• ×

التفسير الديني للتاريخ (دراسة مقارنة بين الإسلام والغرب)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

التفسير الديني للتاريخ
دراسة مقارنة بين الإسلام والغرب


(ملخص كتاب القوانين للمؤلف)

من إعداد
الدكتور الشريف إبراهيم بن يوسف الأقصم الخواجي


مـقدمـة :

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده المصطفى . . . . . . . . . وبعد
إن استقراء التاريخ وفق منهجية إسلامية ؛ أصبح ضرورة ملحة وحاجة ماسة ؛ خاصة في هذا العصر؛ الذي انتشر فيه الجدل (البيزنطي) ، والسفسطة الفكرية . فالتاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث ؛ إنما هو نقد ، وتفسير ، واستنباط ، وقراءة لما بين السطور ، فلا بد أن يقدم كدروس تربوية يستفاد منها ، لبناء الفرد المسلم بناءً صحيحاً ، وتغذية الأمة المسلمة ؛ وفق تصورات شرعية . قال الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } .
في هذا البحث ؛ وسيكون الحديث منصباً على التفسير الديني للتاريخ - مقارنة بين المنهج الغربي والمنهج الإسلامي - ، مع تقديم نماذج للانحرافات الفكرية، أو فساد التصور في تفسير التاريخ . كما يركز البحث على سير حركة التاريخ ، وعلاقة القرآن بالتاريخ ، والسنن الربانية في سقوط الدول ، والضوابط التي صاغها المؤرخون والمفكرون في منهجية التفسير الديني للتاريخ .



توطئة :

إن تفسير التاريخ وربطه بالجانب الديني ، أو بالسنن الربانية أمر تصدى له القلة من المؤرخين . ومن تأمل الكتابات التاريخية عند المسلمين يجد أن جهد المؤرخين الأوائل انصب على الجمع والترتيب . وأن جهودهم في القرون الثلاثة الأولى انصبت على الرواية التاريخية من حيث النقل والسند ، فغاب النقد أو التفسير التاريخي ؛ ولعل ظروف تلك الفترة كانت الأنسب لهذا الجهد ، فمتطلبات تلك الفترة تتطلب الجمع والتقميش ، خاصة المؤرخين . فتُرك أمر النقد للفقهاء والمحدثين الذين استفادوا من التاريخ واستنبطوا من خلاله قواعد فقهية .
ومن أبرز من أعطى قضية تفسير التاريخ بعداً واضحاً ،هو المؤرخ والمحدث ابن كثير( ت 774هـ) الذي لا تخلو كتاباته من النقد والربط بالسنن الربانية.
ويكاد يجمع أهل الفكر التاريخي أن ابن خلدون ( ت 808هـ) صاحب المقدمة ، أكثر من قدم تفسيرات دينية وسنن ربانية في مجال الحضارة والعمران وقيام الدول وسقوطها . بل يسميه البعض : أستاذ علم الاجتماع الأول .
وفي العصر الحديث والمعاصر، ظهرت مؤلفات تحاول فلسفة التاريخ وفق أسس وقواعد شرعية ، للرد على كتابات ونظريات الغربيين العلمانية والملحدة .

مفهوم التاريخ وأهميته:
التاريخ في اللغة : الإعلام بالوقت ، وقد وردت كلمة التاريخ عند العرب قالت تميم : \" ورخت الكتاب توريخاً \" ، وقالت قيس : \" أرخته تأريخاً \" . واصطلاحاً ؛ اختلف العلماء في تحديد تعريفاً جامعاً له . ولعل من أشمل التعاريف له ، ما ذكره ابن خلدون وسيد قطب من أن التاريخ هو العلم الذي يفسر الأحداث ويحللها ويربطها ؛ للوقوف على أهدافها ومعرفة ثمراتها والاستفادة منها مستقبلاً . فلم يعد التاريخ مجرد علم يبحث في أخبار الأمم الماضية .
وأهمية التاريخ لاتخفى على كل ذي بصيرة ، فقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أهميته قائلاً :\" اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب ،جم الفوائد، شريف الغاية ، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك \" .
وللتاريخ فوائد عديدة منها : أنه ُيكسب الإنسان حصانة فكرية ضد الخرافات والأساطير، ويسهم في تثبيت العقيدة الإسلامية وترسيخها ، ويساعد على التعلق بالفضائل والنفور من الرذائل ، كما يساهم في إيقاظ الوعي الإسلامي لمقاومة أعداء الإسلام ، كما أنه يساعد الناس على الاستفادة من تجارب الآخرين .
وأما فلسفة التاريخ فيقصد بها : معرفة الروابط التي تربط بين الأحداث والوقائع المتفرقة ودراستها ؛ لتبيين دوافعها ونتائجها ، واستخلاص السنن والنواميس الإلهية من خلالها ، والاعتبار بالدروس والعظات التي فيها . وهي مرحلة تأتي بعد التحقيق والنقد للأخبار مما ثبت من الوقائع .

أولاً : التفسير الديني للتاريخ ( قبل الإسلام ):
عندما فقدت الأديان في العصور القديمة أصولها ، أصبحت فريسة العابثين والمتلاعبين، فجميع الديانات أفلست وحُرّفت وصارت بلا روح إلا بقية لا تذكر . فقد ُطمس نور المسيحية في القرن الأول الميلادي على يد بولس اليهودي الأصل صاحب فكرة : عيسى ابن الله . وجاء بعده الأمبراطور الروماني قنسطنطين الذي جعل المسيحية مزيجاً من الخرافات اليونانية ، والوثنية الرومية ، والرهبانية . وكان ذلك من خلال ما صدر قرارات عن مجمع نيقية سنة 325 م أجبرت الناس على اعتناق عقيدة التثليث ( الله والروح وجبريل )، أو ما يعرف بالكاثوليكية .
طغت على الكتابات التاريخية قديماً الجانب الديني البحت ، فدخلت عليه الخرافات والطقوس فاختلطت الحقيقة بالخيال ، وقدمت للأجيال بقوة التكرار على أنها صحيحة . فقد كان الإغريق (اليونان) يجعلون الآلهة تتدخل في أعمال البشر بلا انقطاع ، ففي كل صفحة من قصص هوميروس تبصر تدخل آلهة الأولمب . وفي العهد الروماني كان المؤرخ يقدم التاريخ بأسلوب خطابي تطغى عليه تأثيراته وزياداته ، حتى يضيف للأبطال مالا يقولوه . كما أن المؤرخين خلطوا الآلهة بحوادث البشر ؛ وليس أقل من هذا ، ظهور الرب (المسيح ) في الكتب اليهودية .
وبعد انتصار النصرانية على الوثنية رغم تأثرها- ظهر مبدأ لاهوتي خالص في التاريخ يتحرك قرناً بعد قرن . فكان اللاهوت هو الذي يسيطر على الروح البشرية ويوجهها ويطبع جميع الآراء بطابعه . وكان يُنظر للمسائل الفلسفية والسياسية والتاريخية من الوجهة اللاهوتية دائماً . فالروح اللاهوتية هي الدم الذي جرى في عروق العالم الأوربي آنذاك، فقضى ذلك على علم التاريخ الذي أصبح سجلاً حافظاً لأفعال الإله نحو الإنسان ، فكسوه بذلك وقاراً لم يعرفه من قبل .
وعندما تسلمت الكنيسة سجل التاريخ ، بقي في أيدي القساوسة والرهبان ألف سنة تقريباً ، ومنذ أن تنصر الأمبراطورالبيزنطي قنسطنطين (306 337 م) ، أصبح التاريخ خاضعاً ومسخراً للاهوت وأغراضه ، مشحوناً بالخوارق والخزعبلات ؛ ففقد التاريخ حاسة النظر إلى الأشياء بموضوعية ، ولم يضعها في موضعها الصحيح . فأصبح التاريخ عند رجال الدين ما هو إلا الخطيئة الأصلية والسقوط ، والعذراء والخلاص . أي أنهم يرمون حملهم ووزرهم على خطأ آدم وحواء عليهما السلام ، ثم أنهم يرمون عيسى وأمه مريم عليهما السلام بتهم الزنى .
وعلى كل حال ؛ ورث الفكر الأوربي في العصور الوسطى هذا الإرث التاريخي المؤسف ، فأصبح يتصور الثبات في كل شيء ، في الكون والحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق . فلا مجال للتغيير .
ومن أمثلة ذلك ؛ دلك التعسف العلمي الذي ظهر على رجال الكنيسة ، فقد عاقبوا كل من قدم معلومات تاريخية ، أو جغرافية ، أو فلكية ، تخالف ما هو في أديرتهم وكنائسهم ، واعتبروا من قال بشيء يخالف ما تعارفوا عليه ملحد زنديق . فقد أحرقت الكنيسة ، العالم جردانو برونو ( 1600 م ) الذي نادى بنظرية كوبرنيق ( 1543 م ) حول حركة الأجرام السماوية . كما عاقبت الكنيسة العالم الإيطالي جاليلو (1642 م ) الذي قال بدوران الأرض .

ثانياً : التفسير الديني للتاريخ عند الغرب في العصر الحديث :
ظهرت في العصر الحديث ( القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً ) عدة مدارس غربية في تفسير التاريخ تأثرت بواقعها الاجتماعي وبيئتها الثقافية ، فقدمت فلسفة للتاريخ وفق نظرتها ومنهجها ونظرياتها ، فكان العامل المشترك بينها هو رفضها للتفسير الديني للتاريخ ؛ وبررت ذلك بأنه ( خرافات وأساطير) .
ويمكن القول أن رفض الفكر الأوربي في العصر الحديث للجانب الديني ؛ يعود لعاملين رئيسيين : الداروانية ، ورجال الدين بالكنيسة الذين قدموا صوراً سيئة في الفكر والعلم .
ولا شك أن لجهل رجال الدين ، وانطماس بصائرهم ، واستغلالهم للناس بصكوك الغفران ؛ جعل عند الأوساط المثقفة وغيرها نفوراً من الدين . كما أن هناك عوامل أخرى أثرت على الفكر الغربي الحديث ، مثل الثورة الصناعية ، وظهور الفلسفات البرجماتية والمادية والماركسية واللبرالية التي أثرت على بنية المجتمع الأوربي فحطمت الكثير من القيم والتقاليد ، ناهيك عن ظهور العلمانية في مفهومها الواسع : \" فصل الدين عن الحياة \" . فظهرت المقـولة المشهورة : \" دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله \" . ومما يؤكد ذلك ؛ أن مؤرخ الحضارة الألماني ( بور كار ) يرى أن الفصل بين الدين والدولة والحضارة ، من أهم الأمور للتحرر من الأسطورة . أي : ( الدين )
وعلى كل حال فقد ظهرت نظريات عديدة في القرن التاسع عشر الميلادي الدي سماه المؤرخون : ( قرن التاريخ ) ؛ لأن مؤرخي هذا القرن أعادوا كتابة ماكتبه السابقون وفق منهجية فلسفية ، محاولين إيجاد قوانين ثابتة للتاريخ ، تقابل قوانين العلوم الطبيعية ، لكنهم عجزوا .
وهده التجارب الأوربية المتلاحقة في عالمي الفكر والحياة ، أخذت تبحث عن المبررات والحجج ، لتقويم المسيرة البشرية دون النظر أو الالتفات للتجارب التاريخية السابقة .
خلال هده الفترة ظهرت فلسفات وأيدلوجيات وأفكار في معظمها ترفض التفسير الديني للتاريخ . وظهرت عدة مدارس تاريخية حاولت تأطير التاريخ بفكرها ، أو تصبغه بصبغتها فذهبت تلوي عنق الأحداث لتتفق مع أيديولجيتها . ومن أبرزها : المدرسة المثالية ، والتي تنسب لهيجل الألماني(17701831 م) الذي يرى أن التاريخ حركة جدلية تبدأ بظهور فكرة ثم تظهر فكرة ضدها ، فيحدث الصراع . أما المدرسة المادية وتنسب لكارل ماركس اليهودي (منتصف القرن 19 م ) فكانت تربط حركة التاريخ والأحداث بالجوانب المادية وترفض أثر الأديان والمذاهب . أما التفسير الحضاري للمؤرخ الانجليزي أرنولد توينبي صاحب كتاب : دراسة التاريخ (19211961م) فهو يحاول التوفيق بين الجانب المادي والجانب الديني لكن بنظرته العلمانية . كما ظهرت تفسيرات في حركة التاريخ تتعلق بالدور البيئي أو العرقي أو التفسير الجنسي كمحرك للسلوك كما هو عند اليهودي سيجموند فرويد ( 1856 1939م ) .
ورغم أن جميع المذاهب والنظريات الغربية السابقة ترفض التفسير الديني ؛ لكنها لا تخلو جانباً من الصحة في تفسير الأحداث ، فلا يمكن رفضها بالكلية ، أو قبولها بالكلية ، إنما تشترك جلها في رفض التفسير الديني للتاريخ ؛ مما يؤكد أن معظم أوربا أصبحت علمانية الفكر والسياسة والاقتصاد والتاريخ .
لكن لا يزال يوجد في أوروبا قلة دينية لكنها على ضلال وانحراف . فعلى سبيل المثال كان البعض يظن أن توينبي مؤرخاً لاهوتياً دينياً - لأن الفلاسفة الغربيين هجموا على كتاباته التي مزج فيها بين القيم واستنتاجاته الفكرية ، لكن خطوة توينبي كما يقول الدكتور : عماد الدين خليل \" فيها نوع من التأرجح وعدم الاتزان ، أو بالأحرى (علمانية ) ، فاستطاع العقلانيون والماديون الطبيعيون أن يجدوا ثغرات واسعة للطعن ضد توينبي\" .
وإن ظهر التفسير الديني للتاريخ في العصر الحديث فهو عند الأوربيين تفسير سفسطائي بعيد عن المنهجية الربانية أو الوحي الإلهي ، وبرزت التفسيرات الميتافيزيقية - ما وراء الطبيعة - ، وعجزت عن الإجابة عن السؤال التالي : ما هي العلاقة بين الله سبحانه وتعالى وبين الطبيعة ، بما فيها القوى المادية والإنسان ؟ .
وبذلك يمكن القول أن التفسيرات الوضعية للفكر الغربي جانبت الصواب في رفضها للتفسير الديني ، وإن كانت محاولات التفسير الحضاري تعتبر خطوة موضوعية ، إلا أنها لم تستطع أيضاً إعادة الالتئام الكامل بين الله والإنسان ، والمادة والروح ، والطبيعة وما وراء الطبيعة .
والأمر الذي أكّد عليه الباحثون ؛ أن العديد من رواد هذه المدارس ، هم من اليهود الذين لعبوا دوراً كبيراً في إفساد التصورات ، ونشر الضلالات ، للسيطرة على اقتصاد العالم ، مستغلين أوضاع أوربا السيئة ، وصدامها مع الكنيسة ، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين .
وفي بروتوكولات حكماء صهيون ، جاء في البرتوكول الثالث عشر : \"سنحاول أن نوجه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة ، التي يمكن أن تبدو تقدمية أو تحررية \". وجاء في البروتوكول الرابع عشر : \" لن نبيح قيام أي دين غير ديننا \" . وجاء في البروتوكول الثالث ما معناه ، أننا سنتبنى الشيوعية لضرب الدين .
كما أن لقادة الماسونية أقوالاً مشابهة لأقوال قادة الصهيونية ؛ فقد جاء في قول أحد أقطابهم في المحفل الماسوني لعام 1923 م \" .. يجب سحق عدونا الأزلي الذي هو الدين\" . وجاء في أقوالهم أن الماسونية وجدت في المبادئ الإشتراكية خير عوان لها . وقد جاء في عبارات ماركس معلم الشيوعية الأول، وأقوال لينين وستالين رواد الثورة الاشتراكية في الإتحاد السوفيتي ، أن الدين والأخلاق أوهام تتستر خلفها المصالح ، والدين هو أفيون الشعوب.
وهكذا نجد أن التاريخ الأوربي في العصر الحديث تأثر بالإلحاد والشيوعية ، وتأثر بالعلمانية ، وما من شك في تأثير الصهيونية اليهودية على الفكر الأوربي آنذاك . وهكذا يتفق الجميع على نبذ الدين .


ثالثاً : التفسير الديني للتاريخ عند المسلمين :
التفسير الديني للتاريخ عند المسلمين ليس قضية ثقافية أو فكرية تربط بشخص ما ؛ بل قضية عَقَدية ترتبط بالإنسان وأصله بدايته ونهايته ، ودوره . وترتبط بالكون وبدايته ونهايته ، وترتبط بالسنن الربانية وجريانها . فالرؤية التاريخية في الإسلام ترتبط بمنهج رباني .
ومن هنا اختلف التفسير الديني للتاريخ عند المسلمين عن تفسيرات المدارس الغربية ؛ لأن مصادر التلقي عند المسلمين ربانية وحيية ، وعند الآخرين ، نظرية احتمالية مبنية على أسس ليست رصينة ، إن لم تكن واهية .
إن التفسير الديني أو الإسلامي للتاريخ مراده الإنسان . فهو ينطلق من منطق عقدي ، وتربوي ، وعلمي . فهناك محاور لتقويم هذا الإنسان أو الحضارات . المحور الأول : هل حقق هذا الإنسان العبودية في الأرض ؟ مصداقاً لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} .
المحور الثاني : هل قام هذا الإنسان بعمارة الأرض حسب ما أراده الله ؟ مصداقاً لقوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} . المحور الثالث :هل أدى الإنسان دوره ؟ مصداقاً لقوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } .
فالإجابة على هذه الأسئلة ؛ هي معايير تقويم الإنسان والحضارات عند الله .
وفي هذا المبحث سيتم الحديث عن : القرآن والتاريخ ، وخط سير التاريخ ، والسنن الربانية في التاريخ ، وسقوط الدول أوالحضارات .
وسنحاول الخروج بقواعد وأسس مهمة تسيّر حركة التاريخ .


أ : القرآن والتاريخ :
أعطى القرآن الكريم للمسألة التاريخية مساحة واسعة واتجاهات عديدة اندرجت بين الإجمال أو العرض والتفصيل وبين استخلاص العبر والدروس ، وتوضيح السنن الربانية التي تحكم حركة الأمم والجماعات عبر الزمان والمكان ؛ فقدّم أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ البشري ، والانتقال به من مرحلة العرض والتجميع إلى استخلاص القوانين التي تحْكم الظواهر الاجتماعية .
إن الموقف الإسلامي من التاريخ يتميز بالمرونة والبعد عن التوتر المذهبي والتعصب الديني الذي يسعى إلى قولبة الوقائع التاريخية وصبها في هيكله ؛ مما يوقعها في انحرافات وأخطاء . فهناك عدة نصوص قرآنية تحث الإنسان على التأمل والتفكر والبحث والتحرّي ومعرفة السنن منها : قوله تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } . وقوله تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } . وعلى سبيل المثال ، نجد أن القرآن عالج المسألة التاريخية في كلٍ من غزوة بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين . كما صوّر الظروف والأجواء العامة التي وقعت في هذه الغزوات وبين أسباب النصر والهزيمة ، والدروس المستفادة منها خاصة فيما يتعلق بالسمع والطاعة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران وسورة الأحزاب وغيرهما، مما نزلت فيها أحكام فقهية استنبط العلماء منها فوائد جمة ، وحكم عديدة . ومن أشهر من كتب في هذا المجال، ابن القيم (ت751هـ) في كتابه زاد المعاد .
لكن القرآن لا يقدم لنا تفصيلات المعارك بين المسلمين وغيرهم من الأمم ، إنما نجد ذلك في كتب التفسير الموثوقة التي فصلت في الأحداث مستعينة بالتاريخ والسيرة ، وحتى الإسرائليات أحياناً ؛ مالم تخالف شرعنا كما قرره العلماء .

ب : التفسير الديني لخط سير التاريخ أو حركة التاريخ كما هو في الإسلام:
إن خط سير التاريخ عند المسلمين يبدأ منذ أن خلق الله آدم عليه السلام . قال تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } . فغاية خلق الإنسان ؛ العبادة ثم الخلافة في الأرض . قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ } .
وحتى يصبح للوجود الإنساني معناه قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } . وقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } وقوله تعالى:{ أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً } . إن التفسيرات الوضعية للتاريخ انحرفت في الفكر والتصور عن الإنسان وخلقه ومقصد وجوده وحقيقة الربوبية والألوهية ( ضلت وأضلت ) ؛ لأنها تهْرف بما لا تعرف،فأخدت ترجم بالغيب وتتخبط في الظنون والأوهام بعيدة عن الوحي. فكتابات المؤرخ ( ويلز ) صاحب كتاب (معالم تاريخ الإنسانية) عندما يتكلم عن أصل الإنسان ومراحله ، يبحث في القردة وأشباه الإنسان والانسان الحجري والجليدي ، معتمداً في ذلك على الأحافير والهياكل تاركاً الوحي الرباني .
إن التفسير الإسلامي للتاريخ ينظر إلى أن حركة التاريخ تجري بقدر ووفق سنة الله التي أجراها في الخلق والحياة والكون ، وتحقيق السنن الربانية مرتبة على سلوك البشر في الحياة الدنيا ومدى استحابتهم للأوامر والنواهي الشرعية .

رابعا: قواعد عامة في التفسير الديني للتاريخ:
من خلال إشارات العديد من الباحثين والمتخصصين ، سنحاول ذكر أبرز القواعد في التفسير الديني أو الإسلامي لحركة التاريخ بإيجاز .
1- ضرورة تصحيح المفاهيم الأساسية في التصور عن الإنسان والكون والحياة .
فالتصور الصحيح عن أصل الإنسان والحكمة من وجوده وغايته وهدفه ورسالته وعمارته للأرض ، لا يكون إلا وفق منهج الله وبالإيمان المطلق .
2- لا بد من مراعاة الحقائق التي جاء بها القرآن . ومن ذلك :
- أصل البشر:آدم عليه السلام ، وفطرة الناس : الإسلام، وعقيدة البشر: التوحيد . قال تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } . أي كانوا أمة واحدة على التوحيد . وبعض كتب التاريخ القديمة تقول إن أول موحد في التاريخ هو الفرعون أخناتون لأنه دعا إلى عبادة الشمس دون غيرها . كما بين القرآن أن الإنسان خلق خلقاً سوياً قال تعالى :{لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } .
- الأمة الإسلامية هي صاحبة الريادة . قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } . وقال تعالى :{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . فالمؤرخ المسلم يجب عليه أن يستوعب كليات التصور الديني للتاريخ ويلتزم بها ويرد كل النظريات الوضعية التي تخالف هذا التصور كنظرية دارون مثلاً .
3- يجب تفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام تفسيراً يتوافق مع روحانية الزمان وأفضليته ويتوافق مع تزكية القرآن لهم ورضاء الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم ، دون غلو أو تقديس . فالدراسات الاستشراقية عجزت عن فهم روحانية الإسلام وقوة الإيمان التي كانت دافعاً قوياً لسلوك الصدر الأول ، فأخذت تقيس تلك الفترة بتاريخها الأوربي . فهم لا يدركون مدى أثر العقيدة والإيمان في دوافع السلوك عند المسلمين . فلا يمكن أن نفسر دوافع الفتوحات الإسلامية بأنها مادية كما تردده كتب المستشرقين وأذنابهم ، بل إن حركة الفتوحات الإسلامية كانت عقدية دينية ، تستند إلى أوامر شرعية من القرآن والسنة ، تدعمها الشواهد العديدة من التاريخ الإسلامي ، ويؤكدها ما ذهب إليه الفقهاء في أحكام الجهاد والفتح والغنائم والأسارى ؛ مما يدّعم أن الجهاد كان من منطلق ديني ، والمصالح المادية التي كسبها المسلمون جاءت ثمرة للجهاد .
4- تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله، فلا نقيسها بالجوانب المادية:
فصاحب كتاب (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع) المؤرخ المعاصر(آدم متز)، يرى أن القرن الرابع الهجري يمثل أوج الحضارة الإسلامية ، بينما يرى المؤرخ المسلم أن عصر صدر الإسلام هو أوج الحضارة ؛ لأنه أكثر ملائمة لعبادة الله وتوحيده . وهذا يوافق قول النبي صلى الله عليه وسلم : في صحيح البخاري : (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) .
5- رفض منطق التبرير تلمس الأعذار- كأساس لتفسير تاريخ صدر الإسلام .
ومن ذلك الأسلوب الاعتذاري الذي يستخدمه بعض المؤرخين المسلمين المعاصرين عند الكلام عن الجهاد أو الجزية ومحاولتهم تقديم التبرير عنها ، كردة فعل للهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين . فمنطق التبرير ؛ كان بسبب للقهر النفسي والفكري الذي أحدثه الغزو الفكري في عقولنا . وقد بين القرآن أن هزيمة المسلمين في أحد بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن هزيمة المسلمين في غزوة حنين أول الأمر بسبب العجب بكثرة العدة والعتاد .
ولعلاج منطق التبرير ؛ لابد أن نعتمد على المصادر الشرعية أولاً في التبرير ثم ننظر فيما يقوله الآخرون ، فإن خالفونا نطرح تأويلاتهم ونرضى بشرعنا .
6-استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية . لأنها ذات دلالة واضحة. فالقرآن الكريم قسم الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق ، وبين صفاتهم ، فلا ينبغي التلاعب بها أو استحداث مصطلحات غير شرعية كحزب يميني وحزب يساري ، أو استخدام مصطلح التقدمية والرجعية بدلاً الخير والشر أو الحق والباطل . فالتقدمية تطلق غالباً على المتحررين ، والرجعية تطلق على المتمسكين بأصول الدين . وهو ما نلمسه في الإعلام المعاصر . كما يخلط البعض بين مصطلح الديمقراطية ، وبين مفهوم الشورى في الإسلام .
7- عند تفسير التاريخ لابد من فهم الواقع ؛ لمعرفة العوامل التي شكلت المجتمع وتحكمت في حركته وموازنة ذلك بالأوامر والنواهي الشرعية . فالمنهج الإسلامي ليس تبريرياً يتلمس الأعذار فقط بل هو يبين الأخطاء ويناقشها .
8- مراعاة العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية . عند الحديث عن الأسباب والنتائج ، فالتفسير الديني لا يتعارض معها .
9- لا بد من معرفة الضوابط في الأخذ من كتب غير المسلمين ( الإسرائيليات ) وقد تكلم عنها العلماء في عدة مواضع من مؤلفاتهم ، وعلى سبيل المثال فقد صدر ابن كثير في مقدمة تفسيره مجموعة من القواعد المتعلقة بالإسرائيليات ، فإذا كانت الإسرائيليات مخالفة لشرعنا فلا يمكن قبولها بل يجب ردّها ورفضها .
10- ضرورة مراعاة السنن الربانية عند تحليل الظواهر الاجتماعية .
11- من يتصدى لقضية التفسير الديني، يجب عليه الاطلاع على القرآن والسنة ، وتوخي الدقة في الأخذ من بعض الموسوعات العلمية ، وزيادة ثقافته الشرعية .







بواسطة : hashim
 1  0  8344
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    08-08-30 08:16 صباحًا الشريف بندر بن خالد الحارثي :
    بارك الله فيكم

    ملخص ذو معاني غزيره



    قد اذهلني شخص يدعي بيحي هارون, هو داعيه وفيلسوف قام بعرض فيديوهات ساعدة في القدره على التاثير على الكثير من اهل الغرب من ما فسره بالربط بين مانص في القران الكريم ومااكتشف مواخرا من اكتشافات. ايضا لديه كتب وابرزها كتاب النبي اللذي يتحدث عن حياته صلى الله عليه وسلم

    بامكانكم متابعه بعض من المقاطع عبر الروابط التاليه ولاكنه باللغه الانجليزيه:

    http://www.youtube.com/watch?v=yOzErsqPSZo&NR=1

    http://www.youtube.com/watch?v=HsKfVntAm9E&feature=related

    http://www.youtube.com/watch?v=HJq5819hVjc&NR=1

    سبحان من خلق وعلم ورزق



-->