حين تتكلم الطبول العربية على خشبة برودواي: قصة فنانين يحملون وطنهم في حقائبهم
في مسرح صغير في حي هارلم بنيويورك، وقفت مخرجة لبنانية الأصل أمام فريقها وقالت بالعربية: "اليوم نحكي قصتنا." كان هذا قبل أن يرفع الستار على عرض مسرحي يمزج بين قصائد المتنبي والموسيقى الحديثة وحكايات المهاجرين العرب في أمريكا. حين انتهى العرض، وقف الجمهور المختلط تصفيقاً طويلاً لم يكن فيه حدود بين ثقافة وأخرى.
هذا المشهد ليس استثناءً بعد الآن. إنه يتكرر في شكل متنوع على مسارح أمريكية من ساحل إلى ساحل.
من أين جاءت هذه الموجة؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من العودة إلى سياق أشمل. المجتمعات العربية في الولايات المتحدة ليست وليدة اليوم؛ هناك جاليات عريقة في ميشيغان وكاليفورنيا ونيويورك ونيوجيرسي تمتد جذورها لأكثر من قرن. لكن الجيل الجديد من هذه المجتمعات، المولود أو المُرَبّى في أمريكا، يحمل سؤالاً مزدوجاً: كيف أكون أمريكياً دون أن أفقد ما أنا عليه؟
المسرح كان الإجابة الأكثر منطقية. فهو فضاء للتساؤل والتجريب، ولا يحتاج إلى ميزانية هوليوود كي يصل إلى القلوب.
"قصيدة في الغربة": حين يلتقي الشعر بالأضواء
من أبرز الأعمال التي رسمت ملامح هذه الموجة عرض "قصيدة في الغربة" الذي قدّمته فرقة مسرحية عربية أمريكية في لوس أنجلوس. العمل كان تجربة مسرحية غير تقليدية تجمع بين الشعر العربي الكلاسيكي، من المتنبي إلى محمود درويش، وسرديات مهاجرين من جيل الثمانينيات والتسعينيات.
ما جعل هذا العمل لافتاً أنه لم يُقدَّم بوصفه "شرحاً للثقافة العربية" للجمهور الأمريكي. كان يتحدث إلى الجميع بلغة المشاعر الكونية: الاشتياق، والانتماء، والسؤال عن الهوية. الجمهور الأمريكي غير العربي وجد نفسه يُصغي لأشعار بالعربية دون أن يفهم كل كلمة، لكنه فهم كل شيء.
الموسيقى التراثية على الخشبة الأمريكية
الموسيقى كانت دائماً البوابة الأسهل للعبور بين الثقافات. وعدد من الموسيقيين العرب الأمريكيين استغلوا هذه الحقيقة بذكاء. مجموعات موسيقية تجمع بين العود والكمان والإيقاعات الأندلسية من جهة، والجاز والبلوز من جهة أخرى، وجدت لها مكاناً في أعرق مسارح نيويورك وبوسطن وشيكاغو.
الموسيقار سيمون شاهين، وهو فنان فلسطيني أمريكي، كان من رواد هذا المزج. عروضه في كارنيغي هول كانت بمثابة إعلان للعالم أن العود ليس مجرد آلة "من الشرق"، بل هو صوت إنساني يملك من العمق ما يكفي لملء أكبر قاعات الكلاسيك الأمريكية.
التحديات الحقيقية: ما لا يُقال في التصريحات الرسمية
لكن من سيصدق أن هذه الرحلة كانت سلسة تماماً؟ الفنانون العرب الأمريكيون يتحدثون بصراحة عن عقبات حقيقية واجهوها. أولها: التمويل. المؤسسات الثقافية الكبرى كانت تنظر أحياناً إلى الفن العربي بوصفه "مشروعاً للتنوع" لا عملاً فنياً قائماً بذاته، وهذا فرق جوهري في كيفية تقديم الدعم.
ثانيها: الصورة النمطية. بعض المنتجين الأمريكيين كانوا يتوقعون أن يرى الجمهور "بلداً غريباً" أو "حكايات ألف ليلة" المُعاد تدويرها. حين جاء الفنانون العرب بقصص عن أمريكا نفسها، عن شوارع ديترويت وأسواق نيوجيرسي، كان الأمر محيراً لبعض المنتجين في البداية.
ثالثها: اللغة. المسرحيات التي تتضمن أجزاء بالعربية تواجه أحياناً مقاومة من دور العرض التي تخشى "إبعاد" الجمهور الإنجليزي. لكن التجربة أثبتت مراراً أن الجمهور الأمريكي أكثر انفتاحاً مما يُتوقع، خاصة حين تكون القصة صادقة.
نماذج نجاح تستحق الاحتفاء
في عام 2019، حقق مسرح "كتائب القدس" الذي أسسه مخرجون فلسطينيون أمريكيون نجاحاً لافتاً بعرضهم المسرحي الذي جمع بين فن الحكواتي التقليدي والأداء المعاصر. الحكواتي، ذلك الراوي الذي كان يجمع الناس في أسواق دمشق وبيروت وبغداد حول حكاياته، وجد حياة جديدة على خشبة مسرح في بروكلين.
كذلك فرقة "أرابيسك" الموسيقية المسرحية في ميشيغان التي تُقدّم كل عام عروضاً تدمج الرقص الشرقي والدبكة الفلسطينية والأغنية الأندلسية في سياقات درامية حديثة، وتجذب جمهوراً من كل الأعمار والخلفيات.
ماذا تعني هذه الحركة للجيل القادم؟
الأطفال العرب الأمريكيون الذين يذهبون مع عائلاتهم لمشاهدة هذه العروض يحصلون على شيء ثمين: يرون أنفسهم على الخشبة. يسمعون لغة جدّتهم في مكان رسمي ومحترم. يفهمون أن ثقافتهم ليست شيئاً يُخفى أو يُقدَّم اعتذاراً عنه، بل هي شيء يستحق الاحتفاء.
وهذا بالنسبة لكثير من الآباء والأمهات العرب الأمريكيين يساوي أكثر من أي جائزة فنية.
من بغداد إلى برودواي: الطريق لا يزال طويلاً
لا يمكن القول إن الفن العربي الأمريكي وصل إلى برودواي بالمعنى الكامل للكلمة، أي تلك الإنتاجات الضخمة التي تملأ المسارح الكبرى لأشهر. لكن الحركة في الاتجاه الصحيح واضحة وملموسة. المسارح المستقلة "Off-Broadway" و"Off-Off-Broadway" باتت تحتضن أعمالاً عربية بشكل منتظم، وبعضها يُعيد عرضه بسبب الطلب المتزايد.
الرحلة من بغداد وبيروت والقاهرة إلى خشبات أمريكا ليست مجرد رحلة جغرافية. إنها رحلة في معنى الانتماء، وفي الإجابة على سؤال يحمله كل مهاجر في داخله: هل يمكنني أن أكون هنا دون أن أتوقف عن كوني هناك؟
الفنانون العرب على المسارح الأمريكية يقولون، بكل ثقة: نعم.