• ×

دمنجو باديا أول اسباني وثالث رحاله أوربي يزور مكة المكرمة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
دمنجو باديا أول اسباني وثالث رحاله أوربي يزور مكة المكرمة
د/عدنان عبدالبديع اليافي
30/1/2011م

في الساعة الثالثة من مساء يوم الأربعاء والحادي والعشرين من يناير من سنة (1807م) الموافق الثاني عشر من ذي القعدة سنة (1221هـ) وصل الرحالة الأسباني دمنجو باديا إلى مكة المكرمة منتحلا شخصية شريف عباسي مسميا نفسه على بك العباسي .
وكانت تلك الزيارة هي أهم محطات خط سير رحله هذا الرحالة المغامر الذي كان أول أسباني يزور مكة المكرمة وثالث أوربي عرف أنه دخل المدينة المقدسة في التاريخ الحديث .
هذه الرحلة الهامة تناولها الأستاذ أسعد عيد الفارس في بحثه الذي قدمه خلال ندوة الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية التي عقدتها داره الملك عبدالعزيز في الرياض في أكتوبر عام 2000م.
يقول الفارس: أن الشريف علي بك العباسي قال :" بعد ان قضيت عدة سنوات في بلاد المسيحين ادرس علوم الطبيعة والفنون التي لا يستغني عنها الانسان ، عزمت اخيرا على زيارة بلاد المسلمين ، ومن خلال اداء فريضة الحج سوف يتسنى لي دراسة سلوك وعادات وطبيعة البلاد التي سوف امر بها ، خدمة للوطن الذي اخترته مثواي الأخير" ... يقول الفارس : هكذا قال الشريف علي بك العباسيي قبل الشروع في رحلته الى الشرق (1) .
ويتساءل الفارس: من هو علي بك العباسي ؟! ثم يقول: ان آثار هذا الرحالة لا تشير الى هويته ، فتركنا في لغز امام شخصيته ، لكن من الراجح انه اسباني من مواليد برشلونه حوالي عام (1766م) ، واسمه الاصلي دمنجو باديا لبليخ جاء يحيط به الخدم والاتباع مدعيا انه من سلالة العباسيين ، وانه جاء الى مكة المكرمة لتأدية فريضة الحج ، فورعه الظاهر واتقانه للغة العربية والفقه الاسلامي جعله فوق الشبهات امام كل من جالسه من المسلمين ، فبعد مشاورات اجراها مع شخصيات مهمة في باريس ولندن وصل طنجه عام (1803م) ، فأمضى فيها سنتين قضاهن صديقاً للسلطان الذي امده بكل ما يحتاجه ، وفي طريقه الى الحج وصل الى الاسكندريه عام (1806م) ، فقابل هناك "شاتوبريان" الفرنسي .
يقول الفارس: كانت اول اشارة توحي بانه كان يعمل لصالح الفرنسيين الذين كانت تهمهم معرفة موقف المسلمين في الشرق من الحركة الاصلاحية التي قامت في وسط الجزيرة العربية(2) .
ويستطرد الفارس قائلاً : وفي مصر التقى رحالتنا محمد علي باشا ثم اتجه الى ميناء السويس في ديسمبر عام (1806م) ضمن قافلة تحملها عشرة من الابل ويحميها ثلاثة جنود ، بعد ان ترك في القاهرة كل ما يملكه . وبعد رحلة عاصفة في البحر الاحمر وصل الى مكة في 23 يناير عام (1807م) فحل في منزل مجاور لحاكم مكة ، كيف لا ، وهو الذي يدعى أنه من العباسيين ، بل ان الحاكم كما يدّعي كان يصاحبه في اثناء التجوال في المدينة ، فكان اول رحالة غربي يصف مكة المكرمة وصفاً علمياً دقيقاً ، ويحدد موقعها على الخريطة ، ويصف تجارتها ، ويقدّر عدد سكانها .
ويقول الفارس : أن هذا الرحالة وبعد أن أدى مناسك الحج وشارك في غسيل الكعبة , غادر مكة المكرمة في الثاني من مارس عام (1807م) في طريقه الى جده ، ومنها الى ينبع يريد المدينة المنورة ، لكنه عاد من ينبع الى مصر ، ومن هناك قرر العودة الى اوربا فانهى رحلته في رومانيا عام (1807م)(3).
رحلة علي بك العباسيي أو دومنجو باديا :
عن هذه الرحلة يقول الدكتور صالح بن محمد السنيدي في ترجمته لكتاب (رحلة دومنجوباديا علي بك العباسي الى مكة المكرمة) سنة (1222هـ - 1807م) أن ما توافر لدينا من معلومات لا يتناسب وحجم هذه الشخصية وما قامت به من مغامرات وادته من ادوار ، لكنها مع ذلك تُلقى اضواء كافية حول حياة هذا الرحالة والتقلبات السياسية التي عاشها وشارك في احداثها .
ويقول السنيدي : لم يَلقىَ باديا الاهتمام الذي يستحقه من قِبل مواطنيه الاسبان بشكل عام ، لكنه وجده اخيرا من قبل الباحثين الكتلان الذين خصوه بدراسات وبحوث ، آخرها مجموعة من المقالات والبحوث تحت عنوان :" علي باي Ali Bei حاج كتلاني في ديار الاسلام " باللغة الكتلانية نشر في برشلونه سنة (1966م)(4).
ترجمة دمنجو باديا لبليخ : Domingo Badia Leblich
يقول أغسطس رالي : يُعرف باديا على نحو أفضل بلقبه المستعار (علي بك العباسي) . ولد في بيسكاي (Biscay) عام (1766م) . ويقول رالي أن لغة باديا الاصلية سهلت عليه تعلم اللغة العربية ونطقها الصحيح .
ويبين رالي أن باديا تلقى تعليما عاما ثم اكمل معرفته ودرس الطب والفلك وعلم المعادن . وفي عام (1802م) زار باريس ولندن وعاد بعد سنتين الى اسبانيا في ثياب اسلامية (5).
ويبين الدكتور صالح بن محمد السنيدي في ترجمته لكتاب ( رحلة دمنجو باديا علي بك العباسي إلى مكة المكرمة) ان الباحثين الذين درسوا هذا الرحالة الاسباني قالوا : أنه ينتمي إلى أب كتلاني كان يعمل سكرتيراً لحاكم برشلونه وأم بلجيكية اسمها:كاتلينا لبيلخ Catalina Leblich (6) .
كما يقول السنيدي: أن الرحالة نفسه وأسمه دمنجو باديا واي لبليخ Dominego badia Y leblich ، وُلِدَ في برشلونة في الأول من أبريل سنة (1767م) الموافق للثاني من ذي القعدة (1180هـ) . أنتقل أبوه إلى غرناطة ثم إلى مدريد يرافقه إبنه الذي تبدوا عليه علامات النجابة والنبوغ، فوجهه والده لدراسة الإدارة . وعندما بلغ الرابعة عشر من عمره أصبح معاوناً إدارياً لوالده في بلده على ساحل غرناطة ، ثم خلف والده في منصبه عندما انتقل إلى مدريد وعمره وقتها تسعة عشر عاماً . وبعد أن بلغ أربعة وعشرين سنة تزوج من فتاة غرناطية، وفي هذه الأثناء تحول إلى قرطبة ليعمل في مصلحة التبغ، وأثناء ذلك كان الطموح وحب المغامرة يدفعانه إلى البحث والدراسة وإجراء التجارب العلمية المتعددة التي كان أخرها تجربته الاستطلاعية حول الغاز وتأثيره في رفع المناطيد وغير ذلك مما يدل على شخصيته المتميزة(7).
تقدم باديا لبليخ بمشروع رحلته في شهر أغسطس من سنة (1801م/ 1216هـ) إلى الحكومة الاسبانية بإسم (مشروع رحلة إلى شمال أفريقيا ذات أهداف سياسية وعلمية) وقد تمت الموافقة عليها مع مايتطلبه ذلك من تمويل وتجهيز . وكان وراء المشروع والداعم الأول له رئيس الحكومة الاسبانية آنذاك مانويل جودي (Godoy) الذي تحمس له واقنع الملك كارلوس الرابع Carlos IV بالموافقة عليه (8) .
ويذكر السنيدي أن باديا : أخذ يستعد للرحلة ويحضّر لمستلزماتها من أجهزة ومعدات وتهيئة نفسية ولغوية ومعرفة تتناسب والبلاد المقصوده، فرحل إلى لندن وهناك التقى أعضاء الجمعية الأفريقية وبحث معهم أمكانية إجراء بعض الاكتشافات في القارة الأفريقية جنوب جبال الأطلسي.
كما يقول السنيدي : أن باديا قام في هذه الأثناء بمبادرة شخصية فختن نفسه تأكيداً لشخصيته الإسلامية التي سوف يتقمصها فيما بعد، ثم انتقل إلى باريس وأجرى بعض الاتصالات الخاصة ، وأعد بعض الأجهزة العلمية التي تلزمه في رحلته هذه(9) .
ويستطرد الدكتور صالح السنيدي قائلاً: وبعد سنتين من الاستعدادات والتجهيزات انطلق صوب المغرب حيث وصلها في التاسع والعشرين من شهر يونيو سنة (1803م) الموافق للتاسع من ربيع الأول سنة (1218هـ) معلناً بداية الرحلة، ومتنكراً بالزي العربي مدُعياً أنه من أصل عربي ، وينتمي إلى الأسرة العباسية ومتخذاً من على باى اسماً له ، موصيا أن الظروف دفعته إلى ترك بلاده الإسلامية والانتقال إلى أوربا، وفي معاهدها درس العلم ونهل من معينه وتنقل ما بين دولها من ايطاليا وفرنسا إلى اسبانيا، مما جعله ينسى لغة أبائه وأجداده، لكنه مع ذلك ظل محافظاً على تعاليم دينه الاسلامي(10) .
وعن البلدان التي زارها باديا خلال رحلته يقول السنيدي: في رحلته هذه جاب المغرب وولاية طرابلس وقبرص وبعض جزر اليونان ومصر والحجاز وفلسطين وسوريه وتركيا، ثم عاد إلى بلاده عن طريق فرنسا سنة (1222هـ/ 1807م) التي كانت الأمور فيها مضطربة، حيث اقتحمها نابليون بونابارت واسقط حكومتها، ونصب فيها ملكاً مواليا له هو أخوه جوزيف بونابارت وضمها إلى حكمة المباشر فتردد رحالتنا هذا ما بين تفرغه لأبحاثه ومشروعاته العلمية أو الدخول في معترك السياسة ودهاليزها، فجذبته الأضواء وتقلب في مناصب متعددة تحت إدارة أخي نابليون جوزيف ، وعندما انتهى الحكم الفرنسي في اسبانيا أثر باديا الرحيل معه والانخراط في خدمة الفرنسيين ، وتحت حمايتهم بعد أن أحرق جميع أوراقه الوطنية(11).
وبعد زمن عاود الكرة للمغامرة وشد الرحال من باريس بإتجاه الشرق وقيل أنه أُنتِدبَ في مهمة جديدة تتعلق بالهند وبدأ يعد لها متخذاً من موسم الحج ووفد الحجيج الهندي وسيلة للبداية في مشروعه الجديد، لكنه لقى مصرعه وهو في طريقه إلى مكة المكرمة مع نهاية شهر أغسطس من سنة (1818م) الموافق نهاية شوال (1233هـ) في ظروف غامضة ، ولا يستبعد البعض أنه تم تسميمه من قبل أعدائه(12) .
أهمية رحلة باديا:
يقول الدكتور السنيدي: إذا نظرنا إلى هذه الرحلة من حيث الأهمية والمكانة فسنجد أنها تتبوأ مكانة مميزة بين مثيلاتها، ليس لأنها الأقدم فقط، بل للجرأة التي صاحبتها من قبل باديا الذي أخترق الحُجُب بصفته أحد أبناء الدار، ليصل إلى ما عجز عنه غيره ممن سبقوه أو جاؤوا بعده، وفي هذا الصدد يمكن لنا أن نقارن بما كتبه جون لويس بيركهارت الذي جاء إلى مكة بعده بسنوات واعتمده في كثير من النقاط التي وردت في كتابه على الرغم من محاولته إخفاء ذلك بحجة أنه أطلع على مذكرات باديا بعد عودته إلى مصر، مع أنه فصَّل في مواضع غفل عنها باديا، وتوسع في أخرى اختصر فيها، إلا أن إطلاعه واستفادته منها لا يمكن إنكارها.
ويبين الدكتور السنيدي: أن الكثيرين ممن تناول سيره باديا وسجل رحلته هذه، يؤكدون مكانتها وقيمة ما قدمته من معلومات قيمة تعد توثيق لإحداث عايشها وأطلع عليها بنفسه.
كما يبين السنيدي أن أهتمام باديا بالقضايا السياسية لم ينسه التصوير الوصفي الدقيق لما شاهده وعايشه من مشاهد اجتماعية وانتروبولوجيه وجغرافية وأثرية وعلمية، سواء في مكة المكرمة أو في جدة أو في غيرها من الديار والمواقع التي مر بها، مستخدما أدواته القياسية ابتداء من قياس كثافة الرطوبة الجوية إلى آلة السدس والثمن وأجهزة الرصد الأخرى ، ومما حمله معه من أدوات تحليل التربة والمياه، ولذا فقد أمد علم الجغرافيا والفلك بمعلومات قيمة تتجلى في تلك الملحوظات الفلكية من تحديد مواقع الأماكن التي مر بها على البحر الأحمر طولاً وعرضا في إحداثيات تعد دقيقة وأولية، محددا موقع المدينة المنورة بشكل تقريبي، مع أنه لم يصل إليها، ومكة المكرمة بشكل صحيح، ولأول مرة تمكن من تحديد الموقع العرضي لبعض الأماكن داخل شبه الجزيرة العربية بالنسبة إلى خط الاستواء .
كما كانت ملحوظاته عن الناس وملابسهم وسلاحهم، عاداتهم وتقاليدهم، إلى جانب التعليم ومدارسه ، والنباتات وأنواعها . والجبال والصخور والعملة المتداولة والأسواق ، خاصة في مكة المكرمة وجدة بمثابة أضاءه جديدة للباحثين في تاريخ هذه الحقبة.
ويستطرد السنيدي قائلاً: أما حديثه عن الحرم بمرافقه المتعددة والمناسك بمشاهدها المختلفة، فقد كان بمثابة آلة تصوير تنقلنا من مشهد لأخر(13).
خط سير رحلة باديا إلى مكة المكرمة:
أنطلق رحالتنا من مدينة قادس في جنوب اسبانيا بعد أن وصلها من لندن، عابرا مضيق جبل طارق من ميناء (طريفة) Tarifa في مركب صغير قطع به هذا المضيق في أربع ساعات، وصل بعدها إلى مدينة (طنجة) المغربية في التاسع والعشرين من شهر يونيو سنة (1803م) الموافق التاسع من ربيع الأول (1218هـ).
ومن هناك توجه إلى (مكناس) ثم (فاس) التي وصف زلزالاً ضعيفاً تعرضت له هذه المدينة وأكد أن مركزه الأساس قد يكون في جبل طارق، وأنه أستمر عشرين ثانية، وقد رصده بأدواته التي يحملها واصفا إياه بدقه(14) .
ومن فاس ذهب إلى (مراكش) بعد أن مر (بالرباط) وقد وصل مراكش في الواحد والعشرين من مارس .
ومع أقتراب موعد الحج أعلن باديا عن رغبته في الرحيل إلى مكة المكرمة فتمت الموافقة له على ذلك ، فسافر من مراكش إلى فاس ومنها إلى الجزائر.
إلا أن حربا بين الجزائريين والأتراك أرغمته للعودة إلى طنجة والسفر منها بحراً ، إلا أن القافلة التي سافر معها أخذته إلى (العرائش ) بدلاً من طنجة حيث كانت تنتظره باخرة صغيرة على الساحل تم أستئجارها خصيصاً له ، وترك المغرب يوم الأحد الثالث عشر من أكتوبر سنة (1805م) الموافق العشرين من رجب سنة (1220هـ)(15) .
وبعد رحله مليئة بالأهوال بسبب التقلبات المناخية وأمواج البحر العاتية ولمدة شهر تقريباً رست باخرة باديا في ميناء طرابلس في الحادي عشر من نوفمبر التاسع عشر من شعبان(16) .
ومن طرابلس بدأ باديا رحلته باتجاه الإسكندرية وقد غادر في السادس والعشرين من يناير (1806م) الموافق للسادس من ذي القعدة عام (1220هـ) .
وخلال الرحلة قام باديا ببعض القياسات الفلكية فاكتشف أن باخرتهم قد تحول خط سيرها بدلاً من الاسكندرية الى الشمال ، فنبه القبطان ، وانتهى بهم الحال أن توقفوا على الساحل اليوناني . ثم استمرت الرحلة باتجاه الاسكندرية التي ترائت ملامحها امامهم في الثالث من مارس الموافق الثاني عشر من ذي الحجة . وعندما اوشكوا على الدخول الى ميناء الاسكندرية ضرب اعصار هائج مما أذهل القبطان الذي حاول اعادة الرسو في ميناء المدينة الثاني (ابو قير) الا أنهم بدلاً من ذلك ابتعدوا عن الشط واصبحوا مرة اخرى في اعلى البحر . وقال باديا واصفاً الوضع :" حالات من الاعياء الشديد واليأس والرعب والحياة والموت تسود القارب نتيجة للعواصف التي تعصف بالمركب والمياه المتساقطة من أمواج كالجبال: اعتقدت بأن ساعاتي الأخيرة قد اقتربت ، واصبحت في حالة شديدة من الهلع"(17).
وبعد ثلاثة ايام في بحر مائج هائج اعلن قبطان مركبهم أنه لن يستطيع الوصول الى الاسكندرية ، وسيتجه عوضا عن ذلك الى قبرص . فوصلوا الى (ليما سول) في السابع من شهر مارس سنة (1806م) الموافق للسادس عشر من ذي الحجة (1220هـ) وقد تحدث عن هذه المدينة ووصفها وتحدث عن علاقات ببعض الاشخاص هناك . ثم زار نقوسيا ووصفها ووصف مساجدها . وقد صرّح باديا عن اعجابه الشديد بقبرص .
بعد ذلك قرر باديا استئناف رحلته للحج عن طريق الإسكندرية ، فأبحر في باخرة يونانية صغيرة ، خُصِّص له فيها غرفة مستقلة ، خرجت في السابع من مايو (الثامن عشر من صفر 1221هـ) لكنها أُجبرت على العودة نظراً للامواج العاتية ، فاعادت الكرة مرة اخرى في رحلة كانت موفقة . وصلوا الإسكندرية في اليوم الثاني عشر من مايو سنة (1806م) الموافق للثالث والعشرين من صفر (1221هـ) بعد رحلة استغرقت يومين ونصف(18) .
بدأ باديا جولته في مصر وخصها باربع فصول في كتابه الذي يقول فيه: " ليس من الصعب تأليف مكتبة متكاملة لوصف هذا البلد" .
وفي يوم الاثنين العاشر من نوفمبر سنة (1806م) الموافق التاسع والعشرين من شعبان سنة (1221هـ) وصل القاهرة ودخلها في حفل صوره لنا بالفخامة . ويصف باديا المدينة ويتحدث عن شوارعها ومحلاتها التجارية ويتحدث عن الجامع الأزهر والمساجد الكبرى الأخرى ووصف المستشفى العام بالقاهرة . وبعد شهر وخمسة أيام أي في الخامس عشر من ديسمبر سنة (1806م) الخامس من شوال (1221هـ) غادر القاهرة متجهاً الى جده سالكاً طريق السويس ثم البحر الأحمر(19).
ويقول باديا عن مدينة السويس إنها مدينة صغيرة وإنها مفتاح مصر السفلي . وقال أن مينائها سيء . وقال أن شوارعها منتظمة وليس بها ماء الا ما يجلب اليها من خارجها (20).
أبحر باديا من السويس قاصداً جده يوم الجمعة السادس والعشرين من ديسمبر (1806م) . وفي الثامن والعشرين من نفس الشهر توقفوا على مسافة قريبة من الطور .
وفي السابع من يناير عام (1807م) وصل باديا ورفاقه إلى ميناء ينبع . وفي التاسع من نفس الشهر وصلوا الى ميناء الجار .
وفي الثالث عشر من يناير عام( 1807م) وصل باديا ورفاقه إلى مدينة جده(21) . ومكث بها حوالي أسبوع وذهب بعد ذلك إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج .
وقد وصف باديا مدينة جدة وصفا تفصيلياً وسجل لنا بعدسة ذاكرته كثيراً مما شاهده في هذه المدينة العريقة أبان زيارته لها . كما وصف سكانها ومساكنهم وعاداتهم وأسواقهم وأسعار بعض البضائع بها وقال أن عدد سكانها كان حوالي خمسة الآف شخص .
كما تحدث عن وسائل النقل في جده . ووصف الطقس وبين أن ماء زمزم كان متوفراً في جده خلال زيارته لها والتي دامت حوالي أسبوع غادرها بعد ذلك متوجها إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج .
مكة المكرمة بعدسة ذاكرة دمنجو باديا:
يقول باديا أنه في رحلته من جده الى مكة المكرمة: كان محمولا "على آله معمولة من العصي المتماسكة , على هيئة كنبه أو عربه صغيره على شكل أقواس , مغطاه بالقماش وموضوعه على ظهر الجمل , هذه الأله تُعرف بـ"الشبريه" وهي مريحه جدا حيث يمكن الجلوس أو التمدد , ولكن حركه الجمل وهي حاله عايشتها لأول مره في حياتي , أزعجتني للغاية لأني كنت منهكا جداَ" (22).
وتوقف في الطريق في (حده) ووصف هذه القرية وتحدث عن بئر ماء بها وقال: أنه كان يوجد صفين من الأكواخ خصصت لإيواء القوافل عند قدومها, وأنه لبس الإحرام هنالك, كما بين أنهم تحركوا في الساعة الثالثة عصراً باتجاه الشرق في طريقهم إلى مكة المكرمة .
وفي منتصف ليله الخميس الثالث والعشرين من يناير عام (1807م) المصادف للرابع عشر من شهر ذي القعدة من عام (1221هـ) وصل باديا ورفاقه إلى مكة المكرمة بعد مضي خمسة عشر شهراً لخروجه من المغرب.
ويقول باديا: أنه اُفد إلى منزل كان جهز له بجانب الحرم الشريف وأنه دخل إلى الحرم الشريف من باب السلام .
ووصف باديا الحرم الشريف ومناسك العمرة ثم تحدث عن أدائه لصلاة الجمعة في اليوم التالي وتحدث باديا عن دخوله إلى الكعبة المشرفة عندما فُتَحَ بابها في الخامس عشر من ذي القعدة من عام (1221هـ) . ووصف رحالتنا باب الكعبة في واجهة الشمال الشرقي , ويبعد مسافة قليله عن الحجر الأسود , وعلى إرتفاع حوالي سته أقدام عن سطح ساحة الحرم , ولأجل الدخول إلى هناك وُضِعَ في الخارج سُلّم جميل من الخشب محمولاً على ست أسطوانات من البرونز" (23).
وقال باديا أن باب الكعبة المشرفة فتح مره أخرى بعد خمسة أيام لكي يتم غسيل الكعبة المشرفة, ووصف كيفية غسل وتنظيف الكعبة المشرفة وتعطيرها وبين أن ذلك صادف يوم الخميس التاسع والعشرين من يناير (1807م) الموافق للعشرين من ذي القعدة (1221هـ) وأن يوم الوقوف بعرفات في ذلك العام وافق الثلاثاء السابع عشر من فبراير عام (1807م) وكان باديا قد ذهب إلى عرفات قبل ذلك بيوم أي في الثامن من ذي الحجة من عام (1221هـ) وقد ذهب إلى عرفات محمولاً على (شبريه) مثل التي جاء على متنها من جده .
بعد ذلك تحدث رحالتنا عن الطريق بين عرفات ومنى , ووصف وادي منى وتحدث عن الحجاج الذين رآهم وقال أنهم من جنسيات مختلفة .
وتحدث باديا عن الجمرات وطريقة رجمها بالحجارة التي كان قد التقطها في(المزدلفة) . ثم تحدث عن النفرة .
عاد باديا إلى مكة المكرمة بعد انقضاء أيام التشريق وذهب للطواف والسعي مكملاً شعائر الحج .
وفي الفصل الرابع من كتابه قدم باديا وصفاً دقيقاً للمسجد الحرم وزوده برسومات دقيقة للحرم الشريف وللحجر الأسود ولمفتاح الكعبة المشرفة ، ولأحد المباخر التي كانت تستخدم داخل الكعبة المشرفة ، وللكسوة أو ثوب الكعبة كما يسميه . كما رسم مقام ايراهيم والسلم الخشبي الذي كان يُستخدم للصعود إلى الكعبة المشرفة. ورسم بئر زمزم والواجهة الرئيسية للمبنى الذي يحوي البئر ، ورسم باب السلام والمنبر والمنائر والمقام الحنفي ، واحد الشمعدانات التي كانت تستخدم لإضاءة المسجد ليلاً . ورسم باب الصفا والمبنى الذي كان على الصفا ، ورسم المروة وهي محاطة بثلاثة أسوار .
وفي الفصل الخامس من كتابه قدم دمنجو باديا وصفاً لمكة المكرمة ، فتحدث عن موقعها الجغرافي وطبوغرافيتها ، وعن المباني والأسواق العامة بالمدينة . كما تحدث عن المأكولات الشعبية وناقش الفنون والعلوم . وتحدث عن التجارة في البلد الأمين وبين أسعار بعض السلع وذكر النقود التي كانت مستخدمة من قبل السكان . كما تحدث عن الحرفيين في مكة .
وفي الفصل السادس من كتابه تحدث باديا عن اوضاع المرأة والأطفال وعن الملابس والأسلحة التي كانت مستخدمة وقت زيارته كما تحدث عن الزواج والولادة والجنائز وذكر أوضاع الطقس بمكة المكرمة وتحدث عن الإمكانيات الطبية فيها آنذاك وقال : " أن جو مكة صحي ، فليس هناك الكثير من المرضى ولا حتى الأمراض المزمنة " (24).
بعد حوالي شهر ونصف من وصوله اليها غادر الرحالة الاسباني دمنجو باديا مكة المكرمة في الساعة الخامسة والنصف من عصر اليوم الثاني من مارس(1807م) الموافق الثاني والعشرين من ذي الحجة من عام(1221هـ) عائداً إلى جده(25) ، في رحلة استغرقت ثلاثة وعشرين ساعة على الجمال(26).
وبعد حوالي ثلاثة أسابيع من عودته إلى جده ركب باديا على متن أحد "السنابك" في رحلة استغرقت ساعة ونصف وصل بعدها إلى السفينة التي ستقله إلى السويس وكانت قد حُجِزتْ له غرفة خاصة في مؤخرة هذه السفينة .
في الساعة الرابعة والنصف من صباح يوم الثالث والعشرين من مارس عام (1807م) غادر باديا جده في طريقه إلى رابغ ومنها إلى ميناء الجار حيث كان ينوي الذهاب من هناك إلى المدينة المنورة إلا أن ظروفاً حالت دون ذلك . ذهب بعدها باديا إلى ينبع وبدأ رحلة عودته إلى وطنه بالإبحار إلى السويس في يوم الأربعاء الخامس عشر من أبريل عام (1807م) الموافق للسابع من صفر عام (1222هـ) (27).
عدنان عبدالبديع اليافي
30/1/2011م
المصادر والمراجع:
1- الرحلات الى شبه الجزيرة العربية : بحوث مقدمة في ندوة الرحلات الى شبه الجزيرة العربية ، ج/5 دارة الملك عبدالعزيز ، الرياض ، (رجب 1421هـ اكتوبر 2000م) ، ص/578
2- المصدر السابق ، ص/579
3- المصدر السابق ، ص/579
4- العباسيي ، علي بك : رحالة اسباني في الجزيرة العربية ، تحقيق وترجمة د0 صالح بن محمد السنيدي ، دارة الملك عبدالعزيز ، الرياض ، 1429هـ ، ص/19
5- رالي ، أغسطس : مسيحيون في مكة ، ترجمة رمزي بدر ، الوراق ، (2007م) ، ص/52 - 53
6- العباسي ، علي بك : رحالة اسباني في الجزيرة العربية ، مصدر سابق ، ص/19
7- المصدر السابق ، ص/20
8- المصدر السابق ، ص/20
9- المصدر السابق ، ص/20 -21
10- المصدر السابق ، ص/21
11- المصدر السابق ، ص/22
12- المصدر السابق ، ص/23
13- المصدر السابق ، ص/44
14- المصدر السابق ، ص/57
15- المصدر السابق ، ص/62 - 63
16- المصدر السابق ، ص/63
17- المصدر السابق ، ص/68
18- المصدر السابق ، ص/71
19- المصدر السابق ، ص/76
20- المصدر السابق ، ص/105 - 106
21- المصدر السابق ، ص/121
22- رحالة أسباني في الجزيرة العربية ,مصدر سابق ,ص/133-134.
23- المصدر السابق ، ص/143 .
24- المصدر السابق ، ص/253 .
25- المصدر السابق ، ص/305 .
26- المصدر السابق ، ص/306 .
27- المصدر السابق ، ص/343 .

بواسطة : hashim
 0  0  2416
التعليقات ( 0 )

-->