• ×

سهم الرزايا بالنفائس مولع، قراءة في سيرة الشيخ مصلح بن صليح اللحياني المعرفية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سهم الرزايا بالنفائس مولع
قراءة في سيرة الشيخ مصلح بن صليح اللحياني المعرفية
كتبه/بدر اللحياني
كنت أظن أن الكتابة في الترجمة من أيسر الكتابات نصبا وأقلها مؤونة وأيسرها منالا وأقربها لفظا إذ لا تتطلب كثير جهد ولا مشقة قول ولا يلزمني سوى معلومات سردية وأدبية عن صاحب الترجمة يتم ترتبها وتصنيفها داخل بنية المقال وتنسق لها بعض الجمل والمفردات التقليدية فتصبح ترجمة ، وهذا ما توقعته عندما كنت اعتزمت إمضاء ترجمة معرفية يسيرة للشيخ مصلح بن صليح الغريفي اللحياني رحمه الله ، ولكن ما إن بدأت أقرزم شيئا من سيرته على صفحة بيضاء خالية ؛ فإذا بي أترثّع في كتابتي وتتراخى ذؤابة قلمي كلما حاولت أن أستطرد ... فأصبحت من غير وعي أكتب تأبينا لا ترجمة وهذا ليس هدفي، فاختلط عليه الأمر فعافست قلمي فأبى أن ينطلق ، ولساني فما نطق، وقلبي فانغلق ؛ كلما تذكرت الشيح رحمه الله وتراءت في مخيلتي صورته ، فاضطررت أن أرجع إلى كتابات قديمة كنت قد رسمتها منذ زمن فوجدتها ضعيفة لاتقوى أن تمدني بشئ ذي أهمية، فعزمت أن أكتب بما تيسر لي من جهد ، فليس لديه متسع من الوقت حتى انتظر أن يجود فؤادي ببعض ما أجده، ولحسن الحظ فقد أمدتني قصاصة نشر نصها بجريدة المدينة بتاريخ 10/شعبان/1429هـ تحت عنوان (الشيخ مصلح اللحياني ومسيرة نصف قرن من الإمامة والخطابة ) ، فلعلها منحتني بعض الثقة في الكتابة عن هذا الرجل رحمه الله عندما وجدتها تفي بترجمة يسيرة له ... وقد أنقذتني من هذا الرثع ، ومثل هذه الترجمة الموثقة لم تتوفر لكثير من قرنائه الراحلين رحمهم الله ، فدمجتها بين ثنايا هذا المقال فإذا بها تسد فراغا واسعا ماكنت قادر على سده ، وثقتي بهذه الترجمة كبيرة جدا بدليل أنه عندما اطلع عليها الشيخ رحمه الله عشية نشرها لم يعترض على أي منها وأقرها عن نفسه ، بل أسر لي عنها بشئ سنأتي عليه في سياق سطورنا ، وهذا أكبر دليل على مصداقيتها وثقتي بها.
ومن خلال هذه الترجمة سوف نحاول تثبيت مادة علمية مرجعية يمكن الاعتماد عليها فيما لو ظهرت بعض الدراسات مستقبلا يحتاج أصحابها إلى بعض المعلومات الموثقة عن هذه القرية ، فبالأمس القريب اطلعت على دراسة أكاديمية رائعة تحت عنوان ( محافظة الجموم في العصر السعودي خلال الفترة 1343هـ- 1436هـ /1925م-2015م "دراسة تاريخية حضارية" قدمها الطالب مهدي بن نفاع القرشي هذا العام 1439هـ لقسم التاريخ بجامعة أم القرى، ونال عنها درجة الماجستير وقد ذكر لي الطالب أنه يعاني من ندرة المراجع والمصادر الموثقة التي تدعم دراسته بشكل واضح ، بما فيها مركز عين شمس فاضطر كثيرا للرواية الشفاهية لسد هذا العجز والسبب قصور منا جميعا في توثيق بعض المواد التاريخية سواء ترجمة أو غيرها.
ولايفوتني أن أشيد بمنهجه في تقصي فصول الدراسة وترابط بنية البحث رغم معاناته الشديدة في تحصيل بعض المواد المهمة عن المراكز التابعة لمحافظة الجموم ومنها عين شمس فيشكر على ذلك .
ونحن هنا سوف نسهم ولو باليسير المتواضع من مجهودنا في توثيق بعض من تاريخ عين شمس والمؤثرين في بنيتها الثقافية والتاريخية أمثال الشيخ مصلح رحمه الله فلعل من باحث يجد ما يحتاجه في هذا الجانب.
أما من حيث منهج الترجمة فسوف نبذل ما بوسعنا للتركيز على نشاطه العلمي ومصادر تلقيه ، فهي المهمة بالنسبة لنا أما ما يخص حياته فقد تركناه لمن هم أقرب إليه منا وليس من حقنا أن نتولى مثل هذه التعريفات. ولقد اعتمدنا في مصادرنا على الرواية الشفاهية المباشرة مع قليل من المصادر المكتوبة.
ولكن قبل الدخول نحو الترجمة يلزمني أن أضع مقدمة يسيرة عن خامسه (الغريفة ) الذي ينتمي إليه ومنحه هذا اللقب.
قلت: غريف بضم الغين ، والحق أننا لانعرف شيئا عن غريف ولكن في الغالب لاتنسب إلا إلى جد قديم لانعرف تاريخه بالضبط ، والذي نعلمه يقينا أنه خامس مستقل من بني موسى (الموسة) ويتصل بنو موسى بمحرز فيقال الغريفي الموسي المحرزي اللحياني وهذا ما تفرضه رأسية النسب بغض النظر عن أفق التركيب الجملي للعبارة . وتضم ثلاثة فروع اليوم معروفة اليوم وتسكن عين شمس وهناك فرع رابع لكنه انقرض ويقال لهم(المتاريس) ويقال أنهم كانوا : يسكنون الظهارية جنوب عين شمس القديمة وما حولها ولعلهم انقرض عقبهم حتى قبل دخول القرن الثالث عشرالهجري لانعدام أي مدلول يوحي بنشاطهم.
ولو رجعنا نحو القرن التاسع نجد السخاوي يذكر ترجمة يسيرة لأحد شيوخ بني لحيان عاش في القرن التاسع الهجري وهو الشيخ عودة بن مسعود بن جامع اللحياني وعده من الأجواد وذكر أنه شيخ وادي أبي عروة وحدد تاريخ وفاته بعام 883هـ وهو القرن الذي الزم السخاوي نفسه بتثبت وفيات مترجميه وذكر أنه كان يقيم في مسجد الفتح بين أبي عروة والجموم (1) وهي من ديار بني لحيان قطعا في ذلك العصر(2)... ومصطلح شيخ عند السخاوي يحتمل هذا المعنى فقط (القيادة والرئاسة) ولا يحتمل مشيخة العلم الشرعي. والإقامة في المسجد تعني أنه كان ذو رئاسة وشأن اتخذ من هذا المسجد مركز إداريا له على الأرجح .
ـــــــــــــــــ
1- السخاوي، محمد بن عبد الرحمن ، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ، دارة مكتبة الحياة، بيروت،ج6،ص149 .
2- وهذا المكان مهم بالنسبة لي جدا لأني طالما قلت أن جزء من قبيلة بني لحيان كانت لهم مكانة واسعة جدا في وادي البثني ووادي الفتح حتى القسم الشمالي من بحرة لأني وجدت غالبية نشاطهم كان في تلك الناحية وهذا النشاط الذي يمكن ملاحظته في تلك الناحية ولاشك أنه امتداد لمن سبقهم .والغريب أن ناصر خسروا وصف البثني باختصار شديد جدا قبيل منتصف القرن الخامس وكذلك ابن المجاور نهاية القرن السابع رغم أنهما قطعاه ذهابا نحو المدينة المنورة عبر درب الزائر ولاشك أنه كان واديا عظيما ضم عدة قرى وما تزال رسوم المستوطنات البشرية تغطي الوادي. وقد أشار داوتي في رحلته نهاية القرن الثالث عشر وأثناء مروره بوادي فاطمة لبني لحيان في أبي شعيب ، ص302 ، ، كما أشارلهم وبوضوح الشيخ غريب الهاشمي في كتابه سياحتي إلى الحجاز في حدود عام 1309هـ ، ص378 .


ونحن نعتبر هذا الرجل (عودة بن مسعود) في غاية الأهمية بالنسبة لنا كونه يقع ضمن تاريخ في صميم الخطورة بعد انقطاع خبرهم امتد عدة قرون ونعتبره حلقة ربط قوية في مسار عمود النسب ، ولم ينفرد السخاوي بهذه الترجمة فقد ذكره الهاشمي (ت 954هـ ) (1) في حسن القرى شيئا من خبره وذكر قصة رويت له بمسجد الفتح تقارب الخيال في عام 829هـ ، ولاتهمنا هذه الرواية كثيرا في هذا العرض ، وفي سرده للحادثة وصفه الهاشمي بالشيخ ولم يقدم أي خبر يمكن أن نعتمد عليه في استيضاح شخصية هذا الرجل والمهم بالنسبة لنا وصفه بالشيخ وهي كافية تماما لأن نثبت تاريخ هذه المشيخة في تلك الناحية التي تحصل عليها عودة بن مسعود اللحياني . فهل نعتبر هذا الرجل جدا لهذا الخامس بحكم التقارب الجغرافي والمكاني والتاريخي؟ وإجابتنا تصطدم بغموض يخيم على ثلاثة قرون حتى توقيع وثيقة حلف بني لحيان وبعض من قبائل بني عمرو في مطلع القرن الثالث عشر في عام 1220هـ حيث ظهرت بعض الأسماء وأهمها بالنسبة للمترجم له (مصلح بن سالم الغريفي اللحياني. الجد الخامس لفقيدنا. وقد كان يسكن في تلك الناحية بوادي البثني وهنا نكون قد شارفنا على تصورات شديدة التعقيد ولسنا بصددها. ولعل سالم هذا قد عاش في حدود عام 1150هـ
__________
1- - الهاشمي، جار الله بن محمد بن عبد العزيز ، حسن القرى في ذكر أودية أم القرى، تحقيق علي عمر،مكتبة الثقافة الدينية،ط1، 1422هـ بور سعيد، ص 49 .


فمنذ بداية القرن الثالث عشر كان يسكن هذا الفرع وادي البثني ووادي الفتح (القصير) وهي المنطقة المجاورة لمسجد الفتح وهناك عين تسمى عين العقيق ذكرها ابراهيم بن اسحاق في رحلته المسماة مناسك الحج بعد منتصف القرن الثالث الهجري، وتمتد من جنوب أبي عروة حتى وادي الفتح بالجموم وظل الغرفة يتنقلون حتى خارج هذا الوادي وربما عاود المرباع في ديارها القديمة باتجاه حرة الرجيع وضجنان شمالا وتنقلها يأتي تبعا لفصول السنة مستفيدين من التوسع في تربية الإبل وقد اتخذ هذا الفرع مصيافا له بهذين الواديين (البثني والفتح) ومرباعا بين ذلك في ديارها وديار بقية القبيلة .ونحن ندرك أن هذه القبيلة مرت بأطوار كانت رعوية بامتياز لكنها تعاود القطاع الزراعي على نحو يسير وهو ما انعكس على تراثهم اللغوي بشكل واضح وقد لاحظت وبوضح أن هذه القبيلة ظلت تناوب بين النمط الرعوي والزراعي .
وينتمي فقيدنا إلى ذوي مصلح (مصلح الأول) وهو الجد الخامس للفقيد ويدعى مصلح بن سالم الغريفي اللحياني وهوأول الموقعين على اتفاقية لحيان وبعض قبائل بني عمرو في عام 1220هـ (تقريبا) وهذه الأولوية تثبت مدى مكانته بين قومه وأول اسم ورد بالوثيقة عن بني لحيان وخامسه ، وكان سيدا مطاعا عظيم القدربين قومه وصاحب رأي وحكمة وهو الذي طلب منه مندوب قلعة النهيمية ، (1219هـ 1227هـ) أن يكون ممثلاعن قبيلته بني لحيان لدى القلعة بل ويتولى حمايتها مع جماعته لأن قومه كانوا يقيمون بجوار القلعة في وادي البثني وما حوله وهي من أراضيهم في ذلك التاريخ ، ولكنه رفض هذه المهمة واعتذر عنها نظير انشغاله بأمور خاصة ، ولكن المندوب المكلف بمتابعة هذه المهمة ويدعى(الكلابي) أصر عليه لثقته في قدرته ، ثم توارى عن الأنظار بعد أن طلب من المندوب إعفائة، ثم قبلها والذي يغلب انه شعر بقدر من المسؤولية مع الإدارة الجديدة، خشي ألا يستوفيه، خاصة مع كثرة الإضطرابات الأمنية وتوسع دائرة السلوك التأديبي ، مع رغبة الشريف غالب في ممانعة ذلك ولكن المندوب أصر على أن يكون ممثلا لقبيلته مهما كانت الظروف وكان منه ذلك التمثيل ما بين 1219هـ و1227هـ .
وفي تلك الحادثة نظم قصيدة الشهيرة يقول في مطلعها:
لك الله ما قلبي قليل المحاريف ولا ني شحيح ولا كليله يديــــــه
ويجدر بنا أن نضع بين يدي القارئ شيئا من تاريخ عين شمس إبان مرحلة التأسيس لكي يبقى متصلا بنصوصية هذا المقال.
يعتبر يوم الأحث (1) من أهم الأيام التي أحدثت تحولا هائلا في تاريخ بني لحيان وهم أجداد أهل عين شمس المعاصرون ، فقبل نحو 150سنة من الهجرة النبوية "تقريبا" حدث نوع من سوء التفاهم بينهم وبين أبناء عمومتهم من ابناء هذيل بسبب (قضية دخيل) حيث انقضوا عليهم وبكل قوتهم وجمعهم لحربهم فقاتلوا قتالا مريرا وأمكنهم من الإنسحاب بشكل منظم آخذين برأي أبي قلابة اللحياني وهو سيدهم وتراجعوا متشاملين حتى وصلوا وادي غرّان وفيدة وهدأة بني جابر حيث تحصنوا بتلك الحرار تحصنا قويا وبدأوا في الإنتشار شمالا نحو شمنصير وجنوبا نحو وادي سرف ، مؤمنين مساحة جغرافية جيدة قدرت مساحتها في ذلك التاريخ بنحو 7000كم2 وبقوا في ديارهم ومنها عين شمس العجيفاء أما هذه الحاضرة فلم تتكون إلا في عام 1370هـ وكان من أوائل المؤسسين لها الشيخ صليح بن مصلح والد صاحب الترجمة حيث استأذن جماعته في النزل بها فأقروه على ذلك في حدود عام 1370هـ
____
1- شرح أشعارالهذليين، للسكري، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، ج2،ص709وقد شرح السكري رائعة أبي قلابة شرحا جيدا خاصة البيت الرابع: صفا جوانح بين التوأمات كما صف الوقوع حمام المشرب الحاني
والبيت واضح يصف صف الإبل حول الماء كصف الحمام (ويظهر لي أنه كان يقصد القطا) وهو شبيه بالحمام وهو هكذا يصطف بشكل جميل .ولم تكن عامة القبيلة وثنية في ذلك التاريخ الجاهلي بدليل أن أبا قلابة كان يرى الأقدار بيد الله لوحده (كما في البيت الثاني عشر ص 713)

اسمه ومولده:
هوالشيخ/ مصلح بن صليح بن مصلح بن عابد بن عبيد الله بن مصلح بن سالم الغريفي اللحياني وبقية النسب معروفة ، ولد في عام 1341هـ وقد اخبرني بتاريخ مولده هذا وترتيبه الثاني بين أخوته ، ووالدته من المفاريج من النفعة من محلة المعابدة، وكانت ذات رأي وصيت بين ندتاتها وجودة في الرواية وبقيت تحتفظ بلهجتها التلقائية ولم تتغير حتى وفاتها عام 1398هـ ، ولم يكن والده الشيخ صليح يرحمه الله أن يلتزم باستقرار نسبي فقد كان يتنقل بين مرباع ومصياف وهذا شأن كثير من قبائل الجزيرة العربية المقاربة لمنابع الخيوف أو العدد حيث كانت تقضي فترة الصيف بجوار المزارع تلافيا لحر القيض ونضوب المياه مع توفر التمروفي الربيع تنداح إبلهم وأغنامهم في مرابع المطر .
يقول شاعرهم:
حليلك مريّح والظبا مانت راعيها وانا اتعبني المسراح في القيض والكنّه
واستكمالا للترجمة ننقل هنا هذه الترجمة التي نشرت بصحيفة المدينة بتاريخ 10/شعبان/1429هـ تحت عنوان (الشيخ مصلح اللحياني ومسيرة نصف قرن من الإمامة والخطابة ) وقد أشرنا لها في بداية المقال، وهي كافية أن تقدم بعض من سيرته الذاتية وهي على مسؤولية من كتبها يقول:
(على ضفاف مراتع عشيرته ومناجعهم ولد الشيخ مصلح بن صليح بن صالح الغريفي اللحياني أمد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية في عام 1341هـ وترعرع في وهدات البادية وتلعاتها ونجودها ومراتعها، نشأ كأنداده من الصبية في بكور مطالعه ، حتى جاوز السادسة عشرة من عمره ، ولكنه أخذ طريقا آخر خلاف أنداده المتمثل في طلب الكلأ والنجوع وضرب أكباد الإبل .. فقد اتجه للعلم الشرعي فدرس القرآن على يد الشيخ يوسف المحمودي يرحمه في مطلع الخمسينات الهجرية من القرن الماضي بمسجد أبي عروة وهو أحد الفقهاء المعروفين يومها بقرية أبي عروة عندما كانت مصدر إشعاع علمي بفقهائها ومدرسيها وأهلها ونحسبها اليوم كذلك ، فتعلم القراءة والكتابة وبعض العلوم الشرعية ثم أجاد قراءة القرآن حفظا وتلاوة , في زمن عز فيه من (يفك الحرف) صبر وكافح حتى أتقن قراءة القرآن إتقانا يليق بكفاحه وصبره وجلده على طلب العلم بعدها أجازه الشيخ يوسف للإمامة والقراءة فأم الناس مطلع صباه في مراتع العشب وعلى ضفاف المزروعات مدة ستين عاما قرن بين البوادي والنجود والوهدات ثم أم الناس بجامع عين شمس القديم عام 1376هـ بعد أن ألقت قبيلته عصى الترحال حيث تولى هذه المهمة وقد لا نقدر حجم مسؤولياتها اليوم في زمن عز فيه من يتولى مثل هذه المهمة ،وظل يفقه الناس ويعلمهم أمور دينهم في مسجده العامر وفق علمه واجتهاده ... استثمر منبره للتوجيه والإصلاح ونبذ الفرقة والتكافل الإجتماعي ، ثم ما لبث أن تولى مشيخة القبيلة بعد وفاة والده عام 1398هـ حتى يومنا حيث جمع بين العلم الشرعي وعلم الأعراف القبلية ومتطلبات المرحلة 0
طبق هذا الرجل النزاهة في تعامله فظل يفصل بين الناس في نزاعاتهم وخصوماتهم ورضي الناس بتسوياته وفض نزاعها بالقول اللين وحسن المعشر وطيب المرجعية الثقافية التي تاصل من خلالها بعد أن تعلم هذه المهنة الثقافية من والده وهو أحد قضاة القبائل وعرافها المشهورين وممن استصدر قول الفصل يرحمه الله... تعلم الشيخ مصلح أمد الله في عمره أصول هذه المفاصلات وفهم مخاطرها ودقة تبنيها فتولى هذه المهمة أي الجمع ما بين رؤية أهل البادية التقليدية وما تعلمه من علوم شرعية وخبرات تأت له بفضل حضوره مجالس الشيوخ ورواد دار والده من أهل المعروف والفضل. وبسبب انشغاله بمهام تعليم الناس ورعاية مصالحهم وحرصه لم يتمكن من تثبيت بعض نتاجه المعرفي ولكنه عوض ذلك بما تيسر له من وعظ وتوجيه وخطابة في مسجده ومحافل المسلمين ومجامعهم. ظلت جميع القبائل المحيطة بمناجع القبيلة ترتاد داره للحكم بينهم فيما يخص النزاعات الشخصية فكان المتنازعون يتقبلون ذلك لثقتهم في معرفته فلا ينفض السمار إلا وقد اقتنعوا برأيه 0 كان يهدئ من المشاحنات ويستل النزاعات من بين المتنازعين قبل أن تستشري ويطلب التريث والهدوء وحسن القول وضبط الإنفعالات وتجنب الشكاية فلا تكاد تمر قضية إلا ويحلها قبل أن تتجه للتداعي وهذا أمر شديد الوقع ولا يحسنه إلا أمثاله0
لقد عرفته قليل الكلام طيب المعشر شديد التواضع غير آبه بمن يسئ له ... كان لا يترك مناسبة تمر دون أن يذكر جلسائه بالله والخوف منه والتنبه لزلات اللسان والتحذير من الغيبة 0
عرف بحبه الشديد للناس فلا يرضى لهم أبدا بالضيم ولا يفرق في تعامله بينهم , فظل يبذل كل ما يستطيعه لدفع الظلم وتهدئة النفوس فجزاه الله خير الجزاء0 وأخيرا ما ذكرته لا مصلحة لي فيه وأقوله توثيقا وشهادة حق واعترافا بفضله فأحببت أن نقدم ما نستطيعه من توثيق لمسيرة هذا الرجل عسى الله أن يمد في عمره ويمتعه بالصحة والعافية)
وقد قال لي الشيخ رحمه شخصيا عن هذه الترجمة بعد نشرها(هناك أشياء ذكرت في المقال لايعرفها أحد عن نفسي سواي) يقصد ما نص عليه المقال في إشارة منه لدقة الترجمة وصحة معلوماتها.
أما وفاته فكانت ظهر يوم السبت الموافق غرة شهر ذي القعدة من عام 1439هـ، وصلي عليه في الحرم المكي الشريف صلاة العشاء ودفن بعد الصلاة مباشرة في مقبرة شهداء الحرم شرق مكة المكرمة رحمه الله.
طلبه للعلم:
من المهم أن نتعرف على كيفية تحصيله وقدرته على تحقيق ذاته العلمية وسط بيئة لم تكن متعلمه بل غلبت عليها الأمية وبالكاد يجدون رجلا واحدا يكتب لهم وثيقة أو يقرأ عليهم نصا حتى أنهم كانوا يستكتبون بعض وثائقهم الخاصة لدى كتبة المحكمة بمكة ولكن هذا الشاب استطاع أن ينعتق من هذه السمة الغالبة ويحقق بعض النجاح العملي حتى قبل ظهور مدرسة مسجد البرقة بنحو عشرين عاما. إذا افترضنا أن مدرسة مسجد البرقة بدأت نشاطها قبيل عام 1370هـ
ففي مطلع عام 1358هـ اتصل بالشيخ يوسف بن عبد الحي المحمودي(1318هـ - 1395هـ ) في مسجد أبي عروة والشيخ المحمودي من القطر الشامي (1) وصل إلى أبي عروة (2) قبل عام 1358هـ ، وقد تيسر لي الإطلاع على ترجمة نادرة جدا كتبها ابنه أحمد بن يوسف المحمودي ابن المذكور وذكر أنه من مواليد 1318هـ وتوفي عام 1395هـ رحمه الله واستعرض قدرا من أسفاره الواسعة جدا ولكنه لم يتحدث عن مصادر تعليمه ولا مشيخته كما لم يقدم صور إجازات علمية أو بعض نتاجه العلمي ولو حدث هذا لوصلنا إلى ترجمة عالية الإسناد قد تفيدنا كثيرا في كيفية تكون فقيدنا المعرفي ولكنها تظل رائعة في مكانها وهي جديرة بأن تكتب بشكل أوسع. وبعد مرورعام من اتصاله بالشيخ المحمودي أتقن رحمه الله القرآن تلاوة كما حفظ بعض الأجزاء والسور ثم تلقى قسطا لا بأس به من العلوم الشرعية ضمن اتصاله هذا كانت كافية لأن توليه قدرا من الاهتمام الفقهي وهوما انعكس على اطلاعه مستقبلا.
وبناء على ما تحصله من معرفة مؤصلة وثق فيه الناس فأمهم في عام 1360هـ (3) في وادي الخلص (4) ومعيداتهم المعتادة كما تولى خطابة الجمع والعيدين وصلاة الاستسقاء ...، واعتمد
____
1- حدثني قال: كنت أذهب من الحصي سيرا على قدمي إلى قرية أبي عروة لحضور درس الشيخ المحمودي، وقد شاهدني أحدهم ذات يوم وأنا أمر بجوار جبل الأسيمر في طريقي لدرس الشيخ فقال لي مازحابعد ماشاب ودوه الكتاب) .وأظنه لم يناهز الثمانية عشرعاما عندما جد في درس القرآن في تلك المرحلة . ولعل المسافة كانت نستغرق منه نحو عشرة كم ذهابا وإيابا لكنه أصر على هذا الطلب . ويومها كان يقوم على رعي إبل والده في جنوب عين شمس وتمتد مراعيه من خشم العاقر حتى ريع الفصم وجبال ملح حتى الندية وقد اكتسب مسميات الأمكنه من خلال هذه الممارسة كما عرف مجموعة واسعة من النباتات البرية من خلال نشاطه هذا . ونستطيع أن نجزئ نشاط الشيخ العملي إلى ثلاثة أجزاء المرحلة الرعوية وامتدت من عام 1350هـ حتى عام 1360هـ وبعد هذا التاريخ تبدأ مرحلته الزراعية "الخيفية" وتركزت بوادي الخلص حتى عام 1370هـ ثم المرحلة الزراعية العثرية بعين شمس القديمة واستمرت عشر سنوات ثم الإروائية بعين شمس الحالية وتبدأ من عام 1380هـ.
2- فالقرية كانت متسعة في زراعتها إذ يبلغ إنتاج مياهه اثنين مليون ونصف الميون جالون يوميا وهذا كمية هائلة من المياه بالإضافة لعين الروضة والهنية والحسنية ويبلغ مجموع انتاجها مجتمعة مليون ونصف المليون جالون يوميا و مع سابقتها يصل انتاجها نحو أربعة ملايين جالون يوميا ولاشك أن البقعة الزراعية قد تزيد عن 3 مليون م2 وهذا جعلها أكثر تنوعا في الأجناس البشرية إلى جانب التنوع الثقافي . أما عين شمس فكانت أقل من ذلك بكثير وأشبه ما يكون بهجرة صغيرة بالقرب من سفح العجيفاء ومصدرها الزراعة العثرية فقط دون أن يكون هناك أي تنوع يذكر.
3- وكان يتولى الخطابة قبله سلطان بن وصل الحسيني وعلي بن محمد الصبحي ويظهر لي أنهما كان يعتمدان كتاب الحكمة البالغة في خطبهما لأن الكتاب كان معتمدا بشكل رسمي في ذلك الزمن وطبعته الأولى كانت عام 1344هـ وبإشراف رئيس القضاة بمكة عبد الله بن بليهد.
4- وهي قرية زراعية صغيرة تقع تحت الدبة وتحد أبي حصاني من الشرق لم يذكرها الهاشمي في حسن القرى والبركاتي في الرحلة لكن الحموي ذكرها بالخلصة ج2 ص 384، بل لا أكاد أجد لها ذكرا واضحا في المصادرالمتأخرة سوى ما ذكره الشريف محمد بن منصور ص115 . وفي هذه القرية الزراعية تعرض صاحب الترجمة للدغة أفعى أشرف منها على الهلاك لكنه نجا بفضل الله وكانت شديدة الوقع .

في خطبه هذه على كتاب الحكمة البالغة في خطب الشهور والسنة لابن مخضوب (1) ، وكانت تشتمل على خطب العيدين وخطب صلاة الخسوف والكسوف والاستسقاء وهو ما كان شائعا في ذلك التاريخ ومعمم على بقية الخطباء ، ومنهجه يسير حيث يفرد المؤلف خطبة لكل جمعة من كل شهر قمري كأن تكون خطبة الجمعة الأولى من شهر محرم، أوخطبة الجمعة الثانية من شهر رمضان وهكذا.. ولا تتجاوز الخطبة الأولى صفحة ونصف الصفحة وأقصر منها الخطبة الثانية ، وطباعتها جيدة وطبعت في مطابع دار إحياء الكتب العربية لصاحبها عيسى الباب الحلبي وهذا الرجل (الحلبي المنشأ) له الفضل في طباعة مئات الكتب ذات الجودة العلمية العالية رحمه الله ولاشك فقد وصل منها كثير لهذه الديار. وبعد ذلك استطاع أن يصوغ خطبه بنفسه بعد أن اكتسب قدرا من التحصيل العلمي واستغنى عن الحكمة البالغة وهو ما انعكس على منهجه في كتابة الخطب بعد ذلك ولا أعلم هل ما تزال خطبه مخطوطه ولو تيسر الحصول عليها لأمكن طباعتها ونشرها بعد ترتيبها وتثبيت تواريخها.
__
1- وهو ( عبد الله بن حسين المخضوب قاضي بلد الخرج ... كان خطيب الخرج وجمع خطبه في ديوان ، ووصفت بأنه حسنة في بابها وأنها" سلمت من الإلحاد والتعطيل) وتوفي عام 1317هـ . الأعلام ، لخير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين، ،ج 4، ص81 ،


مقدمة كتاب الحكمة البالغة
ولابد من الإشارة لإمامته فمنذ عام 1360هـ تقريبا ( 1)أم الناس في الفروض وبقية المواسم ولكنه لم يتخذ مسجدا يوليه نشاطه العلمي والدعوي حتى عام 1376هـ بعين شمس (الحالية) مع بداية الاستقرار لكون المساجد في تلك الأيام قليلة جدا ولا يستطيع الناس إنشائها نظرا لتنقلهم وكانت تقام غالبية الفروض وخاصة الجهرية حول المنازل وبين الدور الثابتة أو المتنقلة وكان يتولى هذه الإمامة ، ومع الإنتهاء من مسجد عين شمس في عام 1376هـ الواقع في شمال القرية يوم ذاك انتظم خلفه أول صف ويقدر عددهم ما بين العشرة والعشرين رجلا فقط فلم تكن بيوت عين شمس في ذلك العصر تتعدى 20 منزلا وخطب فيهم الجمع والأعياد التي يفد إليها جمع من الناس وظل كذلك نحو ثمانية عشر عاما حتى عام 1394هـ ، عند انتقال المسجد إلى وسط القرية الحالي أكمل مهمته هذه حتى عام 1432هـ عندما بدأ يشعر بالتعب بسبب تقدمه في العمر، وفي زمن إمامته ظل مواظبا وبانتظام تام على إمامة المصلين في جميع الفروض طوال فترة إمامته ولم يعرف عن أنه التأخر عن الإمامة أو إسنادها لغيره وظل نموذجا رائعا في نشاطه هذا.
___
1- وفي تلك المرحلة ما بين عام 1360هـ وعام 1370هـ عمل في النشاط الزراعي بوادي الخلص وهي قرية زراعية تقع إلى الشرق من قرية أبي حصاني أسفل السد وظل يمارس هذا النشاط حتى عام 1370هـ عندما تقلصت مياه عين الخلص انتقل لممارسة الزراعة العثرية بعين شمس القديمة الملاصقة للحرة بمزرعة والده أيضا المعروفة بعين شمس حتى عام 1380هـ حيث قام بإنشاء بئرتعمل بالمضخات السفلية في ذلك التاريخ قبل تطويرها بالمضخات الفوقية وظهر عمله بالزراعة المروية في شكلها الجديد والمختلف عن نمط الخيوف. وظل يمارس نشاطه هذا مع من عملوا بهذه الطريقة بعين شمس وكانت الأكثر شيوعا رغم ضآلة مردودها الإقتصادي.
وقد يسأل سائل ..كيف لك أن تضبط تاريخ بناء مسجد عين شمس القديم من دون سجلات أو وثائق تثبت ما ذكرت؟
والحق أن طرح السؤال مشروع تماما والاجابة على ذلك سهلة يسيرة فعند البدء في بناء المسجد أخذ العدون الثلاثي على قناة السويس والمؤرخ في عام 1376هـ ، وفي تلك السنة بدأ الناس من أهل القرية يتذاكرون هذه الحرب بعد أداء الصلوات ويقال أنه مع الأنتهاء من بناء المسجد كانت الحرب بداية الحرب، وهي مثبتة في جميع تواريخ الحروب المعاصرة على الرغم أن واحدا فقط من أهل عين شمس كان يمتلك راديوا تأتي منه الأخبار .
بعد أن استقر في حاضرة عين شمس عام 1370هـ (1) مع والده وإخوته جمع مكتبة صغيرة في
___________
1- ويعتبررابع بيت ينشأ بعين شمس الجديدة من الطين النئ في ذلك التاريخ ، وبناه رجل يدعى (عبد الله باسريح) من القطر الحضرمي وظلت مكتبته رحمه تصطف على رف من رفوف منزله وهي أول مكتبه تنشأ بعين شمس في حدود عام 1380هـ رغم محدودية عددها وظلت تصطف على رف خشبي بطول 90سم وعمق 20سم ضمن كوة مستطيلة بطول وبعرض 80 سم وهذه الكوات شبيه بالنوافذ ولكنها غير نافذة بل مغلقة ولا تستخدم إلا لتثبيت الأغراض المنزلية وتصف عليها بعض التحف الجميلة كالمرش وأكواب المعادن كما يزينها قماش مزخرف كنوع من الزينة ،وتعتبر من أجمل مميزات المعمار التقليدي بعين شمس ، وهناك دراسة في ثلاث حلقات نشرت بجريدة المدينة تحت عنوان "العمارة الطينية المبكرة بعين شمس " بتاريخ 23، 29، صفر، و7 ربيع الأول، 1422هـ نشرها الصحفي مثنى اللحياني يمكن الرجوع إليها .

رف من رفوف منزله وعلى صغرها فقد كانت مفيدة ضمت بعض من كتب الفقه والتفسير ومن أهم الكتب التي كان يعتمد عليها في مكتبته (تفسير ابن كثير طبعة دارالفكر الدمشقية "غير المرقمة آياتها" وهي نسخة معروفة في ذلك التاريخ ، ورياض الصالحين للنووي "النسخة غير المحققة " ولهذا الكتاب طبعات مختلفة وهو مؤلف يعتمد على أبواب وفصول تتعلق بالرقائق والآداب العامة وجد قبولا واسعا عند الناس وهو يختلف كليا عن منهج النووي الهائل كما هو الحال في شرحه لمسلم مثلا أو في كتابه تهذيب الأسماء والصفات ، ومن الكتب الفقهية التي اقتناها الشيخ بلوغ المرام " لابن حجر العسقلاني (المتن) طبعت عام 1347هـ بإشراف محمد حامد الفقي ونشرت من قبل المطبعة السلفية بمصر وهذه النسخة كانت الأكثر تناولا بين طلبة العلم، إلى جانب الحكمة البالغة، التي ذكرناها . ولعل هذه أهم الكتب التي علمتها وهناك غيرها لكني لم أتوصل إلى عناوينها. ولعل الأصعب بالنسبة لنا ما المصادر التي اطلع عليها إبان طلبه للعلم على يدي شيخه المحمودي؟


الشيخ يوسف عبد الحي المحمودي أستاذ الفقيد وشيخه
مساهماته العلمية:
إنشاء مبنى مدرسة عين شمس الإبتدائية:
بعد أن تلمسنا شيئا من مجهوده المعرفي الخاص يجدر بنا أن نتطلع إلى شئ من مجهوده (التكميلي) المرتبط بالتعليم .
ومنها: إنشاء مدرسة عين شمس الإبتدائية ، فبعد إقرار مدرسة عين شمس في عام 1380هـ وموافقة وزارة المعارف يومها على الطلب ورغبة الوزارة في افتتاحها طلبوا بناية مدرسية لبدء العام الدراسي تتكون من أربع حجرات دراسية أو تأجيل المشروع أو تحويله، وهنا وقعت إشكالية إذا لايتوفر مبنى مكون من أربع حجرات ويستوعب نحو 27 طالبا مع هيئة تدريس مع ضغط إلفاء المدرسة أو تأجيلها لأعوام قادمة عندها شعر الشيخ مصلح بأهمية الطلب ومخاطر تأجيله أو إلغائه فتقدم بمشروع ينص على تبرعه بإنشاء مبنى مطابق وتأجيره وهي طريقة كانت شائعة في ذلك التاريخ وتعمل بها الوزارة ، وتم ذلك بمبلغ ...(وهذا مبلغ زهيد جدا أمام تكاليف الإنشاء يوم ذاك وصعوبتها) كما أخبرني شخصيا بهذه الخاطرة، وأنا أعتبرها رمزية جدا عند دراسة التكاليف البناء وانعدام العمال القادرين على البناء وصعوبة جلب المواد الأساسية، ولم تكن متوفرة بعين شمس بل تجلب من مكة المكرمة في ذلك الوقت مع صعوبة الظروف الإقتصادية ، ولم يمنعه ذلك وتم تنفيذ أربع حجرات فقط يقسمها ممر (صالة توزيع) ويضم حجريتن دراسيتين وحجرتين مكملتين وانتظمن بشكل رائع عام 1381هـ ثم ضاقت بهم بعد أن ازداد عدد الطلاب وتوسع بإنشاء ثلاث حجرات دراسية وفناء في عام 1386هـ واكتمل البناء بنحو سبع حجرات ومخزنين صغيرين وبعض المرفقات البسيطة .. فبارك الله في مبادرته هذه.

وادي الخلص الذي عمل به في بداية حياته
مدرسة عين شمس الإبتدائية
مدرسة التنمية الاجتماعية للبنات بعين شمس:
لقد كان إسهام وزارة العمل والشؤون الإجتماعية واضحا في القضاء على الأمية وفق خططها المكملة لوزارة المعارف ، وتبنت افتتاح بعض المدارس في الأرياف للحد من انتشار الأمية (ويتمثل نشاطها في افتتاح مراكز التنمية الاجتماعية التي تعمل على تنمية المجتمعات المحلية وخاصة الريفية منها...) (1) ونالت الفتاة بعين شمس قدرا محدودا جدا في ذلك التاريخ بسبب ضآلة البنية التحتية وصعوبة تنفيذ مدرسة بكامل هيئتها التعليمية. ونجحت الوزارة المعنية في تحديد بعض الأهداف (يمكن الرجوع إليها ) كما ذكرنا عند السنبل.
___
1- نظام التعليم في المملكة العربية السعودية ،عبد العزي السنبل وآخرون ص ص 442 ،443,

ويحسن بنا أن نذكر شيئا يسيرا عن تاريخ تعليم الفتاة بعين شمس فقد ظهرت بواكير تعليم البنات بعين شمس في محاولات بسيطة من التنمية الاجتماعية بالجموم ما بين 1386هـ وعام 1390هـ تحت مشروع (محو الامية) الذي كانت تتبناه وزارة العمل والشؤون الإجتماعية ، ولم يكن هناك مبنى مستقلا بعين شمس بل عن طريق منزل تبرع به أحد الأهالي فقط ، ورغم تواضع المشروع إلا أنه كان جيدا وفق آليته يوم ذاك واعطى مبادئ تعليمية بموجب مناهج بسيطة وغير مترابطة ولكنها كانت خطوة متقدمة جدا في ذلك التاريخ مما سهل الطريق امام ظهور مدرسة عين شمس للبنات في عام 1392هـ. وقد سعى الشيخ حمه الله في تثبيت البواكير الأولى لتعليم الفتاة بعين شمس من خلال تواصله مع التنمية الإجتماعية بالجموم عام 1386هـ حيث حرص رحمه الله على افتتاح البذرة الأولى لتعليم الفتاة بعين شمس ، وبالفعل تم افتتاحها بعيد هذا التاريخ ،ولم تكن المدرسة منتظمة طوال الأسبوع بل بعض من ايام الاسبوع وغالبا لا تتجاوز ثلاثة ايام ولا تحدد الأيام أحيانا ، بدليل أن الطالبات يأتين من منازلهن للحضور دون موعد محدد فقط عند رؤية سيارة المعلمات .
وظل المشروع الدراسي يتم ضمن حجرة في منزل يقع في الطرف الشمالي لعين شمس ومجاور لمنزل الشيخ ، وبدأت هذه المدرسة نشاطها بمقدار ثلاثة أيام في الأسبوع أي نصف الأسبوع الدراسي المكون من ستة أيام دراسية وفيها تكثف جميع المواد ،وظل عدد الدارسات في تزايد حتى أصبحت الحجرة المقدر مساحتها بـ10م2 لا تستوعبهن تماما فربما يزيد العدد عن خمسة عشر طالبة وفق آلية التواصل غير المحدد، ويبدو أن العدد استقر عند خمسة عشر طالبة في حدود عام 1388هـ، وعندما ضاق المبنى بهن وبحثن عن حجرة أوسع ودون تكاليف رحب الشيخ بانتقالهن لمنزله وجعلها بحجرة الضيوف وكان ذلك في عام 1388هـ . واستمرت المدرسة ثلاثة أعوام ولكن بشكل غير منتظم حتى عام 1392هـ ، عندها أخذ التعليم مسارا نظاميا مختلفا.ولاشك أن له الفضل في تثبيت هذا المشروع.
ظل الشيخ قارئا جيدا للقرآن الكريم وقد شهد له بذلك بعض الحفاظ عندما استمعوه وهو يقرأ في إمامته بمسجد عين شمس وتميز بصوته القرآني الرخيم والهادئ والدافئ في تغنيه. وكان يرحمه الله يبكر إلى المسجد فيقرأ ما تيسر له قبل الصلاة بصوت عذب وجميل وله سمة أو مقامه خاصة وفي مطلع لثمانينات الهجرية كان يقرأ ورده المعتاد بعد صلاة الفجر من كل يوم وفي هدأة القرية وسكون الرياح كان يسمع صوته أحيانا من خارج منزله بالنسبة لمجاوريه .
وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت لأبي العتاهية حتى قبيل سنوات يسيرة من وفاته كنت أسمعه يتمثله:
الموت باب كل الناس داخله ياليت شعري بعد الباب ماالدار
اتصلت بالشيخ بعد منتصف عام 1419هـ في بعض الأمور فقد كان يدعوني أحيانا لمرافقته بعد صلاة المغرب إلى منزله وكنت في البدء شديد التحفظ في حديثي معه إلى درجة الإنضباط في كل لفظة أقولها، ولكني اكتشفت بساطة في حديثه وسهولة في تعامله ونكتة جميلة ورواية أدبية شعبية مع شواهد شعرية سجلت بعضها ، كان يرحمه الله معتادا في جلسته غير الرسمية أن يشبك أصابع يديه ثم يشدهما خلف ركبته اليمنى خاصة وهو يستمع للحديث في هدوء وسمة ولا يقاطع أحدا حتى يكمل قوله.
وظل يواظب على بعض الفروض (بمسجده) حتى أواخر عام 1437هـ وهو في عجزه الشديد وعلى العربة والله كنت أشعر من الناس بسعادة وهم يرونه يأتي للمسجد رغم تقدمه في العمر ويستبشرون به ويتحرون السلام عليه وظل ذاهنا للكل ويعرفهم رحمه الله بل ويجاملهم بقدر مستطاعه.

بدر اللحياني












بواسطة : بدر اللحياني
 0  0  387
التعليقات ( 0 )

-->