعمرانية، والإستراتيجية والتاريخية، أو عن الحياة البيئية أو الشعبية والتي كانت جميعها تحت مجهر البحث والنقاش في المؤتمر الدولي الذي عقد أخيراً برعاية الأمير سعود بن عبد المحسن آل سعود؛ أمير منطقة حائل، على هامش «ملتقى حاتم الطائي» الثاني الذي ينظمه «نادي حائل الأدبي الثقافي» بالتعاون مع المؤرخ الحائلي خليف بن صغير الشمري؛ رئيس اللجنة العلمية للملتقى تحت عنوان «حائل في عيون الرحالة».

عالجت غالبية الأوراق المقدمة محاور تختص بتاريخ مدينة حائل - شمال السعودية - السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، عبر تناول رحلات الغربيين الذين قدموا إلى المدينة خلال القرنين الـ18 والـ19 والذين كان لبعضهم أكثر من سبب أو هدف في آن واحد أدت، وغيرها إلى توافد عدد من الرحالة الأوروبيين إلى جزيرة العرب وحائل لرصد أوضاعها السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وغير ذلك، الأمر الذي استلزم من الباحثين الاعتماد على الأرشيفات العثمانية والإنكليزية والأميركية والنمسوية (أرشيف الأكاديمية النمسوية للعلوم) إضافة إلى نماذج من رحلات الغربيين والهنود والفارسيين. كما عالج بعض الأبحاث الحياة العلمية والثقافية في حائل وقامت بعرض وتحليل عدد من المخطوطات التي تناولت ذلك. بينما ركز بعض الأبحاث على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحياة الشعبية والعمرانية. كما على عملات حائل ونقوشها وآثارها ومدينة جبة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وقصر النايف- الذي أسس عام 1171هـ /1757م والذي كان يعد - محطة أساسية للرحالة. نذكر من الأوراق بحث البروفسور رسول جعفريان من طهران «طريق جبل شمر في الرحالات الإيرانية في العصر الصفوي وبداية العصر القاجاري 900 إلى 1220 هـ دراسة مقارنة». وأوضح أن المعلومات حول طريق الحج الإيراني من ناحية نجد وحائل في العصر الصفوي والنادري والزندية (من نحو 900 إلى 1200 هجرية) قليلة جداً، عكس عصر القاجاري (من نحو 1200 إلى 1320 هجرية) ذات المعلومات الوفيرة، وقدم دراسة مقارنة للعصرين، مؤكداً تغيير المسار الفارسي من نجد إلى طريق جبل شمر.

وقدم مارسيل كوبرشوك؛ من هولندا، في بحثه «القهوة والشعر البدوي في جبال شمر: رحلاتي إلى حائل في عام 1988» فصولاً من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي في جبل شمر عبر تجربته الذاتية وزيارته للمنطقة في ثمانينات القرن الماضي مقارناً بين مشاهداته وتجربته الذاتية ومشاهدات الرحالة الذين سبقوه مثل أعمال تشارلز داوتي الذي زار حائل في أواخر القرن الـ 19. ورصد سهيل صابان؛ من جامعة الملك سعود، في بحثه «رحلات الأجانب إلى حائل من واقع وثائق الأرشيف العثماني»، توجه العديد من الرحالة الأجانب إلى حائل في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بعضهم بعلم السلطات العثمانية التي حصلوا منها على أذون السفر، مثل نولده الروسي/الألماني. أما البعض الآخر فقد توجه إلى المنطقة من دون الحصول على موافقة تلك السلطات، مثل شارل هوبير الذي طلب بعد قدومه إلى حائل، السماح له بالتجول في منطقة المدينة المنورة. وعرض أهم ما احتواه الأرشيف العثماني من كتابات هؤلاء الرحالة، وخطاباتهم وتقاريرهم التي أرسلوها إلى الحكومة المركزية في إسطنبول، وتقارير عن رحلات هؤلاء الرحالة الأجانب: الإنكليز والفرنسيين والروس والنمسويين وغيرهم ممن قدموا إلى شمال الجزيرة العربية في مختلف الأعوام.

عالجت هويدا عزت محمد؛ من جامعة المنوفية في مصر في ورقتها «حائل في أدب رحلات الحج عند الإيرانيين»، مدى اهتمام الرحالة والأدباء الإيرانيين قديماً وحديثاً بتسجيل رحلاتهم للحج عبر طريق حائل القديم، والمنهج الذي اتبعه الرحالة الفرس في تدوين رحلاتهم، وأهم أدواتهم المستخدمة، والمصادر التي اعتمدوا عليها، ومدى تدخل العنصر الأيديولوجي لديهم عند حديثهم عن تلك الأماكن العربية منذ رحلة ناصر خسرو التي وقعت أحداثها في القرن الخامس الهجري ما بين عامي (1045م – 1052م)، (437 – 444هـ ) مروراً برحلات العصر القاجاري الذي يعتبر عصر ازدهار أدب الرحلات. وتناول الفنلنديان كاي أورنبيري وباتريسيا بيرغ «حائل في رحلة المستشرق الفنلندي والمستكشف جورج أغسطس والين (1811-1852) في الشرق الأوسط 1843-1850»، وكان والين طلب الحصول على منحة سفر إلى شبه الجزيرة العربية لدراسة اللهجات البدوية والحصول على بعض المعلومات عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية. وبدأ رحلاته من القاهرة يوم 11 نيسان (أبريل) 1845 قاصداً الجزيرة العربية، فزار معان والجوف وجبة وحائل التي وصل إليها في 21 أيلول (سبتمبر) 1845. ومكث هناك لمدة شهرين كضيف على الأمير عبد الله بن رشيد، ثم زار المدينة المنورة ومكة وجدة والسويس وعاد إلى القاهرة يوم 14 آذار (مارس) 1846.

وعرض الباحث الإنكليزي بيتر هاريغان؛ من جامعة أوكسفورد في بحثه «الخيول العربية الأصيلة في حائل» مدى إسهام حائل في تربية الخيول العربية الأصلية ذات الأنساب العريقة. وتطرق محمد خير البقاعي إلى ملامح جبل شمر وحائل في كتاب «الجزيرة العربية المعاصرة» لأدولف دافريل (1822-1904م). وتكمن أهمية البحث في اعتماده على مجموعة كبيرة من كتب المستشرقين والرحالة عن الجزيرة العربية والدين الإسلامي. وعرض لما ذكره المؤلف عن جبل شمر وحائل من حياة اجتماعية وثقافية وسياسية لحائل والجزيرة العربية. وعرضت النمسوية أنيكا كروبف في بحثها عن السلام والحرب في إقليم حائل، للملامح السياسية لحائل من خلال الوثائق والأرشيفات النمسوية والألمانية. أما علي بن سالم النصيف؛ من كلية الملك خالد العسكرية، فقدم بحثاً عنوانه «التركيبة الاجتماعية للجيش في عملية بناء الدولة في الجزيرة العربية في القرن 13هـ/19م: دراسة انثروبولوجية تاريخية في ضوء كتابات الرحالة الأجانب في شمال الجزيرة العربية»، واتخذ من نموذج إمارة حائل مثالاً لدراسته معتمداً أساساً على ما ورد في كتابات الرحالة عن مجتمعات شمال الجزيرة العربية وحالتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. وكان من أهم مصادره كتابات داوتي وموزل وبلنت ووالين (فالين) وبلغريف وبوركهارت وغيرهم. وناقش تحولات البيئة الاجتماعية ومدلولات تركيبة المجتمع في إمارة حائل من ثلاثينات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين.

وتطرق عبد الله الشمري إلى «صورة حائل في كُتب الرحالة الأتراك» من خلال رحلة سويله مز أوغلي، وهو كتاب نادر استطاع مؤلفه تجميع وترتيب عدد كبير جداً من المعلومات والملاحظات التي تدور حول أوضاع الجزيرة العربية وحائل ومنطقة نجد، والتدابير المهمة التي يجب اتخاذها في هذه المناطق، التنظيمات السياسية والإدارية والمحلية التي كانت سائدة وقتئذ. وتعرض عبد الله بن إبراهيم العسكر من جامعة الملك سعود في بحثه «رسائل غيرترود بيل من حائل: منهج غير متبع في كتابات المرتحلين الغربيين»، لمجموعة رسائل غيرتورد التي تصل إلى 1600 رسالة وتحوي معلومات ثرية جداً واعتمد في ورقته على الرسائل التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمنطقة حائل ويصل عددها إلى أربعين رسالة.

وتناول خليف بن الصغير الشمري في بحثه المدهش «جبل شمر... حائل في الرحلات الهندية والفارسية»، قسماً رئيساً من الرحلات الشرقية التي زارت منطقة حائل وما يحيط بها مع عرض متكامل لطريق الحج العراقي الذي كانت تفد من خلاله أعداد من الحجاج من بلاد المشرق عبر حائل، وقدم نماذج للرحلات الهندية مثل رحلة حافظ الكربلائي والرحلات الفارسية مثل رحلة محمد ولي ميرزا قاجار، ورحلة عصمت السلطنة ابنة فرهاد ميرزا 1297هـ ، وحائل في كتاب مؤلف فارسي مجهول. وأما خاتم فضي الشمري، فأكد في ورقته «مجتمع حائل وعاداته وتقاليده من خلال كتابات الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر الميلادي»، أن دراسة تاريخ العادات والتقاليد في مجتمع حائل، لم تحظ بالعناية الكافية من قبل الباحثين، وهو أمر يُعزى إلى شح النصوص التاريخية وندرتها النسبية.

وأنهى الملتقى جلساته بالتوصية بضرورة توجيه الجهود لدراسة تاريخ المدن السعودية دراسة علمية وأكاديمية تشارك فيها جامعات المملكة بما تملكه من كوادر علمية وبشرية، إذ يأتي الاحتفاء بتاريخ المملكة ومدنها كأحد عوامل بناء هويتها الذاتية وترسيخ أثرها الإيجابي في بناء قوة الأمة والمملكة ودعم شبكة النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي.


* كاتب مصري

بواسطة : عمرو عبدالعزيز منير
 0  0  202
التعليقات ( 0 )

-->