• ×

إثبات الأنساب البعيدة بالقافة عبث وخلط ورجم بالغيب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إثبات الأنساب البعيدة بالقافة عبث وخلط ورجم بالغيب

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد الهاشمي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
فقد عَرَّف العلماء القافة بأنها إلحاق الأولاد بأبائهم استنادًا إلى علامات وإلى شبه بينهم، والتعرف على نسب المولود بالنظر إلى أعضاء جسمهِ وأعضاء والده، وهذا كان شائعًا في الجاهلية، لكن الإسلام نهى عنه وجعل موازين شرعية في كيفية إلحاق الأولاد بالآباء، كما سيأتي بيانه.
والقائف: هو الخبير بالأنساب الذي ينظر إلى الولد وإلى من يُراد نسبته إليهم، فيلحقه بمن هو شبهه.
وأقوال العلماء في اعتبار الحكم بالقافة في إثبات نسب الابن لأبيه متفاوتة بين القبول والرفض، وجمهور الفقهاء، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية على جواز الاستعانة بالقافة، إلا الأحناف فهم لا يعتدون بها في إثبات نسب الولد لأبيه؛ لأنه حدس ولا يجوز ذلك في الشريعة، وباطل كما قال إمامهم الإمام أبو حنيفة.
ولا إشكال في ذلك، إنما الإشكال في من شطح مؤخرًا وقال: إن القافة تُثبت الأنساب البعيدة، ومن نظرته إلى الرجل الذي ليست له شهرة واستفاضة بالنسب الهاشمي يصنفه من رؤية ساقه أو رأسه بأنه حَسني أو حُسيني أو عباسي، وهذا عين الباطل والرجم بالغيب؛ لأن القافة لإثبات نسب الابن لأبيه، لا لإثبات الأنساب البعيدة، والدليل على ذلك: أن الأحاديث الواردة في إثبات الأنساب بالقافة كلها في إثبات نسب الابن لأبيه، قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الحديث الصحيح: (دخل عليَّ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ- ذات يوم وهو مسرورٌ، فقال: (يا عائشةُ، ألم تري أنَّ مُجزَّزًا المدلجي دخل فرأى أسامةَ وزيدًا، وعليهما قطيفةٌ، قد غطيا رؤوسَهما وبدتْ أقدامُهما، فقال : إنَّ هذه الأقدامَ بعضُها من بعضٍ). انتهى.
وقد بين العلماء أن موطن الاستعانة بالقافة في الأنساب هو في إثبات نسب الابن لأبيه وحسب، ولم يذكروا لا من قريب ولا بعيد أنها لإثبات الأنساب البعيدة، قال العلامة ابن القيم (ت٧٥١هـ) : (قال أصحاب الحديث: نحن إنما نحتاج إلى القافة عند التنازع في الولد نفيًا وإثباتًا كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان).
ومن الأمثلة - وهي كثيرة - على أن القافة لا تُثبت الأنساب البعيدة: أن النسابة المتقدمين والمتأخرين وقع بينهم اختلاف في نسب قبيلة قضاعة وجذام، هل هما عدنانيان أم قحطانيان؟ فذكر كل فريق أدلته على ذلك، وليس في تلك الأدلة قول قائف ولا إشارة إليه؛ لأن القافة عندهم لا تُستعمل إلا عند التنازع في نسب الولد لأبيه نفيًا وإثباتًا.
ثانيًا: إن القول بأن القافة تُثبت الأنساب البعيدة، قول مُحدث لم يقل به سلف الأمة، وإنما كان محل نزاعهم في إثبات نسب الابن لأبيه بالقافة؛ لأن مدار إثبات الأنساب البعيدة ونفيها على الشهرة والاستفاضة، وقد أجمعوا على ذلك، وسقنا أدلتهم وشواهدها في رسالتنا: (الإفاضة بأدلة ثبوت النسب ونفيه بالشهرة والاستفاضة)، فانظرها إن شئت.
فالقافة إذًا هي في المشكوك في نسبه لأبيه، وهي في هذه الدائرة فقط، وللاستئناس لا إلى القطع؛ لأن النبي صلى عليه وسلم أرشد الشاك في ابنه حين بيّن أن الابن طالما ولد على فراش الأب فهو ولده، بقوله: (الولد للفراش)، ولم يأمره صلى عليه وسلم بالرجوع للقائف.
وإذا مازالت الشكوك قائمة أرشده النبي صلى عليه وسلم أن يطلب الزوجة للعان، ففي الحديث الصحيح أن صحابيًا قال للنبي صلى عليه وسلم: أرأيتَ لو أن رجلًا وجد مع امرأتِه رجلًا؟ فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (اذهبْ فأتِ بها، فلاعَنَ بينَهُما).
فالقافة في تلك الجزئية فقط، وليست لإثبات الأنساب البعيدة كما يزعم ذلك القائف؛ لأن الأصل - وهو الجد البعيد - غائب؛ فكيف يعرف القائف أن هذا الحفيد من ذلك الجد الأعلى الذي بينه وبين جده مئات السنين؟! وهنا تكون القيافة رجمًا بالغيب، بل أرى أن الذاهب إلى هذا القائف - زعموا - يضع نفسه في محل المنكور نسبه لأبيه، لأن أحاديث القافة وردت كلها في منكور النسب لأبيه.
أما كيفية إثبات نسب الفرد أو الأسرة إلى النسب البعيد، فلم يدعنا النبي صلى عليه وسلم في تخبط وحيرة، وإنما أعلمنا بأنها تُثبت بالشهرة والاستفاضة وأقرها، وقد شرح تلك الأحاديث النبوية أئمة الإسلام، ثم أجمعوا على أنها مدار إثبات الأنساب ونفيها.

كتبها:
إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
٧ ذو الحجة ١٤٣٩هـ
مكة حرسها الله تعالى، وبلادنا عز الإسلام وقبلته.

بواسطة : إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
 0  0  1433
التعليقات ( 0 )

-->