• ×

دور الشعر في حفظ أنساب العرب، لإبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
(دور الشعر في حفظ أنساب العرب)
*
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام أجمعين.
أما بعد: فهذه مقالة كتبتها لبيان دور الشعر في حفظ أنساب العرب في العصر الجاهلي والإسلامي، وأدوار العرب في حفظ أنسابهم كثيرة، منها: تأليفهم في أنسابهم مئات المؤلفات، وتخصيصهم نقابات لحفظ أنسابهم، ونقدهم الأنساب الدخيلة عليهم، وغيرها، وقد توسعت في بيان هذه العوامل التي ساهمت في حفظ أنسابهم في كتابنا: «عناية العرب بأنسابهم وسبقهم في ضبطها وحفظها سائر الأمم».
فأقول وبالله التوفيق: العرب متأصل في نفوسهم علم النسب، سليقة وفطرة لديهم، لاعتزازهم بنسبهم الذي ينحدر من سلالة الأنبياء إسماعيل ابن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، والأدلة على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا من ولد إسماعيل»([1])، وقوله صلى الله عليه وسلم لقبيلة أسلم وهم بطن من خُزَاعَة: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»([2])، وأمره أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعتق الفتاة التميمية المسبية: «اعتقيها، فإنها من ولد إسماعيل»([3]).
لذلك يعتني العربي بنسبه ويحفظه عن ظهر قلب، ولقد أشار إلى ذلك ملك الحيرة الجاهلي النعمان بن المنذر الغساني القحطاني(ت نحو28 ق هـ)، في قوله: «ليس أحد من العرب إلا يسمّي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا أنسابهم»([4]).
وللأسف لم ينقل لنا بأَنَّ العرب الجاهليين ألفوا في أنسابهم، ولعل ذلك بسبب شظف العيش، وقسوة الحياة، أو لاتكالهم على الحافظة القوية التي يتمتعون بها، وربما لأميتهم فمن يعرف القراءة والكتابة منهم قلائل.
غاية ما نقل لنا ما جرى في أيامهم من الحوادث التاريخية المشهورة([5])، وما نقل من عيون شعرهم، وقصائدهم، ومعلقاتهم من شعر أدباء العرب الجاهليين التي تلمس من خلالها عناية وحُب العرب الجاهليين لأنسابهم.
وبعد إسلام العرب ازدادت عنايتهم بأنسابهم، لحث الشارع على معرفتها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾([6])، قال العلامة اللغوي أحمد بن فارس القزويني(ت395هـ): «هي آية ما عمل بمضمونها غير العرب، خصوصًا معرفة أنساب أجداد النبي عليه الصلاة والسلام»([7]).
واستمرت عناية العرب بالنسب وحفظه إلى يومنا هذا، والبارعون في‏ حفظ ورواية أنساب‏ العرب عدد كبير من الصحابة والتابعين، ثم صنف علماء العرب في النسب من القرن الأول الهجري وبعده مئات المصنفات لحفظ أنسابهم من الضياع والاختلاط([8]).
ويُعتبر الشعر من أهم الموارد التي حفظت أصول أنساب العرب؛ إذ يحتوي شعرهم على ثروة نَسَبِية كبيرة يدرك الباحث من خلالها حُب العرب لأنسابهم وعنايتهم بها؛ وقد قال الحبر ابن عباس رضي الله عنه (ت68هـ): «الشعر ديوان العرب»([9]).
وقد حوى نتاجهم الأدبي على ثروة نسبية كبيرة لاعتزاز الشعراء بأنسابهم حين احتفالهم بآبائهم الأوائل في المناسبات أو الأحداث التاريخية، "ولا يكون الشاعر شاعرًا حتى يكون نسابة عالمًا بالأخبار"([10])، ولقد أشار إلى ذلك المؤرخ النويري(ت733هـ)، فقال: «وأفصح عن قبائل العرب لسان شاعرها»([11]).
ولعلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب(ت23هـ) رضي الله عنه بدور الشعر في حفظ أنساب العرب، أمر عماله بتعلمه لحفظ أنساب العرب، فقال لعامله أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «مُر مَنْ قِبلَك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب»([12]).
ولقد نص علماء الإسلام الأوائل على دور الشعر في حفظ أنساب العرب، قال العلامة أحمد بن فارس القزويني(ت395هـ): «الشعر ديوان العرب، وبه حفظت الأنساب، وعرفت المآثر»([13]).
وقال العلامة الأديب الحسن العسكري(ت395هـ): «تعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها من جملة أشعارها، فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها ومستنبط آدابها ومستودع علومها»([14]).*********
ومن الأمثلة على دور الشعر الجاهلي في حفظ أنساب العرب: أنَّ أول من ذكر عدنان -جَدَّ جمهرة القبائل العربية- وابنه معدًا في شعره، هو: لبيد بن ربيعة بن مالك الكلابي العامري رضي الله عنه (ت41هـ)* أحد الشعراء الفحول في الجاهلية الذي عُمِّرَ تسعون سنة في الجاهلية، وخمسٌ وخمسون في الإسلام، وفي رواية: عاش ثلاثين وزيادة سنة أو سنتين في الإسلام([15])، وهذا نصه:
فإنْ لم تَجِدْ مِنْ دونِ عَدْنانَ باقيًا* ******** ودونَ مَعَدٍّ فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ([16])
قال العلامة الأديب الجمحي(ت232هـ): «وَلم يذكر عدنان جاهلي قطَّ غير لبيد بن ربيعَة الكلابي فِي بَيت وَاحِد قَالَه»([17]).
والمثال الآخر على دور الشعر في حفظ أنساب العرب قصيدة قالها العباس بن مرداس السلمي(ت نحو18هـ) رضي الله عنه أحد الشعراء المخضرمين المدركين للجاهلية والإسلام، ذكر فيها عدنان وابنه عكًا، "وبهذا البيت أثبت النسابون بأن عكًا أخو معد بن عدنان"([18]) وهذا نصه:
وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تَلَعَّبُوا*********** بَمَذْحَجَ حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ([19]).
واحتج النسابون بعدنانية قضاعة: بقول الشاعر لبيد بن ربيعة الكلابي العامري رضي الله عنه (ت41هـ) *الذي عاش تسعين سنة في الجاهلية:
فَلا تَسألِينَا واسْألي عَنْ بَلائِنَـــــا* ****** إيَادًا وكَلْبًا منْ مَعَدٍّ وَوَائِـــــــلا
وَقَيْسًا ومَنْ لَفَّتْ تَميمٌ ومَذحِجًا******** وكِندَةَ إذْ وَافَتْ عَلَيكِ المَنَــازِلا
لأحسابِنا فيهِمْ بلاءٌ ونعمــــــــة******* ولم يكُ ساعينَا عن المجدِ غافلا
أُولئِكَ قَوْمي إنْ تُلاقِ سَرَاتَهُــمْ****************** تَجِدْهُمْ يَؤمُّونَ العُلا والفَوَاضِلا([20])
والشاهد من هذا البيت قوله: «وكَلْبًا منْ مَعَدٍّ»، فكلب بلا خلاف من قضاعة كما قال الحافظ ابن عبدالبر النمري الأندلسي(ت463هـ)([21]).
واستدل النسابون بشعر الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى المزني(ت 13 ق هـ) على عدنانية قضاعة في قوله:
إِذا لَقِحَت حَربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ* ******** ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أَنيابُها عُصلُ
قُضاعِيَّةٌ أَو أُختُها مُضَرِيَّــــــــةٌ********** يُحَرَّقُ في حافاتِها الحَطَبُ الجَــزلُ
قال الحافظ ابن عبدالبر النمري الأندلسي(ت463هـ): «فجعل زهير قضاعة من معد بن عدنان أخًا لمضر بن نزار بن معد بن عدنان»، وقال: «والاختلاف في قضاعة كثير، والأكثر على أنها من معد بن عدنان»([22]).
ومن الأمثلة على حفظ الشعر لأنساب العرب: استدلال علماء النسب بالشعر على أن القحطانيين من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وذلك في قول الجاهلي المنذر بن عمرو بن حرام جد الصحابي حسان بن ثابت الأنصاري الأزدي رضي الله عنه:
وَرِثْنَا مِنَ الْبُهْلُولِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ **** وَحَارِثَةَ الْغِطْرِيفِ مَجْدًا مُؤَثَّــلًا
مَآثِرَ مِنْ آل ابنِ نَبْت ابنِ مَالِـــــكٍ **** وَنَبتِ ابنِ إِسْمَاعِيلَ مَا أنْ تَحَوَّلَا([23])
ومن الأمثلة على حفظ الشعر لأنساب العرب: أن العرب عرفت قيسًا -جد قبيلة عدوان وغيرها من القبائل العربية- بأنه ابنٌ لعيلان بن مضر بن معد بن عدنان من قول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى(ت13 ق هـ)، وهذا قوله:
إِذا ابتَدَرَت قَيسُ بنُ عَيلانَ غايَةً ****** مِنَ المَجدِ مَن يَسبِق إِلَيها يُسَوَّدِ([24])
وقد علق الحافظ ابن عبدالبر الأندلسي(ت463هـ) على هذا البيت بقوله: «أكثر الناس على أن قيسًا هو ابن عيلان بن مضر، وأن الناس هو عيلان، وهو ابن مضر لصلبه، [وعلى ذلك جمهور أهل العلم بالنسب]، ويشهد لذلك قول زهير بن أبي سلمى»([25]).
ومن الأمثلة على اعتزاز العرب بأنسابهم في أشعارهم: قول شاعر زمانه جرير بن عطية التميمي العدناني(ت133هـ) في بيوت المجد الأربعة في تميم:
يَعُدّ النَّاسِبُونَ إِلى تَمِيــــــمٍ ********* بُيُوتَ المجْدِ أَرْبَعةً كِبـَارَا
****** يَعُدُّون الرِّبابَ وآلَ سَعْدٍ ********* وعَمْرًا ثُمَّ حَنْظلةَ الخِيارَا([26])
وممن كان يلهج بالنسب في شعره الشاعر الكميت بن زيد الأسدي(ت126هـ)، فقد ذكر الأديب ياقوت الحموي(ت626هـ): أن ابن عبدة النساب قال: ما عرف النُّسَّابُ أنساب العرب على حقيقة حتى قال الكميت النزاريات، فأظهر بها علمًا كثيرًا، ولقد نظرت في شعره فما رأيت أحدًا أعلم منه بالعرب وأيامها([27]).
وقال الحافظ ابن عساكر(ت571هـ): «ما جمع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت، فمن صحح الكميت نسبه صح، ومن طعن فيه وهن»([28])، ونضرب مثالاً على معرفة الكميت القوية بأنساب العرب في قصيدته التي أنكر فيها على قضاعة انتماءها إلى قحطان، وجزمه بأنها عدنانية، وهذا نصه:
فَمَهْلاً*يَا*قُضَاعَةُ*لا*تَكُونِـــــي********كَقِدحٍ*خَرَّ*بَينَ*يَدَي***مُجيـلِ
فَإنَّكَ**وَالتَّحَوُّلَ**عَنْ****مَعَدٍ******** كَحَالِيَةٍ***تَزَيَّنُ*****بِالعُطُــــولِ
تُغَايظُ**بالتَّعَطُّلِ****جَارَتَيْهَــا********وَبِالإحْمَاءِ**تَبدَأُ*****وَالحَلِيـــــلِ
ومَا*مَنْ*تَهتِفِينَ*لَهُ****لِنَصْــــرٍ********بأَسْرَعَ*جَابَةً*لَكِ*مِنْ*هديـــلِ([29])
وممن كان يلهج بالنسب في شعره، شاعر العصر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي(ت231هـ)([30])، قال المؤرخ الأديب الشنتريني(ت542هـ): «الطائي حبيب في شعره علم جم من النسب»([31])، ومن علمه بالنسب أنه مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وأشار في قصيدته إلى بطون وأصول نسبه، وذلك في قوله:
طَلبَتْ رَبيعَ رَبيعةَ الممْهَى لَهـَـــــــــــا** فَوَرَدْنَ ظِلَّ رَبِيعَةَ الممْـــــدُودَا
بَكْرِيَّهَا عَلَوِيَّهَا صَعْبِيَّهَا الـــــــــــــــــ*** ـحِصْنِيَّ شَيْبَانِيَّهَا الصِّنْدِيـــدَا
ذُهْلِيَّهَا مُريَّها مَطْرِيَّهَـــــــــــــــــــــــــا** يُمنى يَدَيْهَا خَالدَ بنَ يَزِيــــــدَا
نَسَبٌ كأنَّ عَلَيهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى** نُورٌ وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ عَمُودَا
مَطَرٌ أَبُوكَ أَبُو أَهِلَّةِ وَائـِـــــــــــــــــلٍ** مَلأَ البَسِيطَةَ عُدةً وَعَدِيــــــــدَا([32])
قلت: نسب الشاعر أبو تمام ممدوحه خالد بن يزيد الشيباني إلى قبائل:
فقوله: «بَكْرِيَّهَا» يعني من بكر بن وائل.
وقوله: «عَلَوِيَّهَا» يعني من علي بن بكر بن وائل.
وقوله: «صَعْبِيَّهَا» يعني من صعب بن علي بن بكر بن وائل.
وقوله: «الحِصْنِيَّ» يعني من ثعلبة وهو الملقب بالحصنى بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
وقوله: «شَيْبَانِيَّهَا» يعني شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب.
وقوله: «ذُهْلِيَّهَا» يعني من ذهل بن شيبان بن ثعلبة.
وقوله: «مُريَّها» يعني من مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة.
وقوله: «مَطْرِيَّهَا» يعني بني مطر قبيلة خالد بن يزيد([33]).
*
دور الهجاء في حفظ أنساب العرب:
ومن هجاء شعراء العرب لأقرانهم تَعرَّف علماء النسب على أصول القبائل العربية، ومن الأمثلة على ذلك:
هجاء شاعر زمانه جرير بن عطية التميمي(ت133هـ) قبيلة الشاعر عبيد بن حصين النميري لتعدي ابنه على الشاعر جرير، ولم يبلغ جرير مبلغه من الهجاء إلا لمكان علمه بالنسب والمثالب من جده حذيفة([34]) بن بدر الخطفي العالم بالنسب، فقال يهجو نميرًا:
فغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ* *********** فَلا كَعبًا بَلَغْتَ وَلاَ كِـــلاَبَا
وَلَو وُضِعَتْ فِقَاحُ بني نُمَيرٍ ************* عَلَى خَبَثِ الحَديدِ إذًا لَذابَــا
فما أفلح بعدها الشاعر النميري، وخرج هاربًا إلى البادية فما اجتاز بحيٍّ من أحياء العرب إلا وقد سبقه الهجاء إليه، ولمَّا ورد حيَّ قومه قالوا: بئسما جئتنا به، فتنصل قومه بعد ذلك من أبيهم نميرًا فرارًا من الفضيحة والوصمة، وانتسبوا بالبصرة إلى عامر بن صعصعة متجاوزين أباهم نميرًا إلى أبيه عامر، هربًا من جدهم المهجو نُمير، وقد كانت نُمير قبل هذا الهجاء جمرة من جمرات العرب لأنها لم تحالف لكثرتها ومنعتها لدرجة أن الرجل منهم إذا قيل له ممن أنت؟
قال: نميري كما ترى! إدلالاً بنسبه وافتخارًا بمنصبه حتى قال جرير ما قال فتغير حال القبيلة وتنصل منها من تنصل([35])، فما أفادهم ذاك التنصل من نمير؛ لأن القصيدة طارت بها الركبان، وحَفظت العرب بهذا الهجو نسب تلك القبيلة بأنها من نُمير بن عامر بن صعصعة.
ومن الهجاء تعرَّف العلماء على نسب أبي مسلم عبدالرحمن الخرساني -صاحب دعوة العباسيين- بأنه من الأكراد، وذلك عندما هجاه أبو دلامة، قال المؤرخ أحمد بن سهل البلخي(ت322هـ): «أبو مسلم الخرساني، يقال كان من العرب وقيل كان عبدًا، وأما أبو دلامة فإنه نسبه إلى الأكراد حيث هجاه»([36]).

هل حقًا الشعراء الجاهليين ذكروا أربعين أبًا لمعد بن عدنان في شعرهم:
روى الحافظ الطبري(ت310هـ) عن بعض النُّسَّاب –ولم ينسبه-، ووافقه الحافظ ابن عبدالبر الأندلسي(ت463هـ) بأن علماء العرب تحفظ لجد جمهرة العرب معد بن عدنان أربعين أبًا بالعربية إلى إسماعيل وتحتج في أسمائهم بشعر الجاهليين([37])، فقول يعارضه ما تقدم من قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأم المؤمنين عائشة، وعروة بن الزبير رضي الله عنه ، وجمهرة من علماء الإسلام بأن المحفوظ في عمود نسب العرب، هو إلى عدنان وقحطان، وما بعد ذلك من أسماء لإسماعيل أو لآدم لا تصح أسانيدها، والبعض يرى أن تلك الأسماء من دس اليهود([38]).
ولعالم قريش التابعي والعارف بالنسب والأخبار: أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة القرشي، قول يقدح في رواية الطبري وابن عبدالبر الأندلسي –الآنفتى الذكر- وذلك بنفيه معرفة الصحابة والتابعين في القرن الأول الهجري رواية عن عالم أو شاعر ثقة يعرف آباء عدنان إلى إسماعيل عليه السلام، وهذا نصه: «ما وجدنا في علم عالمٍ ولا شعر شاعر أحدًا يعرف ما وراء معد بن عدنان بثبت»([39])، وفي رواية: «ما وجدنا في شعر شاعر ولا في علم عالم أحدًا يعرف ما وراء معد بن عدنان بحق لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾([40])»([41]).
وممن يعارض رواية الطبري، وابن عبدالبر الأندلسي: العلامة الأخباري محمد بن سلام الجمحي(ت231هـ)، وهذا نصه: «لم يجاوز أبناء نزار في أنسابهم وأشعارهم عدنان، اقتصروا على معد، ولم يذكر عدنان جاهلي قط غير لبيد بن ربيعة الكلابي في بيت واحد قاله، قال:
فإن لم تَجِدْ من دُونِ عَدْنانَ والدًا******** ودُوْنَ مَعَدٍّ، فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ
وقد روي لعباس بن مرداس السلمي بيتٌ في عدنان، قال:
وَعَكُّ بنُ عَدْنَانَ الذِينَ تَلَعَّبُوا*********** بمَذْحِجَ، حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ
والبيت مريب عند أبي عبدالله([42])، فما فوق عدنان أسماء لم تؤخذ إلا عن الكتب، والله أعلم بها، لم يذكرها عربي قط، وإنما كان معدٌ بإزاء موسى بن عمران –صلى الله عليه-، أو قبله قليلاً، وبين موسى وعاد وثمود، الدهر الطويل والأمد البعيد.
فنحن لا نقيم في النسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعرًا، فكيف بعادٍ وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث، لم يروِ قط عربيٌّ منها بيتًا واحدًا، ولا راوية للشعر، مع ضعف أسره وقلة طلاوته»([43]).
*
الاحتكام للشعر عند اضطراب النسب:
وللشعر دور في حسم الخلافات النسبية التي تقع بين القبائل، فمتى ما وقع مثل ذلك احتكم نسابة العرب إلى شعر الشعراء الأوائل لمعرفة النسب الصحيح لتلك القبيلة، وهذا ما شهد به العلامة الأديب المطرزي(ت610هـ)، وهذا نصه: «الشعرُ ديوان العرب لأنهم كانوا يرجعون إليه عند اختلافهم في الأنساب والحروب، ولأنه مستودعُ علومهم وحافظُ آدابهم ومعدنُ أخبارهم، ولهذا قيل:
الشعرُ يَحفَظُ ما أَودَى الزمان به ****والشعرُ أفضل ما يجنى من الكرَمِ»([44]).
والشواهد على احتكام نسابة العرب لشعر العرب الأوائل حين اضطرب الناس في أنساب القبائل كثيرة، منها:
استشهاد العلامة النَّسَّابة مصعب الزبيري القرشي(ت236هـ) بشعر زيادة بن زيد العذري القضاعي(ت نحو50هـ)، وجميل بثينة العذري القضاعي لما اضطرب الناس في عدنانية قضاعة من قحطانيتها([45]).
*
الاستشهاد بشعر الشعراء قديمًا وحديثًا في إثبات النسب:
مما تقدم نقول: لا شك بأن شعر العرب في جاهليتهم وبعد إسلامهم شعر احتج به علماء النسب والمؤرخون لمعرفة أصول العرب، ولحل النزاع الذي قد يقع بين القبائل في معرفة أصولها العربية.
أما اليوم فقد يستأنس علماء النسب المحققون بشعر الشعراء الثقات المتأخرون في ربط الفرع بأصله القريب في ظل توفر الشهرة والاستفاضة الصحيحة بعربية ذاك الفرع وانتمائه لتلك القبيلة.
وفي غياب الشهرة والاستفاضة بعربية ذاك الفرع وانتمائه لتلك القبيلة، فلا يعول علماء النسب المحققون على الشعر الحديث لإلحاقها بالأصل، أو انتقالها من قبيلة إلى أخرى وذلك لتساهل بعض الشعراء اليوم، ولكثرة الادعاء إلى العرب وخاصة الهاشميين؛ وقد لمس ذلك العلامة النَّسَّابة حمد الجاسر(ت1421هـ)، فقال: «مع الأسف الشديد، منذ منتصف القرن الماضي –أي من بعد 1350هـ- إلى يومنا هذا أصبح هذا النوع من الأدب ليس من الدرجة التي كان عليها قديمًا لأن التزييف دخله، والتغيير كثير فيه»([46]).
ولقد رأيت نموذجًا من هذا الشعر المكذوب أو المنحول في كتاب ألفه مرتزق لأسرة مرموقة، فنظم أو نظمت له قصيدة بانتساب هذه الأسرة إلى الهاشميين، فلاح لنا كذب صاحب القصيدة، لأمور:
·******** ليس لهذه الأسرة شهرة واستفاضة بانتسابها إلى الهاشميين.
·******** لم تذكر كتب التاريخ والنسب، ولا وثائق هذه الأسرة نسبتها إلى الهاشميين.
·******** عدم اتفاق هذه الأسرة على النسب الجديد عليها.
والحاصل: أن الاستشهاد بشعر الأدباء وفحول الشعراء العرب المتقدمين المعروفين لمعرفة أصول وفروع القبائل العربية وتصحيح أنسابها سائغ لتوفر الشهرة والاستفاضة بعربيتها ولمصداقية غالب الأوائل، ولا يسري هذا لكثير من المتأخرين ناهيك عن بعض المعاصرين لتساهل بعضهم، وكلام العلامة المؤرخ النسابة الجاسر واضح في هذا المعنى.
وفي الختام: هذه إطلالة على دور الشعر في حفظ أنساب العرب، وهو موضوع جميل، لو أفرد في تأليف لجاء في مجلد أو مجلدات.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبها:
أبو هاشم إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
ص. ب:* 10403 جـدة* 21433
المملكة العربية السعودية
البريد الإلكتروني: hashemi89@hotmail.com
14 ذو القعدة 1438هـ
*
*
*
*


([1])**** الحديث في «صحيح مسلم» برقم (2276) بتصرف يسير.
([2])**** تقدم تخريجه في (ص***** ).
([3])**** الحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في *(ص**** ).
([4])**** «التذكرة الحمدونية» (7/406).
([5])**** ينظر مثالاً: «أنساب الأشراف» (1/6-104) تحقيق العظم، «تاريخ الطبري» (1/558-560، 609-628، 629-632) (2/88-90، 105-154، 239-271)، «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، وغيرها.
([6])**** الحجرات: 13.
([7])**** «الصاحبي في فقه اللغة» (ص43)، «المزهر في علوم اللغة» (1/259).
([8])**** ينظر كتابنا: «عناية العرب بأنسابهم» (ص124، 171).
([9])**** «تفسير القرطبي» (1/24).
([10])* «تاريخ آداب العرب» (3/79).
([11])* «نهاية الأرب في فنون الأدب» (2/291).
([12])* «العمدة في محاسن الشعر» (1/28).
([13])* «الصاحبي في فقه اللغة» (ص212).
([14])* «الصناعتين» (ص156).
([15])* «الإصابة» (5/676).
([16])* «طبقات فحول الشعراء» (1/10)، «الإنباه على قبائل الرواة» (ص43-44).
([17])* «طبقات فحول الشعراء» (1/10)، «الإنباه على قبائل الرواة» (ص43-44).
([18])* «ديوان الكميت بن زيد» (ص527).
([19])* «طبقات فحول الشعراء» (1/10)، «الإنباه على قبائل الرواة» (ص43-44).
([20])* «ديوان لبيد بن ربيعة» (ص142-143)، «الإنباه على قبائل الرواة» (ص55).
([21])* «الإنباه على قبائل الرواة» (ص55).
([22])* «الإنباه على قبائل الرواة» (ص54).
([23])* «التيجان في ملوك حمير» (ص262)، «الإنباه على قبائل الرواة» (ص52)، «فتح الباري» (6/539).
([24])* «الشعر والشعراء» لابن قتيبة (ص73).
([25])* «الإنباه على قبائل الرواة» (ص72)، وما بين المعقوفتين كلام ابن عبدالبر من «الجوهرة في نسب النبي ^» (1/341).
([26])* «الأغاني» (8/58).
([27])* «تاريخ دمشق» (50/235)، «معجم الأدباء» (1/231).
([28])* «تاريخ دمشق» (50/243).
([29])* «ديوان الكميت» (ص358).
([30])* ينظر «ديوان أبي تمام» (2/51، 198).
([31])* «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» (4/143، 414).
([32])* «ديوان أبي تمام» (1/412-414).
([33])* ينظر «ديوان أبي تمام» (1/412-413).
([34])* له ترجمة في «البيان والتبيُّن» (1/366).
([35])* ينظر «الحيوان» (1/169)، «زهر الآداب» (1/55)، «تاريخ آداب العرب» (3/79).
([36])* «البدء والتاريخ» (2/286).
([37])* «تاريخ الطبري» (2/274)، «الإنباه على قبائل الرواة» (ص42).
([38])* ينظر كتابنا: «عناية العرب بأنسابهم (ص52).
([39])* «الطبقات الكبير» (1/40).
([40])* سورة الفرقان: 38.
([41])* «الطبقات» لخليفة (ص2)، «تاريخ دمشق» (3/53).
([42])* قال المحقق العلامة محمود شاكر: أبو عبدالله –يعني ابن سلام-، وهذا كلام أبي خليفة راوي الطبقات. «طبقات فحول الشعراء» (1/11) حاشية (1).
([43])* «طبقات فحول الشعراء» (1/10-11).
([44])* نقلاً من «المزهر في علوم اللغة» (1/273).
([45])* ينظر «نسب قريش» (ص5-6).
([46])* «مجلة العرب» س18 (ص767).

بواسطة : إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
 0  0  847
التعليقات ( 0 )

-->