• ×

(قراءة في سوق مجنة ...من واقع ما كتبه الشايع)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
(قراءة في سوق مجنة ...من واقع ما كتبه الشايع)
كنت قد نشرت مقالا مقتضبا عن سوق مجنة بصحيفة مكة بالعدد رقم (1501) وتاريخ 9/6/1439هـ تحت عنوان (سوق مجنة التاريخي بين الاحتفالية والتأبين) تطرقت فيه لواقع سوق مجنة بعد أن قرأت كتاب الباحث عبد الله الشايع الموسوم تحت عنوان (سوق مجنة بحث في تحقيق موضعه)عام 1437هـ ، ثم رأيت تقريرا تلفزيونيا بقناة الإخبارية أشار لهذا السوق وكان المتحدث عن هذه السوق هو الباحث الأكاديمي بجامعة أم القرى الدكتور خالد آل زيد وأثبت الموقع ذاته بعد أن تأملت جوانب التقرير واسترجاع جوانبه، وللعلم فإنني لم استطع التوسع في هذه المقالة باعتبارها مقالة تعريفية أكثر منها مقالة علمية فآثرت أن يكون هناك مقال أكثر سعة وأشمل محتوى بعد أن تأكد مكانه ولم يعد مجهولا خاصة بعد أن نشر الأستاذ عبد الله الشايع كتابه ( سوق مجنة بحث في تحقيق موضعه) والصادر من قبل دارة الملك عبد العزيز عام 1437هـ، ويحمل رقم 330 ضمن سلسلة إصدارات الدارة ، وتمكن الشايع من تحديد موقع سوق مجنة المتفق عليه وجعله بقرية البرقة المعروفة اليوم في وادي فاطمة بالقرب من محافظة الجموم ، ووفق تحديد الشايع فالسوق يقع شمال شرق محافظة الجموم وعلى بعد 4 كم من وسط المحافظة وهذا لا خلاف عليه اليوم بعد أن حظي هذا الإصدار بثقة لجنة التحكيم الخاصة بدارة الملك عبد العزيز وهي جهة رسمية لديها مكانة علمية وإدارية تؤهلها لإصدار مثل هذه البحوث وإجازتها، وليس بوسعنا التشكيك (فقطعت جهيزة قول كل خطيب) ولكن لابد أن نشير إلى بعض الدراسات الحقلية السابقة ، ففي عام 1403هـ تم تخصيص موسم كامل ولمدة ثلاثة شهور حسب ما نشر بمجلة أطلال بالعدد الثامن 1404هـ لدراسة 12 موقعا بمحافظة الجموم من أهمها موقع الزبينية عن خط طول و درجة عرض 21-41 شمالا و 39-46 شرقا وموقع البثينية عند خط طول ودرجة عرض 21-42 شمالا و39-44 شرقا بحسب الدراسة المسحية المنفذة ويعتبر الموقعان ملاصقان تماما لسوق مجنة من الجهتين الشرقية والغربية، ولم تقتصر الدراسة عن هذين الموقعين بل امتدت لدراسة ما بينهما من معالم أثرية... خاصة مواقع العصر الحجري الواسعة المنتشرة بين صدوع الجبل (الأصفر) القابع في متوسط البثينية والزبينية ، ونشرت الدراسة بالعدد الثامن عام 1404هـ بمجلة أطلال تحت عنوان (برنامج مسح وتوثيق درب الحج...) ص135 ، ثم جاءت دراسة أخرى مسحية في عام 1406هـ من قبل إدارة الآثار إتماما للدراسة السابقة وتمكن الفريق العلمي من جمع عينات هامة من المواقع الأثرية العائدة للعصر الحجري من الجبلين الأصفر والسميراء المستهدفة من قبل كرؤوس السهام والفؤوس وبعض السواحن والمدقات وغيرها وفق ما نشر بمجلة أطلال بالعدد الحادي عشر 1409هـ تحت عنوان (مجموعة من المواقع في جدة ووادي فاطمة) ص 93، بمافيها الدوائر الحجرية التي أشار لها الأنصاري أثناء بحثه عام 1387هـ بوادي فاطمة ، والمنشور في كتابه عين العزيزية ص258 .وما ذكره الأنصاري عن مثل هذه الدوائر يقع في نفس المكان الذي وقف عليه الشايع . ويرجح لي أن الأنصاري اعتمد في بعض من توصيفه على ما نقله ابن ظهيرة صاحب الجامع اللطيف ص 309. (مطبع مكتبة الثقافة الدينية)عن هذا المكان ونحن لا نرى ذلك بل هي عبارة عن دوائر حجرية تعود لما قبل التاريخ ذات مدلولات ثقافية اعتقد عوام الناس في القرون المتأخرة أنها قبور واخترعوا لها أسماء. ووقد تبين لي من واقع المشاهدة أن هناك أكثر من عشرة مواقع تعود للعصر الحجري بالجبل الأصفر لوحده فقط خاصة الجهتين الشرقية والغربية وقد بذل الفريق العلمي عام 1406هـ ، كما ذكرت جهدا كبيرا في تحليل وتوصيف مستواها الأثري ولعل بعضا منها يمس السوق مسا مباشرا واستخدمت في مناشطه فليس من المستبعد هذا فالسوق يقع في سفحه الغربي فلم لايكون من أدواته؟ فالمواقع ملائمة للنشاط البشري نظرا لتوفر ينابيع شبه دائمة تتدفق من سفح هذا الجبل أو مستنقعات من بقايا هذه الينابيع كانت تملأ تجويفات بجانب السوق وما حوله ما تزال آثارها إلى اليوم قائمة.ولاشك أن هناك تلازم كبير جدا بين المياه هناك وحالة النشاط الإنساني . ومازال الغموض يلف بضعة تلال أثرية بموازات السهول الرملية المقاربة للسوق فيحتمل أنها تشي بقدر كبير من الأهمية الأثرية رغم أن بعضها تعرض للتجريف أو الحفر العشوائي والمتبقي هو اليوم معرض تماما للطمس أو التسوية وفق مزاجية العمالة الوافدة العاملين في مجال (نقليات الرمل والبطحاء) ولو وثقها الشايع ووضع ترقيم إفتراضي بموجب االنظام الرقمي الجوي فلربما مهد الطريق لمن بعده لتتبعها وتقصي مكنونها بدقة.
كما قام الدكتور ناصر الحارثي بضبط الموقع تماما في كتابه(الآثار الإسلامية في مكة المكرمة) والصادر عام 1430هـ ووثق بعض الصور أجدها تلائم مصورات الشايع ولم يختلف عما أكده الشايع ولكن كتابة الحارثي ظلت معجمية تقريبا ونعدها ضمن الدراسات السابقة رغم محدودية مادتها العلمية، وأهم ما يميز كتاب الشايع :
1. حدد موقع سوق مجنة بناء على مرويات تاريخية ضمتها كتب التراث الإسلامي وشواهد آثارية منتشرة على أرض السوق منها أساسات المباني وبقايا الفخار وتمكن من الجمع بين هذه المتلازمات .
2. أنه زار المكان بتاريخ 12/ محرم/1433هـ كما ذكر في كتابه ص82، واستعان ببعض الأدلاء من أهل المنطقة وآراء الباحثين كما زار القرية التي يتبع لها السوق والتقى بالناس هناك وذكر أنه زار المجمع التعليمي ، وهذا ما يميز بحثه الحقلي.
3. تعرض الكتاب قبل طبعه لكثير من التمحيصات بعد لجنة التحكيم أهمها ورشة العمل التي عقدت بتاريخ 23/1/1435هـ بمركز مكة التاريخي والجميع وافق الباحث على ما ذهب إليه.
4. الصور الملتقطة دعمت كثيرا مبحثه وتمت على الأرجح في يوم زيارته بتاريخها المثبت .
ولكن هناك بعض الملاحظات حول الكتاب وأهمها:
1. أشار في كتابه إلى بعض كسر الفخار الملون ولوعرضه على مختصين ممن تعاونوا مع الدارة لتحصلنا على قيمة علمية كبير جدا. ولو تمكن من توثيق بعض الملتقطات السطحية التي أشار لها لأعطت نوعا من التماس بين التاريخي الوصفي والأثري المادي.
2. لم يشرح مدلول التسمية(مجنة) بتشديد النون بشكل واضح ونحن نرى أنها أقرب إلى كونها مشتقة من الجنان وهي بساتين متصلة ببعضها وشواهدها ماثلة إلى اليوم للعيان وهو ما ذهب إليه أبو الفتح كما في معجم البكري ، ص 1187 .(عالم الكتب) .
3. لو تطرق للدراستين الحقليتين اللتين نفذتهما إدارة الآثار التابعة لوزارة المعارف في عام 1403هـ وعام 1406هـ لتحصل على كثير من المعلومات الداعمة لبحثه.
4. لم يتطرق للطبيعة الجيولوجية المتحكمة أصلا في إختيار مكان السوق ومن أهمها مصادر المياه الممولة لنشاطه وكان من الممكن كتابة مقدمة جيولوجية تضاريسية تفيد البحث وترسخ مكانته علما أنها متوفرة في بحوث مستقلة بهيئة المساحة الجيولوجية.
5. لم يشر الشايع للجبل الأصفر ويسمى اليوم(بالحميراء) وهو أهم معلم من معالم التراث الطبيعي اليوم المرتبط بالسوق فما إن يذكر حتى تتجلى صورة سوق مجنة ،ويتوسط اليوم بين مواقع أثرية جيدة كما يحتوي على صدوع صخرية وشعاب انتشرت بين جنباتها بعض مواقع العصر الحجري وفي جنوبه يقع جبل السميراء وهوعلم آخر مرتبط بالسوق تكتنفه مواقع حجرية قديمة يمكن أن تكون مترابطة وضروية عند تنفيذ أي مقارنة مستقبلا.
لاشك أن هذا الكتاب هو الذي حفز القطاعات المسؤولة بهيئة السياحة والتراث الوطني للبدء في الحفاظ على هذا الموقع منذ أن تم توزيعه عام 1438هـ إلى جانب التقرير التلفزيوني الشهيروالذي بث تحت عنوان(سوق مجنة من أسواق الجاهلية الثلاثة الكبرى في موسم الحج) بالقناة الإخبارية ونشرعبر اليوتيوب بتاريخ 25/7/ 2017م . وأسهب الدكتور آل زيد في توضيح خواصه كما تجلى موقع السوق عبر كاميرا التصوير بشكل واضح.
وللأمانة فقد قامت الهيئة العليا للسياحة والتراث الوطني بمجهود رائع في مكاتبة الجهات الرسمية بضرورة الحفاظ على آثار السوق منذ عام 1430هـ بعد تنويه الدكتور الحارثي إليه كما نفذوا زيارات ميدانية شملت السوق ولكن هناك مخاطر شديدة تضرب عمق السوق اليوم وما حوله بالجبل الأصفر والسميراء تحتاج إلى جهود مشتركة بين محافظة الجموم بكافة قطاعاتها وهيئة السياحة والتراث الوطني لإيقاف هذا الهدر الهائل الذي يتعرض له السوق ولاباس من وضع خطة تطويرية تضمن إبراز أهمية السوق الثقافية والتاريخية..
هدى عبدالعزيز الشريف/وادي فاطمة

بواسطة : هدى عبدالعزيز الشريف
 0  0  74
التعليقات ( 0 )

-->