• ×

كلمة تائهة \" بين عالمين \"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كلمة تائهة \" بين عالمين \"
بقلم
الأستاذ / الشريف عبدالرحيم ناصر الحسيني البركاتي



داهمتني كلمة دائماً ما تراودني ، بل الأمرُّ من ذلك دائماً ما ألاقيها أمامي أينما أذهب فأبصرها كالظل تلازمني على مدار الساعة ؛ كنت أحسبها بادئ الأمر أنها أمرٌ من الخيال ، لا يمكن أن يتحقق وأن ما جاء فيها من وصف ما هو إلا ترّهات أقبل عليها الناس فصدقوها ، ولكن مع مرور الزمن تمادى الأمر حتى علق في أذهان مَن لا أشك في صدقهم ، مَن إذا قالوا أحسنوا القول ، وإن صمتوا كانوا كهدوء الريح لقبطان السفينة يتمنى حركتها لتعمه فائدتها ؛ فحركتهم بل حديثهم لا ينتج عنه إلا الفائدة ، فشاعت هذه الكلمة فعلمت حقيقتها وأنها ليست من الخيال بشيء ، وليس قولي شاعت هو عنوان على أنها غير موجودة من قديم الأزل ، بل لا أكاد أفتح كتاباً إلا وأقرأها ، ولا أرفع صوت المذياع إلا وأسمعها ، بل لا أقرأ كتب الأولين وتاريخهم إلا وتتمثل لديهم كأنها طفلة هم أربابها ؛ ولكن هذه الكلمة ربيت وترعرعت عند الشعراء خاصة ، فأحسنوا وصفها بل تمادوا فيها ، ولكن قبل أن أذيعها عليّ أن أعود للوراء قليلاً ، إلى ما تمّت كتابته قبل أسطر قليله ، ألا وهو علوق هذه الكلمة في أذهان أهل العلم والمعرفة والدين ، فكيف بدأت هذه الفكرة عندي ؟ وكيف تمت ملاحظتها من قبلي عندهم ؟ وكيف تأكّد لديّ هذا الأمر ؟ أسئلة تُدخل الحيرة لنفسي قبل القارئ ، ولكن سرعان ما تذهب هذه الحيرة ، فأعلم أن ما حوته مكتبتي من كتب قيّمة لا بد أن تؤثر في عقليتي بل حتى في معاملتي ، كما أحدث الاستعمار من تغيير في بعض المجتمعات وللأسف ؛ أما التغيير الذي حدث لديّ لا يتماثل مع تغيير الاستعمار من حيث الخراب والفساد والطغيان ، وإنما هو ضد ذلك ، فقد ظهر لي رأي مستقل أحويه بل أجمع أجزاءه من عيون الكتب التي أمامي ، فتأثيرها ظهر من جديد عندما أتحدث عن هذه الكلمة التي بدأت حديثي عنها ؛ وها هو يقف أمامي وبين يدي عالمان من علماء العرب الأجلاء ، يقفون أمامي لا حسياً بل معنوياً ، لا شكلياً بل كتابياً ، فكتبهم نصب عيني أقرأها ، وهما أحسنا في حديثهم عن الكلمة المرادة فأوجزوا ؛ وإن سألتموني مَن هما ؟ فلن أتردد في ذكر اسميهما : أما الأول / فهو العالم الجليل الإمام / ابن القيّم الجوزية وكتابه ( روضة المحبين ونزهة المشتاقين ) ؛ والثاني : هو أديب الفقهاء العالم الشيخ / علي الطنطاوي وكتابه ( صور وخواطر ) فرحمهما الله أجمعين .
لقد بدأ كلٌّ منهما في الحديث عن \" الحب \" وهذه هي الكلمة التي أردت ، تحدثوا عنها ، بل عبّروا فأحسنوا التعبير واعتمدوا على العقل في كتاباتهم ، وهذا لا يعيبهم ، ولكن في مجالنا هذا لا بد من تحكيم العاطفة ، أخذوا الأمر كظاهرة اجتماعية عليهم دراستها من جميع النواحي ، أجادوا بل لهم الشكر الجزيل على المادة العلمية الفائقة الجودة التي اشتملت عليها كتبهم ، ولكن لو نظرنا ولو للحظة بسيطة إلى هذين العالمين .. متى كتبا رأيهما ؟! لوجدنا أن الأمر قد داهمهما عندما انتهوا من صياغة آرائهم ، والجميع يعلم أن الإنسان إذ كَبُر في السن أصبح أكثر حكمة مما قبل ، بل أخذ يُحكّم عقله قبل قلبه ، نعم هذا ما وجدته عندهما ، فظاهرة الحب لم يعيشاها إلا قديماً أو في أوقات بسيطة من حياتهما كما أقرّا بذلك ، ولكن مع مرور الزمن أخذت هذه الظاهرة كما أحببت أن أسميها بالذوبان شيئاً فشيئاً ، كشمعة أذابتها النار ، لم يبق منها سوى أثرها ، فبدلاً من إضاءة الشمعة والكتابة على أثرها ما يواكب الأمر تمّ إزاحت الضوء والكتابة في ظلام شبه دامس ؛ فحكّموا العقل فجرّدوا الحب من حليّه ، فها أنا أتحدث لأعيد إليه حليه المفقودة من جديد فأتم كلامهما من جديد لأحكّم العاطفة ، وليس ذلك تعقيباً لهما لأني لست أهلاً بأن أعقّب على مثل هؤلاء ، وإنما أحببت أن أكثر من ثمار مزرعتهم ، وأن أنوّع من أشكال أزهارهم ، فالتنويع غالباً ما يجذب انتباه الجميع وخاصة إذا كان النوع مواكباً للحاضر .
إني أوافقهم في كثيرٍ من آرائهم ، ولكنني أضيف عليهم ما غفلوه أو تغافلوه . فالحب ظاهرة لا بد من وجودها فهي عنوان ُ النمو لعقلية الشباب ، قولي هذا لا يحل ما أراده الشعراء الماجنون من الحب والغزل .. نظرة .. فابتسامة .. فقبلة .. فولد ، لا لأن ذلك يخالف عقيدتنا والتي هي هرم حضارتنا ، بل يهدم ما بناه الجاهليون قديماً بأخلاقهم التي أقرّها الإسلام ، ثم ما أتمّه الإسلام وأكمل بناءه على الوجه المطلوب ، ولكن أُحلُّ ما أحلّه غيري ولم يستطع البوح به ، فالجميع يعلم أن الطفل يحب ، والشاب يحب ، والابنة تحب ، والشيخ يحب ، بل حتى الورد في بستانه يحب ، والنمل في قنّه يحب ، والأسد في عرينه يحب ؛ فإذاً هي كلمة واحدة ولكن معناها يتحوّل حسب سياقها ، فهمه من فهمه وجهله من جهله ؛ هنا أُحلُّ لنفسي التطرق بين هذه الكلمة ، كدلالتها اللغوية والتي تعلق في السمع فلا تُنسى أبداً ، فالحاء يحمل الحنان الذي يتبع الحرقة ، والباء أظهره مخرجه كالقبلة ، فحنان وقبلة هذا هو المعنى الذي استقصيه لنفسي وأحللته دون غيري ، ولا أخالف بذلك ما بدأته عن رأيي عن الحب ، لأن هذا قد يُصاغ للعفّة والعذرية إن أُريد به ، ولا أكتب ذلك عن تجربة لأني لم أخوض عباب الحب إلا أنني نالني شيء من أمواجه ، أمواج متراطمة تلاعبت بي يمنةً ويُسرى ، وكان ذلك محض إرادتي ، فأنا من أراد اصطناع السباحة لنفسي ، أي أردت أن أخوض هذا البحر لا حقيقةً بل وهماً ، أي أن أوهم نفسي بالحب ؛ فلِمَ أُحرق نفسي والعالم يهرب من هذا الحريق ؟! أجننت أم بي علّة من صرع؟! هذا ما يفهمه الأدباء أو الشعراء خاصة ، فأردت لنفسي أن أكون أديباً شاعراً فصيحاً إذا تحدثت ، فعجزت عن حل قضيتي ، تعلّقت برقبة محامٍ ليساعدني ، فوجدته الحب ، فلا بد من ملازمته ، أردت أن أبرر موقفي فنظرت إلى عنترة ، كيف بدأ ؟ وكيف صار ؟ ! ما ألهمه الغزل إلا عبلة ، ما جعله الشاعر الفحل إلا الحب حبٌ عفيفٌ هو ما أردته لنفسي :
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وإن نظرت يُمنةً سوف أبصر جرير الخطفي ( أبو حزرة ) ماذا قال عنه النقاد بعد قوله قصيدته والتي تحمل قوله :
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
اتفقوا على أنه لو حب وعاش بين أضلع الحب لفاق جميع الشعراء في الغزل وغيره من الفنون ، وهو مع ذلك نال مرتبة عظيمة بين الشعراء ، وهو في عيني أفضل شاعر ألان الكلمة فصاغها شعرا ، وقد عُدّت قصيدته من عيون الشعر العربي ، ولكنه لو أحب قبلها لأكمل ما نقص منها وإن كان قليل ، ولعادت المعلقات من جديد بداية بك يا جرير ، وهذا خطابي له وهو تحت الثراء ممدّد ، ولكن رحمة الله عليك يا أمام الشعراء .
ها أنا استسمحكم العذر إخوتي القراء ، فإني قد نوّعت في حديثي بل أخذت أطير من دوحة إلى أخرى ، وأغرّد بطريقتي الخاصة ، قد بعجبكم تغريدي فتطربون به ، وقد يسوؤكم تغريدي فتغلقون آذانكم عن سماعه ، ولكن هذا لن يصدني عن تكملة التغريد في دوحة جديدة ، وفوق شجرة تلاعبت بها الرياح وأنا في جوفها .
هذه الشجرة تحمل نفس ثمار الدوحة السابقة بل نفس الرائحة والأزهار ، ففي كل غصن تتعالى ألفاظ الحب موردة متلألئة ، وعلى كل ورقة تجد الندى يداعب جسد الحب ويلامسه ، فلنعش ولو كانتفاضة تعلو ثم تخمد ، فنتمتع ولو للحظات قليلة بما تملؤه هذه الحقيقة من نورٍ وضياء ؛ فالكون الفسيح ، وما يحمله من نور وريح ، ما هو إلا كطفل جريح ؛ جرحه ما بداخله وما يدور خلاله ، فدماؤه انتثرت فغطّت أطراف النجوم ، فخفت نورها وذهب ضياؤها ، يكون ذلك في فترات من الزمن ، ولكن قد تعود إليه الفرحة والابتسامة ، وذلك عند لقاء ونظرة ، إذن الكون يحب بل هو عاشق هيمان ، عشق كواكبه ، وهام تحت أقدام أهله وسكانه ،وهو يحنو على أطفاله ، على أشباله الذين عاشوا تحت سمائه ؛ وعلى كل إنسان وكل حيوان تائه ، بدءاً بالبراءة في الحيوان ، وانطلاقاً إلى الثبات في الأزهار والنبات ، وعيشاً في أعماق البشر بأنواعهم واختلاف أجناسهم ، ووقفة مع لحظات الابتسامة والفرح والمرح في الكون ؛ فلكم مني المثال : فالأسد لو غابت عنه لبؤته طويلاً لملأ الأرض زئيراً ، ولهابه الحاضر والبادي ، ولارتجت الأرض رعباً بصوته ، أيُّ حبٍ هذا ؟ ! حب يتبعه عتاب فصفاء ، فنادراً ما نجد أسداً يقاتل لبؤة ، بل يحمل على عاتقه مسؤولية عظيمة تحمل العطف والحنان عليها مع أنه أُشتهر بالجفاء والغلظة ؛ والشجرة وما تحويه من أغصان لو أمعنت النظر في شجرة ملتفة كثيفة لوجدت الحب بحذافيره كالدر كامن ، كل غصن يميل على الآخر كما يميل العاشق على معشوقته ، ولولا حبهم لبعض وتمايلهم على بعض لما أثمرت هذه الشجرة بل لتلاعبت بها الرياح فاقتلعتها من جذورها ؛ وأنّى تذهب ببصرك لناداك من تراه بصوت لا يسمعه سواك متأججاً لا تنساه ذاكرتك ، ها أنا في حب فاسألني ؟ ! طالباً منك السؤال ليجيبك عن حبه وعشقه ، ليفتخر حتى يكون عندك أديباً شاعراً ، نعم هذه هي الحقيقة ، حقيقة لا خيال حقيقة كحقيقة قيس مع ليلى ، أو جميل مع بثينة ، وروميو مع جوليت ، والشمس مع القمر ، والليل مع النهار ، وكل زوجين مع بعضهما البعض .

حقيقة آمل ألا تنسوها ، وتأخذ مكاناً بارزاً داخل قلوبكم ، ليعم الحب من جديد ، فنقذف معاً أوراق العدوان والاعتداءات والبغض والكره من بيننا ، ونجعل مكانها أوراق المعايدة واللقاء والنظر بود ومحبه وصفاء ، الأوراق التي نحن مدادها وحبرها ، فلنعمل سوياً لإخراجها في أحسن صورة تحمل عنوان :
\" كل عام وجميع المسلمين بخير

بواسطة : hashim
 0  1  2008
التعليقات ( 0 )

-->