• ×

تشييع جثمان البلادي \"علامة الحجاز ونسابتها\" في مكة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تشييع جثمان البلادي \"علامة الحجاز ونسابتها\" في مكة
خلع البزة العسكرية وامتشق القلم قاطعا مسافات من التعب والترحال في طول الجزيرة العربية وعرضها
للعميري، خالد الطويل، علي


بين اللحظة التي أطلق فيها صرخته الأولى للدنيا عام 1352 هـ في محافظة خليص إحدى ضواحي مكة المكرمة على بعد أكثر من مائة كيلو إلى الشمال، وبين مقبرة المعلاة التاريخية في مكة التي ووري جثمانه فيها فجر أمس، مسافة من التعب والفرح والكفاح والسفر والترحال في عرض الجزيرة العربية وطولها عاشها (عاتق بن غيث البلادي) أحد مؤرخي مكة في العصر الحديث وأحد نسابة الجزيرة العربية, وابن بطوطة هذا الزمان كما لقبه الكاتب حماد السالمي. بعد أن ترك البندقية وأشهر القلم في وجه العتمة؛ يدون المعالم والأنساب ويتحقق من الأمكنة والناس.
العام الماضي كرمته وزارة الثقافة والإعلام خلال معرض الرياض الدولي للكتاب بوصفه أحد الباحثين في التاريخ، ولم تمض سنة كاملة حتى فارق الدنيا مخلفا إرثا من الاجتهاد البحثي في التاريخ طبقا لتعبيره رحمه الله. إذ دائما ما كان يرد على منتقديه بأنه ما هو إلا باحث يجتهد للوصول الى المعلومة.
الباحث فايز بن موسى البدراني أحد أكثر الباحثين اختلافا مع منهجية الراحل خصوصا في مسألة كتابته للأنساب والتي تفتقد للمنهج عبر عن حزنه العميق لفقد هذا العلم الذي شق بحسب تعبيره- طريقه بعصامية وبإصرار منقطع النظير مقدما صادق العزاء لذويه، مؤكدا أن البلادي أنجز أعمالا جليلة تنوعت ما بين التاريخ والأنساب سوف تبقيه حاضرا في ذهن الأجيال وكل المهتمين حيث يستفيد من التركة الثقافية التي تركها-يرحمه الله- الباحثون. ومضى البدراني والذي سبق وأن رد في صحيفة \"الوطن\" على عدد من الآراء التي طرحها البلادي في حوار سابق إلى أن الأخير يعد صاحب أعمال رائدة وله السبق في كثير من المواضيع بغض النظر عن منهجيته والتي ربما لا يتفق معه فيها البعض \"وأنا منهم\" وهي المنهجية التي جعلت كتبه في الأنساب مثار جدل كبير مؤكدا أن ذلك الأمر لا يقلل من ريادته ومن إنجازاته.
رغم اختلافهم مع منهجيته البحثية يرى منتقدو الباحث البلادي أنه يسجل له يرحمه الله- رصده في مرحلة مبكرة جدا لتاريخ عدد واسع من معالم الحجاز في إشارة منهم إلى كتابه الأهم \"معجم معالم الحجاز\" بأجزائه العشرة والذي رصد فيه ميدانيا معالم عدد كبير من المواقع في الحجاز مقدما وصفا تاريخيا لها يستدل في بعض جوانبه على شواهد وروايات أهل المكان نفسه.
وفيما يرى منتقد منهجيته البحثية التي لا تعتمد بحسب وصفهم على الوثائق يرى كثير من تلاميذه وقبل ذلك متابعو تجربته أنه يعتبر في موسوعيته في تاريخ الحجاز على وجه الخصوص امتدادا لجيل الكبار من المؤرخين.
ولا يتردد أحد أكثر تلاميذه تأثرا به الباحث في معالم المدينة المنورة التاريخية عبدالله بن مصطفى الشنقيطي في وصفه بـ(علامة الحجاز) بلا منازع نتيجة تجوله في ربوع الحجاز ووهاده ووديانه منقبا في كنوز التراث.
الشنقيطي أشار إلى أن علاقته بدأت مع البلادي حين اطلع على كتابه \"طريق الهجرة\" حوالي عام 1410 للاستفادة منه في تتبع الطريق الفعلي الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته فوجده يصف المعالم الطبيعية بين مكة والمدينة وصفا لا تجده في أي مرجع سواه، أما كتبه الأخرى فلا غني للباحث في معالم الحجاز عنها، بحسب الشنقيطي الذي يتابع: إذا كان حمد الجاسر علامة الجزيرة فإن عاتق البلادي هو علامة الحجاز بلا منازع \"فأخرج لنا أسفارا فريدة في بابها\". مضيفا أن رحيله يمثل أفول نجم من نجوم علم التاريخ في الحجاز بعد أن كان ساطعا عقودا عديدة وقد أثرى الساحة الأدبية والتاريخية والجغرافية بمؤلفات قل نظيرها، فهو بحق بقية السلف من أمثال البكري والهجري وابن فهد المكي والأزرقي وغيرهم من هذه السلسلة الذهبية.
الشنقيطي لم يلتق البلادي سوى مرة واحدة كانت خلال استلامه لجائزة أمين مدني لأبحاث الجزيرة العربية عام 1415هـ إلا انه يعد نفسه تلميذا من تلاميذه، مشيرا إلى أنه كان يتواصل معه هاتفيا، فكان إذا أشكل عليه موضع جغرافي أو معلومة تاريخية اتصل به فيجد عنده الجواب الشافي. ويضيف: هو أيضا كان يكلفني ببحث تحديد بعض المواضع قرب المدينة المنورة فأنفذ طلبه حسب جهدي.
ويلفت الباحث محمد بن فهد العوفي الحربي إلى ضرورة الاهتمام بما لم يطبع من مخطوطات للراحل فضلا عن كتاباته ومقابلاته في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفاز. موضحا أن معرفته بالبلادي تعود إلى عام 1416هـ، حين قام بزيارته في منزله وتوالت زياراته له خاصة في الاثنينية التي كان يعقدها في منزله بمكة المكرمة طوال السنة تقريبا، عدا بعض الأسابيع في شهر الصيف حيث تعقد في منزله بالطائف. وأكد العوفي أنه عرف عن الفقيد حبه للعلم والصدق فيما يكتب وبعده عن حب الظهور واحترامه لمن يخالفه وإن اعترته حدة في القليل من ردوده فمن الذي سلم منها -بحسب تعبيره- مشيرا إلى أنه حين شكى له من كثرة ما يكتب في علم الأنساب مؤخرا من غثاء وكثرة دعاوى الانتساب إلى أهل البيت والصحابة رضي الله عنهم والقبائل المشهورة في صدر الإسلام، وأثر ذلك على هذا العلم وعلى الروابط الاجتماعية، وأن النفس تحدثني بالبعد عن هذا المجال، نصحني بعدم التأثر خاصة بما يكتبه أصحاب الدعاوى العريضة وقال لي بأن ما نكتبه اليوم سيأتي بعدنا من يغربله فيبين الصالح والفاسد فكانت كلماته بلسما شافيا.
وبينما يتوقع المراقبون أن يبادر نادي مكة الأدبي الى أخذ زمام المبادرة في هذا الالتفات قال رئيس النادي الدكتور سهيل قاضي إن عاتق البلادي قدم لتاريخ مكة ولتراثها الكثير مما يستحق الإشادة والتقدير. مشيرا إلى أن أدبي مكة وضع استراتيجية لتكريم أعلام مكة المكرمة من العلماء والمؤرخين والأدباء، وكان البلادي في مقدمة الأسماء التي يود النادي تكريمها وحين عزم النادي على تكريم عضو هيئة كبار العلماء الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان طلب أن يبدأ التكريم بعاتق البلادي لما له من فضل على تاريخ مكة ولما قدمه من مؤلفات ودراسات أثرت المكتبة بأبحاث رائدة وكتب قيمة. لكن ظروفه الصحية جعلتنا نؤجل تكريمه إلى فترة قادمة وسيقوم النادي بتكريمه في الأيام المقبلة مع عدد من المؤرخين والباحثين الذين كانت لهم بصمات مؤثرة في تاريخ مكة المكرمة.

المصدر صحيفة الوطن، الأربعاء، 3/3/1431هـ
http://www.alwatan.com.sa/news/newsdetail.aspissueno=3428&id=136796&groupID=0

بواسطة : hashim
 0  0  2104
التعليقات ( 0 )

-->