• ×

لمحات من تاريخ ميناء جُدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لمحات من تاريخ ميناء جُدة
د/عدنان عبدالبديع اليافي
7/3/2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الموانئ والمرافئ :
يفرق الدكتور محمد أحمد الرويثي بين المرفأ والميناء، فيقول : المرفأ هو موضع ساحلي هيأته عوامل جغرافية وجيولوجية وطبيعية مختلفة، فيظهر في بعض المناطق في صورة منطقة مياه محمية وصغيرة تمثل مأوى مؤقتاً (Haven) .
إلا أن الصورة الغالبة التي يبرز فيها، عبارة عن منطقة مائية مقفلة جزئياً (Harbour) ممثلة في الشرم (Creak) أو الخلجان الصغيرة (Inlet) وكذلك المصب الخليجي (Esturay) وتقدم مرسى محمياً وأمناً للسفن .
ومن خصائص المرافئ الطبيعية عمق المياه نسبياً وبدرجة تكفي لرسو السفن الصغيرة، وتكون مناسبة لتوفير التحرك الملاحي . والمرفأ (Harbour) قد يكون :
أ*- طبيعياً : مثل الخلجان ومصبات النهار الخليجية وهي التي هيأتها الطبيعة .
ب*- صناعياً (Artificial) : وهو المرفأ الذي أنشأه الإنسان عن طريق بناء حواجز الأمواج (Moles) .
ثم يقدم الدكتور الرويثي تعريفاً للميناء فيقول :
أما الميناء : (Port)، فقد اختلفت الآراء حول تعريفه، فمنهم من قصد به : المكان الذي تقوم فيه الاستعدادات والتسهيلات لنقل البضائع أو المسافرين من السفن وإليها بصفة منتظمة، ومنهم من يشير إليه باعتباره مكاناً على الشاطئ مزوداً بالتجهيزات لنقل البضائع من السفن واليها، مع الأخذ في الاعتبار أن الميناء الحديث يشتمل على أحواض السفن (Docks) التي بها عدد من الأرصفة (Wharves) لكل منها عمق كاف من الميناء ويحيط بها مجموعة من مخازن الشحن والتفريغ (Sheds) ومخازن للبضائع العامة (Warehouses) ومزودة بالروافع والأوناش وغيرها .
ويخلص الدكتور الرويثي إلى القول : إن لفظ مرفأ يطلق على الجزء الهادي من الماء الذي يعد لحماية السفن، بشرط أن يكون ذا عمق كاف يسمح باستقبالها ورسوها .
أما لفظ الميناء (Port) فيشمل المرفأ بالإضافة إلى جميع المنشآت التي تستخدم في عمليات الشحن والتفريغ والتخزين، وخطوط السكة الحديدية، والروافع، وزوارق الإرشاد والجمارك وغيرها .
ويبين الرويثي أنه : " ليس كل مرفأ طبيعي يكون ميناء "
ويبين أنه إذا ما أريد تطوير المرفأ إلى ميناء فيجب أن يكون له ظهير اقتصادي أو منطقة منتجة تقع خلفه .
ويلاحظ الدكتور الرويثي من دراسته للخريطة الجغرافية للموانئ السعودية على البحر الأحمر أن المرافئ على خط الساحل الغربي للملكة العربية السعودية هي من النوع الذي يسمى بالمرافئ المرجانية أو الإنكساريه، التي تكونت في خلجان أو شروم يكتنفها النشاط والنمو المرجاني، ويقع معظمها في أحضان حواجز الحافات المرجانية (Fringing Reefs)، أو حواجز خط الساحل (Costal Reefs) وهذه الشروم أو الخلجان ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالانكسارات العرضية، حيث يكون الإنكسار العرضي من وإلى البحر ليتضمن الفتحة، أما الإنكسار الطولي فيكون موازياً لخط الساحل ويتضمن المرفأ .
وعلى الرغم من انه تكتنفها أنماط متعددة من الحواجز المرجانية، إلا أن انسياب المياه العذبة من خلال مجاري الأودية التي تصب في هذه الشروم قد أعاق نمو المرجان في المرافئ التي تقوم في هذه الشروم والتي من أهمها : ضباء والوجه وأملج ورابغ، وتميزت بصلاحيتها لتكون موانئ . إلا أنها لم تتطور لوقوعها في مناطق بعيدة عن مناطق التركز السكاني . أو على مقربة من موانئ جُدّة وينبع وجيزان التي أسرت أهمية هذه المرافئ وربطتها بطرق برية معبرة . ولكن هناك من المرافئ الطبيعية ما كان موقعه قرب مناطق قابلة للنمو والتطور، وهذا ما كانت عليه موانئ جُدَّة وينبع وجيزان قبل تطويرها إلى موانئ في أوائل الخمسينات، الأمر الذي دفع الإنسان للتدخل فأختار منطقة المرفأ في كل منها وأنشأ فيها الميناء الحديث على مقربة من الظهير المباشر ( المدينة ) .
ويبين الدكتور الرويثي أن هذه الموانئ كانت قديماً صالحة لاستقبال السفن الشراعية فقط، وذلك بسبب كثرة الشعاب المرجانية، وبُعد خطوط المياه العميقة عنها، وكانت السلع تُنقل منها بواسطة قوافل الإبل إلى القرى والمدن المجاورة . وحينما بدأ استعمال السفن البخارية في النقل لم تتمكن هذه الموانئ التي كانت تشرف على مياه قليلة العمق من استقبالها، بل اضطرت هذه السفن إلى الوقوف في عرض البحر،لإنزال السلع التجارية الخاصة بالمنطقة في سفن شراعية صغيرة، لتنقلها إلى هذه الموانئ ، وكان التجار يدفعون أجوراً لنقلها مرتين الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها على المستهلكين بسبب تلك النفقات الإضافية . وظلت هذه الموانئ تخدم النشاط التجاري فترة طويلة من الزمن سواء لظهيرها المباشر أم المجاور . وكانت جُدَّة وينبع ومازالتا تستقبلان حجاج بيت الله الحرام، إلى جانب ممارستهما للوظيفة التجارية .
تصنيف الموانئ حسب المعايير المختلفة :
وبعد تعريف الموانئ والمرافئ يقدم لنا الدكتور الرويثي تصنيفاً للموانئ حسب المعايير المختلفة حيث قسمها إلى أنماط متباينة اعتماداً على الأسس والمعايير المتبعة في دراسات جغرافيتي الموانئ والمدن مثل تقسيم الموانئ حسب موقعها ومواضعها أو تصنيفها تبعاً للحجم السكاني، أو التسهيلات التي تُقدم في الميناء أو للموقع والتباعد أو نشاط الميناء .
عند تصنيف الموانئ حسب الحجم السكاني نجد أن جُدَّة هي أكبر المراكز الحضرية بالنسبة للموانئ السعودية على البحر الأحمر .
وإذا نظرنا إلى الموانئ ذات القواعد الدينية نجد ميناء جُدَّة في المقدمة، حيث أن وظيفتها الأساسية في استقبال القادمين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة لأداء فريضة الحج وزيارة المسجد النبوي الشريف .
وقد بدأت هذه الوظيفة منذ العام السادس والعشرين الهجري عندما أمر الخليفة الراشد سيدنا عثمان بن عفان باتخاذ جُدَّة ميناء لمكة المكرمة بدلاً من الشعيبة .
ولا شك أنه يمكن القول : أن هذه الوظيفة كانت أحد أهم الأسباب الرئيسية وراء تطوير ميناء مدينة جُدَّة خلال العصور المختلفة من قبل السلطات التي تعاقبت على حكم المنطقة . ولقد تطور ميناء جُدَّة تطوراً كبيراً خلال العهد السعودي وثم توسيع الميناء وتعميق مياهه وربطه بطرق عالمية توصل الميناء بمكة المكرمة وجُدَّة وغيرها من المدن السعودية، بالإضافة لتخصيص أرصفة لنزول الحجاج، وإقامة مدن للحجاج على مقربة من الميناء مزودة بكل الاحتياجات اللازمة للإقامة المريحة، إلا أن من الملاحظ أن هناك تناقصاً في أعداد الحجاج القادمين عن طريق البحر وذلك بسبب تطور وسائل النقل البري والجوي وخاصة التطور الهائل في مجال الطيران وبناء المطارات السعودية التي تتسع لاستقبال ملايين المسافرين سنوياً وهي مهيأة لاستقبال جميع أنواع الطائرات بدون استثناء تقريباً . (1)
ميناء جُدَّة الموقع والموضع :
أحد أهم أسس ومعايير تصنيف الموانئ هو الموقع وكذلك كون الميناء يعمل كمنفذ اقتصادي رئيس يتم عن طريقه توفير معظم الاحتياجات اللازمة لحياة البشرية، الأمر الذي يجعله بمثابة الرأس إلى الجسد . ويرى الدكتور محمد الرويثي أنه إذا أردنا تطبيق هذا المفهوم على موانئ الساحل الغربي للملكة العربية السعودية فليس ثمة ميناء رئيسية غير ميناء جُدَّة فهي على قول الرويثي : تعتبر أكبر الموانئ في المنطقة خاصة، والسعودية عامة، أضف إلى ذلك كونها من أكبر المراكز العمرانية حجماً من حيث السكان باستثناء الرياض وأكثرها أهمية في نواحي متعددة ، فهي تحتل موقعاً وسطاً على الساحل، إذ تعد خاصرة الجزيرة العربية وبوابتها، وتقع عند ملتقى الطرق البرية والبحرية، على الرغم من أنه يشترك معها في هذه الصفة ميناءا ينبع وجيزان، وأنها تمثل أعلى طبقة وظيفية من حيث نوع ومستوى وحجم الوظائف والخدمات المدنية بالنسبة لبقية الموانئ ومراكزها العمرانية الأخرى في المنطقة .
وهنا تظهر أهمية هذا الميناء الذي شرفه الله تعالى بأن جعله ميناءً وفرضه للبلد الحرام مكة المكرمة يستقبل ضيوف بيت الله الحرام منذ صدر الإسلام .
وسنعرج على خصائص الموقع والموضع للميناء والمظاهر الجغرافية له، ونلقي بعض الضوء على مراحل تطوره من خلال العصور المختلفة .
موقع ميناء جُدَّة :
يقول الدكتور الرويثي أن للموانئ تاريخ هو على وجه التحديد تاريخ موقعها، والذي يُنظر إليه باعتباره تاريخ الحضارة نفسها . ويتأثر هذا الموقع بمجموعتين من العوامل إحداهما جغرافية، والأخرى اقتصادية، وترتبط المجموعة الجغرافية بالمنطقة المائية المقابلة والتي يطلق عليها " النظير " (Foreland) بينما ترتبط المجموعة الاقتصادية بالجزء العمراني من الأرض، والذي يسمى " الظهير " (Hinterland) وفيما بين النظير والظهير يتحدد الموقع .
ويقع ميناء جُدَّة في منطقة تتوسط البحر الحمر على ساحله الشرقي عند خط عرض 29 َ 21 ْ شمالاً وخط طول 11 َ 39 ْ شرقاً وهذا ما يعرف بالموقع الفلكي .
أما الموقع الأهم فهو موقع ميناء جُدَّة النسبي وهو ما يُقصد به موقع الميناء والمدينة بالنسبة للجهات المجاورة مائية كانت أم يابسة، ومأهولة كانت أم غير مأهولة . وكذلك بإمكانية الوصول إلى هذا الميناء .
ويبين الدكتور الرويثي في كتابه أنه من دراسة الخريطة الطبوغرافية للمنطقة وجد أن الموقع الجغرافي لميناء جُدَّة قد تحدد في منطقة " تلتقي عندها طرق المواصلات البرية والبحرية، وهو بهذه الكيفية يمثل حلقة الوصل بين اليابس والماء . فيبعد عن المدينة المنورة 425كم ، ومكة المكرمة 75كم، والعقبة 950كم، وجيزان 820كم (ماراً بالليث والقنفده)، والدمام 1500كم . كما تبلغ المسافة البحرية بين جدة والسويس 1138كم، وجدة وبور سودان 304كم ". (2)
وبما أن الوظيفة التجارية تحدد للمدن مواقع معينة تحقق ما يعرف " بانقطاع الطريق " فإن ميناء جُدَّة يقع على نقطة بين رأس الحجاز والرأس الأسود من ساحل البحر الأحمر، في موقع ينتهي فيه الطريق البحري الطويل، وتبدأ منه الطرق البرية إلى الأجزاء الداخلية . أي أنه يقع ضمن منطقة هي بوابة الجزيرة العربية، والمدخل الطبيعي إلى وسطها، مما يجعل من مدينة جُدَّة بوابة للمملكة العربية السعودية وترتبط عضوياً بمكة المكرمة . حيث أن جُدَّة هي أقرب اتصال مائي بمكة المكرمة، كما أن موقع جُدَّة في منطقة من البحر الأحمر تعد حلقة اتصال للشحن والتفريغ للسفن الآتية من الجنوب والشمال، وتمر بها الطرق البحرية التجارية الأوربية والأمريكية والأفريقية والأسيوية .. وغيرها . (3)
وبالرغم من أن ميناء جُدَّة كان مستخدماً منذ أن استوطن بعض الحواتين العرب ومنهم عرب قضاعة فيها قبل الإسلام وبدئوا بالإبحار منها الى الحبشة واليمن ومصر وغيرها إلا أن عاد دورها كميناء لمكة المكرمة منذ العام السادس والعشرين الهجري في خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه -، ( عندما أصبحت جُدَّة ميناء مكة المكرمة الوحيد بأمر الخليفة عثمان، بسبب كون جُدَّة أقرب لمكة المكرمة من الشعيبه )،استمر دور جُدَّة ينمو ويتطور كميناء لمكة المكرمة يخدمها من الناحيتين الدينية والتجارية .
ويمكننا القول أن سبب استمرارية بقاء الموقع الحالي لميناء جُدَّة كل هذا الزمن وإلى اليوم يعود للأسباب التالية :
1- طبوغرافية ساحل جُدَّة حيث أنه أقرب مكان للمياه العميقة الصالحة للملاحة والتي يمكن بواسطتها الاتصال بمدينة جُدَّة التي تقع على مسافة أقل من 2 كم .
2- موقع الميناء في وسط الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وقربه من مكة المكرمة مما جعله فرضه وميناء البلد الحرام .
3- يتوسط هذا الموقع أكبر تجمع سكاني في منطقة البحر الحمر، وفي المملكة العربية السعودية كلها ( منطقة مكة المكرمة ) فهو موقع ممتاز كان له أكبر الأثر في تطور هذا الميناء ونموه .
ويخلص الدكتور الرويثي إلى القول بأنه نتج عن هذا الموقع الذي يحتله ميناء ومدينة جُدَّة أبعاد اقتصادية وسياسية مختلفة . فجُدَّة بحكم موقعها الجغرافي : تعتبر حلقة الوصل بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك المحلية والعالمية، كما تعد المنفذ الرسمي من العالم الخارجي وإليه، بالإضافة إلى أن ارتباطها بالأسواق الخارجية قد أدى إلى تزايد حركة التداول في مجال التصدير والاستيراد . (4)
جُدَّة في كتابات الرحالة
قد يكون من المفيد أن نراجع ما ذكره بعض الرحالة الذين أتوا إلى جُدََّة عن طريق البحر ورسوا في مينائها وقدموا لنا وصفاً لهذا الميناء يجعلنا قادرين على تصور وضعه ومعرفة مراحل تطوره على مر العصور .
وقد اخترنا خمسة من هؤلاء الرحالة المشاهير لنسلط الضوء على بعض مما ذكروا عن ميناء جُدَّة .
ميناء جُدّة بعدسة ذاكرة بيركهارت :
يقول الرحالة السويسري المسلم جون لويس بيركهارت الذي زار جُدّة عام (1814م) : أن جُدّة شُيّدَتْ على أرض مرتفعة قليلاً، يصل البحر إلى الجزء الأدنى منها . وتمتد على طول الشاطئ بما يناهز الألف وخمسمائة خطوه، بينما لا يتعدى عرضها نصف تلك المساحة، في أعرض الأماكن . وقد أحاطها من جهة اليابسة جدار لا بأس بحالته ولكنه غير متين .
ويصف بيركهارت ميناء جُدّة فيقول :
يتم الوصول بحراً إلى جُدّة عبر رصيفين، عليهما تُنزل قوارب صغيرة حمولة السفن الكبيرة التي يحتم عليها أن ترسو في موضع قرب الشاطئ يبعد عنه نحو ميلين . ولا تدنو قريباً من الشاطئ إلا المراكب المسماة " سعي " ( سواعي بلغة اليوم ) وهي المراكب الأصغر حجماً التي تبحر في البحر الأحمر . وتقفل أرصفة الميناء كل مساء عند الغروب، فتمنع بالتالي أي اتصالات ليليه بين المدينة والسفن بمجملها . (5)
رحالة فرنسي يدخل ميناء جُدّة في القرن التاسع عشر الميلادي ويصفه :
عند تتبع خط سير رحلة الرحالة الفرنسي شارل ديدييه على متن سنبوك إلى جُدّة عام (1854م) قادماً من مصر عبر ميناء السويس مروراً بالطور ثم إلى جبل سيناء ومنه إلى خليج العقبة فالوجه ثم ينبع فرابغ ومنها إلى ميناء جُدّة الذي يصف لنا دخوله إليها، تُفتح لنا نافذة نطل منها على هذه الموانئ في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ونرى ما رآه البحارة الذين أبحروا في البحر الأحمر بقلم ذلك الرحالة الفرنسي الذي سجل لنا مشاهداته وكتب لنا في كتاب رحلته ما سجلته عدسة ذاكرته عنها قبل أن يفقد بصره ويُحرم من نعمة النظر .
يقول ديدييه :
لم نلتق بكثير من المسافرين خلال الرحلة، ومع أننا أبحرنا في بعض الأحيان مع سفن أخرى تمضي في الوجهة نفسها فإن سنبوكنا كان سريعاً كل السرعة مما جعلنا نسبقهم دائماً . وكان هذا اليوم الأخير رائعاً : أبحرنا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وقطعنا ما يقارب 70 ميلاً حتى الساعة الثامنة مساءً، وهي الساعة التي دخلنا فيها ميناء جُدّة ( كان ذلك في شهر فبراير عام 1854م )، ويقول ديدييه أن عبور البحر لم يحدث أن تم بهذه السرعة قبل ذلك حيث لم تستغرق رحلتهم من السويس إلى جُدّة إلا أحد عشر يوماً بالإضافة لفترات التوقف الإرادية ورحلة سيناء . ويقول : أن ذلك معناه أنهم كانوا يبحرون بسرعة ممتازة خاصة أنهم كانوا يتوقفون في الليل لخطورة الإبحار في الظلام . ويبدأ ديدييه في وصف دخول ميناء جُدّة فيقول :
خالف الريس (القبطان) أنظمة الشرطة المحلية عندما دخل ميناء جُدّة في الليل، وهو لم يلجأ إلى هذه المخالفة إلا لكي ننزل إلى اليابسة مبكرين . وقد عوقب على ذلك بالسجن .
ثم يقول ديدييه :
قضينا تلك الليلة على متن السفينة أيضاً، وكان علينا في اليوم التالي أن ننتظر ساعة المد والجزر المناسبة لكي نغادر السنبوك .
ويقول عن ميناء جُدّة : أنه ملئ بالأرصفة الرملية، ومياهه ضحلة حتى إنه ينبغي على السفن أن ترسو على بعد 2 إلى 3 أميال عن الشاطئ وتحدث عن وجود سفينة ذات ثلاث صوارٍ جانحة في قنوات الملاحة قال أنها : " تقبع هناك شاهداً يثير القلق، ويدل على الأخطار التي يتعرض لها من يخاطرون بدخول الميناء " .
وبعد ذلك جائهم مركب " مسطح " لينقلهم من السنبوك إلى اليابسة، " وكان هذا المركب نفسه مجبراً على القيام بالتفافات كبيرة حتى لا يغوص في الرمال، ومع ذلك فإنه أصطدم غير مرة بقاع البحر . ولكننا على الرغم من ذلك وصلنا أصحاء سالمين، ولكن في الساعة التاسعة، إلى رصيف الجمارك الواقع غير بعيد عن حُصن، وهو في حالة سيئة، ولكنه يثير الإعجاب، ويمثل موقعاً متقدماً في البحر .
هكذا وصف ديدييه ميناء جُدّة عند دخوله إليها في فبراير، أما عندما غادرها بعد حوالي شهر من دخوله إليها فإنه قال عن مغادرته ميناء جُدّة : أنه أبحر في الساعة التاسعة مساءً، مع رفيق رحلته البريطاني (هاملتون) في مركب لينقلهم إلى السنبوك الذي استأجروه والذي كان يرسو بعيداً في عرض البحر . " وكانت أمتعتنا ومرافقونا قد سبقونا إليه " .
ويستطرد ديدييه قائلاً :
" كان البحر في أقصى الجزر، وغاص مركبنا في الرمل وسط قنوات الملاحة، وقد كان من المستحيل إخراجه منها، وكان علينا أن نظل متسمرين في مكاننا خمس أو ست ساعات بانتظار المد . كان الليل رائعاً، والقمر بدراً، ولكن البرد كان قاسياً، ولما لم يكن معي معطف أو غطاء فإنني وجدت نفسي مضطراً لأن أتلفع بالشراع حتى لا أقاسي من البرد كثيراً . لم نصل السنبوك إلا نحو الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً، وفي الثامنة أبحرنا، ونشرنا القلوع باتجاه سواكن . (6)
ميناء جُدّة بقلم صاحب الإرتسامات اللطاف :
في كتابه الإرتسامات اللطاف يصف أمير البيان الرحالة اللبناني شكيب أرسلان دخوله ميناء جُدّة فيقول :
دخلت الباخرة مرسى جُدّة، لكن تبؤده عظيمة لما في هذا المرسى من الجبال والصخور التي تكاد رؤوسها تبرز من تحت لجج البحر وإذا بخمس عشرة باخرة راسيات في ذلك الميناء على أبعاد متفاوتة من البر .
ثم يصف أرسلان الميناء فيقول :
ولقد طاب لي من ميناء جُدّة منظران لا يزالان إلى الآن منقوشين في لوح خاطري ( أحدهما ) رؤية هذه البواخر الواقفة في الميناء ناطقة بلسان حالها : إنه وإن كانت هذه السواحل قفاراً لا تستحق أن ترفأ إليها البوارج ولا السفن فإن ورائها من المعنوي أمراً عظيماً، ومقصداً كريماً، هذه البواخر الكثيرة ماثلة أمام جدة من أجله، ولقد قيل لي في جُدّة ماذا رأيت ؟ فمن العادة أن تجتمع في مياه جُدّة ثلاثون باخرة وأربعون باخرة، وقد يبلغ عدد الراسي فيها إلى خمسين باخرة، حيث يعود البحر هناك غاباً أشباً، وتظن نفسك في هامبورغ أو نيويورك .
وأما المنظر الثاني فهو منظر مياه هذا الميناء، فلقد طفت كثيراً من البحار وعرفت أكثر البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر البلطيك وبحر المانش والأقيانوس الإطلانتيك، ولم يقم بصري على شئ يشبه مياه بحر جُدّة في البهاء واللمعان .
كنت كيفما نظرت يمنة أو يسرة أشاهد خطوطاً طويلة عريضة في البحر أشبه بقوس قزح في تعدد الألوان، وتألق الأنوار، من أحمر وأزرق وبنفسجي وعنابي وبرتقالي وأخضر .. ألخ . ولا فرق بين هذه الخطوط وبين قوس قزح سوى أن هذه الخطوط مستقيمة وأن قوس قزح مقوسة، وأن هذه في السماء، وهاتيك في الماء، وقد تشبه هذه الخطوط ذيول الطواويس، لا فرق بينهما إلا في كون هذه الذيول المنسحبة على وجه البحر عظيمة جداً تمتد مئات من الأمتار وبعرض عشرات منها، ولكن في تعدد الألوان وموازاة بعضها لبعض وشدة تألقها الأخذ بالأبصار لا تجد بينها بونا . فكأن في كل جهة من بحر جُدّة مسرح طواويس سابحة اللجج الخضر وظهورها إلى سطح الماء الواحد منها بقدر ألف طاووس مما نعهد.
ثم يصف أرسلان محادثة دارت بينه وبين القطبان الإنجليزي الذي كان على رأس الباخرة التي أقلته إلى جُدّة، عن بحر جُدّة فيقول :
قضيت العجب من هذا المنظر وقلت إن مثل هذا الميناء لا تمثله النواظر، ولا تشبهه المناظر، مهما كانت نواضر . ثم سألت ربان الباخرة وهي من البواخر الهندية ربانها إنكليزي عما إذا رأى هذه المنظر في بحر أخر وقلت له إني جُلتُ كثيراً في الدنيا، ورأيت أبحراً وبحيرات وأنهاراً لا تحصى، ولم أعهد مسرح لمحة على سطح ماء يحاكي في البهاء هذا الميناء، فما قولك أنت ؟ قال لي : مهما يكن من سيرك في الأرض ومعرفتك للبحار فلا تعرف منها جزءاً مما أعرف، وأنا أقول لك إني لا أعهد هذه المناظر البديعة إلا لهذا الميناء وحده . فسألته عن السبب في تشكل هذه الألوان . فقال : إن قعر البحر هنا ليس ببعيد وإن فيه أضلاعاً مكسوة نباتاً بحرياً متنوع الألوان والأشكال، وإن هذه الأضلاع ناتئة قريبة من سطح الماء فتنعكس مناظرها إلى الخارج، ويزيدها نور الشمس رونقاً وإشعاعاً .
وتحدث أرسلان عن مياه بحر جُدّة وملوحتها فقال :
وقيل لي فيما بعد إن ملوحة البحر الأحمر زائدة، وإن هذه الملوحة هي السبب في تكون هذه الشعاب التي تكثر في هذا البحر وتجعل مسالكه خطرة، وإن هذه الشعاب تنمو وتعلو حتى تقارب سطح الماء، ومنها ما يبرز عن سطح الماء فيكون جزيرة . وإن تنمو هذه الشعاب متكونة من أعشاب وحيوانات بحرية من طبقة الأسفنج، وهي ذوات ألوان شتى كلها ناصع، ومنها أحمر ساطع، ومنا ما هو أخضر ناضر، ومنها ما هو أصفر فاقع، ومنها ما هو دون ذلك، وقد يقتلع الملاحة والغواصة منها أشجاراً تسمى بشجر المرجان، وهي في غاية الجمال، ومن أبهى ما يوضع في أبهاء القصور للزينة .
فهذه الشعاب هي التي تنعكس ألوانها على سطح الماء فتكون أشبه بذيول الطواويس أو بقسي السحاب، وهي في الوقت نفسه الأخطار الدائمة على السفن والغيلان المتحفزة لابتلاعها . فسبحان الذي أودع الحسن ولكنه أنزل فيها البأس وجعلها غائلة للمراكب . ولقد صدق المثل ( إن من الحسن لشقوة ) . (7)
ميناء جُدّة في عين رحالة اسكتلنديه مسلمه :
بعد إبحار دام أربعة أيام في البحر الأحمر على متن باخرة إيطالية استقلتها في بورسعيد وصلت النبيلة الأسكتلنديه المسلمة الليدي إفلن كوبولد إلى ميناء جُدّة في يوم 25 فبراير من عام 1933م، في طريقها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج . وقد قدمت وصفاً للإحداث التي رافقت وصولها إلى ميناء جُدّة، كما وصفت هذا الميناء التاريخي وصفاً دقيقاً من وجهة نظر نسائيه .
تقول السيدة كوبولد في كتابها عن رحلة حجها والذي ترجمه الشيخ عمر أبو النصر (اليافي) رحمه الله - :
لقد وصلنا إلى جُدّة بعد ظهر اليوم وبعد أن قضينا أربعة أيام في البحر، وقد وقف المسافرون على ظهر السفينة يطلقون بصرهم إلى الأراضي المقدسة، وإلى ما ينبعث من جُدّة، ونحن ما نزال بعيدين عنها من جمال وظرافه .
وأعود إلى نفسي، فأذكر أني أواجه بلاداً لا أعرفها، وأن غايتي من القدوم إلى جُدّة، انتظار الأمر بالسماح لي بزيارة الأراضي المقدسة، وقد تلطف المستر فيلبي وزوجته فدعياني إلى ضيافتهما، والمستر فيلبي كما هو معلوم ومعروف قد أعتنق الإسلام، وأرتضى الإقامة في جُدّة، وهو من أشهر الرواد في العالم، فقد قطع الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، وتمكن من زيارة (الربع الخالي) وكتب عن زيارته هذه كتاباً يعد حجة في عالم الشرقيات .
ومضت السفينة في طريقها، ومضى السفر فيما كانوا فيه من صلاة وحديث، ومن خشوع وورع، حتى ألقت مرساتها بعيدة عن المرفأ بما يقرب من ميل واحد، وإذا بزوجه " المستر فيليبي " تستقبلني في زورق نقشت على رايته كلمة " لا اله إلا الله محمد رسول الله " فشعرت عندئذ أني في البلاد العربية حقاً، وأني تحت راية أبن سعود .
هذه جبال الحجاز تبدو أمامي، وقد ارتفعت أصوات السفر المحرمين من حولي، بالتهليل والتسبيح والتكبير، وازداد ضجيج التلبية للعلي الكبير، وظهر الابتهاج على الوجوه لوصولهم إلى أطهر بقعة وأقدس مقام .
ثم تصف السيدة كوبولد ميناء جُدّة فتقول :
أما ميناء جُدّة فإنه عجيبة من عجائب الزمان، وليس هناك مياه بحر تشابه مياهه في البهاء واللمعان، ولكنه إلى ذلك كله كثير الصخور، كثير الجبال البحرية بحيث كان قواد البواخر التي ترسي في هذا الميناء لا يتقدمون من المرفأ إلا بمقدار .
وكان على الزورق الذي أقلني من الباخرة أن يسير ما يقرب من ميل واحد، فأخذ سبيله في البحر مرحاً، وزاد في عجبي ما رأيته من براعة البحار ومهارته، وهو بعد صبي ما أظن أنه يتجاوز العاشرة من عمرة، وكان من الحذق والمهارة في تسيير الزورق بين هذه الصخور والأخاديد، بحيث كان يرى الحفر تحت الماء فيدور حولها، ولا يقع عليها، وكان بارعاً في محاورة الصخور المختفية، والروغان عنها، حتى أوصلنا إلى المرفأ سالمين مطمئنين . (8)
ميناء جُدّة من وجهة نظر رحاله طبيب لبناني :
في شهر فبراير من عام ( 1936م ) وصل على متن الباخرة (الطائف)، الحاج الدكتور عبدالغني شهبندر على رأس البعثة الطبية المصاحبة لحجاج لبنان . والدكتور شهبندر أديب وصاحب مجلة الحكمة بالإضافة لتمرسه في علوم الطب والدواء . كتب عن رحلة حجه كتاباً وسمه ( رحلة الحجاز ) ضمن فيه مشاهداته خلال رحلة حجة تلك .
وقد قدم وصفاً لميناء جُدّة بالإضافة إلى وصفه المدينة نفسها يعتبر وصفاً دقيقاً ومفصلاً .
يقول د. شهبندر :
وفي الساعة الخامسة من مساء اليوم نفسة أقلت الباخرة ( من ينبع ) متجهة نحو جُدّة في بحر هادئ تتهادى فيه السفينة كالعروس . وما أن طلع الصبح حتى ظهرت جبال الحجاز فارتفعت أصوات الحجاج بالتهليل والتكبير ومنهم من بكى فرحاً واستبشاراً .
وفي الساعة العاشرة من اليوم العاشر من شباط (فبراير) استقبلت الباخرة ميناء جُدّة بعيدة جداً عن الرصيف محاذرة ارتطامها بالصخور الممتدة في طول الميناء وعرضها .
وما لبثنا هنيهة من الزمن حتى أقبل موظفو المحاجر الحجازية والشرطة ثم سمح للحجاج بالنزول بزوارق شراعيه مقطورة بزوارق بخارية وما أن انتصف النهار حتى كان كل الحج في جُدّة .
ثم يلقي د. شهبندر نظره على ميناء جُدّة، فيقول في وصف الميناء :
ميناء جُدّة من أكبر موانئ البحر الأحمر وهي في لمعانها وألوانها وشعابها وأخاديدها وصخورها تعد من أعجب الموانئ في العالم والناظر إلى أعماق البحر يجد من الجبال والأخاديد والأشجار ذات الأغصان المتشعبة ما يدهش العقول ويأخذ بمجامع القلوب والمياه صافية في هذا الميناء لا تشوبها كدوره وقد يستطيع المرء رؤية قاع البحر في كثير من الأماكن . وإن صفو الماء واختلاف ألوان الصخور وانعكاس الأشعة الشمسية جعل هذا البحر بمختلف الألوان الغالب عليه اللون الأحمر الفاتح .
وينقل شهبندر من معجم ياقوت قوله :
أن بحر (القلزم) شعبة من بحر الهند أوله من بلاد البربر وأقصاه مدينة القلزم (السويس) قرب مصر ولذلك سمي بحر القلزم . ويسمى في كل موضع يمر به باسم ذلك الموضع، والظاهر أنه لم يُعرف هذا البحر عند الأقدميين إلا ببحر القلزم .
كما نقل د. شهبندر الوصف الذي قدمه الأمير شكيب أرسلان في كتابه عن ميناء جُدّة وبحرها، وقال : " وأحسن ما قيل في وصف جُدّة وغرابة الوان بحرها ما كتبه العلامة الأمير شكيب أرسلان في كتابه ( الإرتسامات اللطاف ) " ونقل د. شهبندر ما قاله أرسلان . (9)
هذه نظرة سريعة على تاريخ ميناء جدة ، الميناء الرئيس للمملكة العربية السعودية كما كان يبدو قديماً وكما شاهده الرحالة الذين رست مراكبهم فيه فوصفوه لنا وصفاً دقيقاً وسطروا لنا بأقلامهم ما سجلته عدسات ذاكراتهم عن بحر جدة وميناءها وظل هذا الوصف سجلاً يؤرخ على مرّ العصور ويحكي للأجيال قصة هذا الميناء العريق الذي شرفه الله تعالى بأن جعله فرضة البلد الحرام ومدخل ضيوفه عز وجل إلى بيته العتيق .

د/عدنان عبدالبديع اليافي
جُدة في 7/3/2012م







-------------------------------------------------
المراجع والمصادر :
(1) الرويثي، محمد أحمد : الموانئ السعودية على البحر الأحمر، الطبعة الثانية، مطبعة المدني، القاهرة، (1404هـ - 1984م)، ص(181-210)
(2) المصدر السابق، ص(211-214)
(3) المصدر السابق، ص(214)
(4) المصدر السابق، ص(216)
(5) بيركهارت، جون لويس : رحلات إلى شبه الجزيرة العربية، ترجمة هتاف عبدالله، الإنتشار العربي، بيروت، (2005م ) ، ص (18 19) .
(6) ديدييه، شارل : رحلة إلى الحجاز، ترجمة وتحقيق د . محمد خير البقاعي، دار الفيصل الثقافية، الرياض، (1422هـ)، ص(168) و ص(373) .
(7) أرسلان، شكيب : الإرتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، تحقيق أيمن حجازي، دار السويدي للنشر، أبوظبي، (2004م ) ، ص (28 30) .
(8) كوبولد، إفلن ( زينب ) : إسلام نبيله إنكليزية وحجها إلى مكة والمدينة، تحقيق وترجمة الشيخ عمر أبو النصر (اليافي)، المكتبة الأهلية، بيروت، (1353هـ - 1934م ) ، ص (21 23) .
(9) شهبندر، عبدالغني : رحلة الحجاز، مجلة الحكمة، بيروت ، (1937م)، ص(10-13) .
//تاريخ ميناء جدة//


بواسطة : hashim
 1  0  3450
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    13-09-33 01:14 مساءً ابو فهد الشريف :
    بارك الله فيكم نشكركم على هذا المقال للدكتور عدنان عبدالبديع اليافي
-->