• ×

وقفة مع القول المأثور: «الناس مؤتمنون على أنسابهم‏«

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
وقفة مع القول المأثور: «الناس مؤتمنون على أنسابهم‏«

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعد: فهذه مقالة حررتها لتصحيح فهم بعض أهل العلم والفضل، وعوام الناس بالقول المشهور: «الناس مؤتمنون على أنسابهم‏«، سائلاً الباري جلَّ وعلا أن ينفع بهذه المقالة، وبسائر ما كتبت إنه سميع الدعاء.
فأقول وبالله التوفيق: قولهم: «الناس مؤتمنون على أنسابهم‏«، قول مشهور يتمسك به أدعياء النَّسب في دعواهم الباطلة، والعلماء المحققون يرون أن هذا القول صحيح بضوابط هذا العلم الشريف وقرائن إثبات النسب المعلومة لدى حذاقه ناهيك عن أن ينازع في النَّسب الذي يدعيه، ودونك تحقيق هذا القول المشهور:

الأول: أَنَّ هناك من نسب هذا القول: «الناس مؤتمنون على أنسابهم‏« للنبي صلى الله عليه وسلم، ونسبته إليه باطلة؛ لأنه لا أصل له‏-أي‏ لا إسناد له إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏-،‏ ومن نسبه إليه فقد كذب([1]).

الثاني: أَنَّ العلماء المحققين لا يَعملون بهذا المقال دون قيود، إذ لا بد للعمل بهذا المقال أن تتوفر الشهرة والاستفاضة الصحيحة، والبينة الصحيحة على نسبة المدعي لذاك النَّسب، وعدم منازعته في النَّسب الذي يدعيه.

الثالث: أن تدل القرائن الحالية والنسبية والتاريخية الصحيحة على إلحاق المدعي للبيوتات المشتهرة بصحة نسبها الشريف.

الرابع: أن يذكر العلماء النَّسَّابة ما يشير ويدل على النسب وفروعه ولواحقه كإمكانية التسلسل النسبي بالعقب والأبناء لتسلسل أعمدة النسب.

ومن العوام من يعتقد صحة نسبة هذا المقال للنبي صلى الله عليه وسلم فيأمر بترك الناس يدعون ما يدعون، وهذا لعمري جهل بسُّنة النبي صلى الله عليه وسلم وبفقه هذا المقال!!

ففقه هذا المقال يشرحه العلامة محمود شكري الآلوسي (ت1342هـ)، فيقول: «الناس إنما يكونون مأمونين على أنسابهم إذا لم يكن في دعوى ذلك النَّسب جر مال أو شرف، كما لا يخفى على ذوي الأفهام»([2]).
وللنَّسَّابة الوشلي الحسني(ت1356هـ) رأي آخر جميل في كون الرجل مؤتمنًا على نسبه ما لم ينازع، وهذا نصه: «الاستفاضة يُعمل بها في الأنساب فمن استفاض أنه شريف النَّسب فهو شريف، ومن استفاض أنه غير شريف ثم ادَّعَى الشرف لم يثبت شرفه إلا بثنيه، وأمَّا قولهم «المرء مُصدق في نسبه» فالمراد منه ما لم ينُازع، فإن نوزع في ثبوت نسبه احتاج إلى إقامة الحُجة على ما ادَّعاه»([3]).
ويوافقهم في ذلك العلامة النَّسَّابة بكر أبو زيد(ت1429هـ) فيقول: «مقولة: «الناس مؤتمنون على أنسابهم»- ليس معناه تصديق من يدعي نسبًا قبليًّا بلا برهان، ولو كان كذلك لاختلطت الأنساب، واتسعت الدعوى، وعاش الناس في أمر مريج، ولا يكون بين الوضيع والنَّسب الشريف إلا أن ينسب نفسه إليه، وهذا معنى لا يمكن أن يقبله العقلاء فضلاً عن تقريره.

إذا تقرر هذا فمعنى قولهم: «الناس مؤتمنون على أنسابهم»، هو قبول ما ليس فيه جر مغنم أو دفع مذمةٍ ومنقصة في النَّسب كدعوى الاستلحاق لولد مجهول النَّسب، والله أعلم»([4]).

ولقد تنبه الحافظ السخاوي(ت‏902هـ‏) لشيوع مقال: «الناس مؤتمنون على أنسابهم» الموضوع على النبي صلى الله عليه وسلم واستشهاد الناس به في إثبات الأنساب بدون تحقيق وتثبت،‏ فقال معلقًا على كلام الإمام مالك بن أنس(ت‏179هـ‏) الآمر بضرب وسجن من ادعى الانتساب لآل البيت بغير حق: «رحم الله مالكًا،‏ كيف لو أدرك من‏ يتسارع إلى ثبوت ما‏ يغلب على الظن التوقف في‏ صحته من ذلك بدون تثبت،‏ غير ملاحظ ما‏ يترتب عليه من الأحكام،‏ غافلاً‏ عن هذا الوعيد الذي‏ كان معينًا على الوقوع فيه؟! إما بثبوته ولو بالإعذار فيه طمعًا في‏ الشيء التافه الحقير،‏ قائلاً: «الناس مؤتمنون على أنسابهم«! وهذا لعمري‏ توسع‏ غير مرضي‏«([5]).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتب

الشريف إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير

ص. ب: 10403 جـدة 21433

المملكة العربية السعودية

البريد الإلكتروني: hashemi89@hotmail.com

الأثنين 14-6-1435هـ

الحواشي:

([1]) ينظر «المقاصد الحسنة» (ص687)، «تمييز الطيب من الخبيث» (ص198)، «الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة» (ص351)، «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» (2/295).

([2]) «صب العذاب على من سب الأصحاب» (ص 236).

([3]) «نشر الثناء الحسن على أرباب الفضل والكمال من أهل اليمن» (3/58).

([4]) «فقه النوازل» (1/122).

([5]) «استجلاب ارتقاء الغرف» (2/631).

بواسطة : hashim
 3  0  4125
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    14-06-35 11:40 صباحًا خزانة التاريخ :

    الله يعطيك الف عافية ياشريف ابراهيم على هذا البيان والتوضيح الهام المفّيد , جعله الله في موازيين حسناتك ونفع بك
  • #2
    14-06-35 02:11 مساءً الشريف هيثم بن عبدالله البركاتي :
    روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام.

    انار الله دربك بالأيمان يا رجل المعرفة
  • #3
    15-06-35 01:09 صباحًا خزانة التاريخ :
    ياشريف ابراهيم افيدنا افادك الله

    1- في حالة وجود الشهرة والإستفاضة , ولكن لا يوجد عامود نسب ؟

    2- لا يوجد شهرة ولا استفاضة , ولكن يوجد تواتر , كقولهم نسمع من آبائنا عن أجدادنا , مع وجود شهادة شهود ثقات أمناء , مع عدم وجود تسلسل نسب ؟

    وجزاكم الله كل خير

    _______________________________________

    الجواب: اذا تحققت شهرته واستفضاته بالنسب سواء كان هاشميًا أو هذليًا أو خُزاعيًا أو حربيًا، ثبت النسب لأن العامل الأول والرئيس في ثبوت الشهرة والاستفاضة الصحيحة، وأما عمود النسب فوجده شرط كمال لا شرط صحة النسب.

    والجواب على الفقرة الثانية: إذا لم تتحقق شهرة واستفاضة صحيحة للنسب المدعى إليه فلا تصح دعواه ولا يلتفت للرواية العائلية، الرواية العائلية تفيد إذا تحققت شهرة واستفاضة بهذه النسب المدعى إليه.
    • #3 - 1
      17-06-35 03:13 مساءً خزانة التاريخ :
      مشكور ياشريف ابراهيم وبارك الله فيك على هذا الايضاح والتبيان .

      -إذن تعّد الشهرة والإستفاضة , أصلا من أصول إثبات النسب , وكافية على إثبات الن
-->