• ×

الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما - ( بحث شامل)

الحمدُ لله ربّ العالمين ، الرَّحمن الرَّحيم ، مالكِ يومِ الدِّين ، الحمدُ لله إله الأوَّلين و الآخِرين ، الحمدُ لله حتى يرضى ، والحمدُ لله إذا رضي ، والحمدُ لله بعد الرِّضى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين ؛ إمامنا ونبيِّنا وسيِّدنا وقدوتنا وقرَّة عيننا محمَّد بن عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين ، أمَّا بعد :

فإنَّ الله تبارك وتعالى قالَ في كتابهِ العزيزِ واصفاً النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه : " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) " سورة الفتح .
وقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أصحابهِ : " خيرُ النَّاسِ قَرْنِي ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يَلُونهم " .
وقالَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : " لا تسبُّوا أصحابي ، فلو أنَّ أحدَكم أنفقَ مثلَ أحُدٍ ذهباً ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه " .

وقالَ سبحانه وتعالى عن آلِ بيتِ النبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : " ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) "سورة الأحزاب .
وقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم مُذَكِّراً النَّاسَ بآلِ بيتهِ :" أذكِّركم اللهَ أهلَ بيتي ، أذكِّركم اللهَ أهلَ بيتي ، أذكِّركم اللهَ أهلَ بيتي " .
آيات وأحاديث وردتْ في فضلِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وآيات وأحاديث وردتْ في فضلِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فكيف بالله عليكم مَنْ جمعَ الله له الشَّرفين ، جمعَ الله شرفَ الصُّحبةِ وجمعَ له مع ذلك شرفَ القرابةِ .
إنهم أناسٌ اختارَهم الله تباركَ وتعالى على عِلْمٍ كما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم : " إنَّ الله اصطفى كنانةَ منْ ولدِ إسماعيل ، و اصطفى قريشاً منْ كنانة ، واصطفى بني هاشم منْ قريش ، واصطفاني منْ بني هاشم " .
فهو إذاً اصطفاءٌ ، يصطفي الله تباركَ وتعالى منْ عبادهِ مَنْ يراه أهلاً لذلك الاصطفاءِ سبحانه وتعالى .
إنَّ حديثَنا في هذه اللَّيلةِ عن شخصيَّةٍ جمعتْ شَرَفَ الصُّحبةِ وشَرَفَ القرابةِ
و أيّ قرابةٍ ؟!
أقرب القرابةِ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. ليس للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذُرِّية إلا منْ قِبلهِ و قِبلِ أخيه .
إنَّ الله تباركَ وتعالى رزقَ نبيَّنا محمَّداً صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم سبعةً منَ الولدِ ، ثلاثة منَ الذُّكور و أربعة منَ الإناث ، أمَّا الذُّكور فقدَّر الله تباركَ وتعالى أنهم جميعهم ماتوا قبلَ الحُلم ، وأمَّا الإناثُ فتزوَّجنَ جميعاً :

*- الكبرى زينب بنت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وتزوَّجها أبو العاص بنُ الرَّبيع ، فأنجبتْ له عليّاً وماتَ صغيراً ، وأنجبتْ له أمامةَ ، و أمامةُ هذه تزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالب بعد وفاةِ خالتِها فاطمة ، وانقطعَ نسلُ أمامةَ فانقطعَ نسلُ زينب .
*- ثم رقيَّة ، وتزوَّجها عثمانُ ، ولم تنجبْ لعثمانَ ، وتوفِّيتْ رضيَ الله عنها فانقطعَ نسلُ رقيَّة .
*- ثم بعد رقيَّة أمّ كلثوم ، وتزوَّجها عثمانُ ، وأنجبتْ له عبدَ الله وماتَ صغيراً ، وأنجبتْ له زينب ، و أيضاً انقطعَ نسلُها .
*- ثم بعد ذلك فاطمة ، وهي رابعةُ بناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالب ، وأنجبتْ له أربعةً منَ الولدِ ، ذكران و أنثيان ، أمَّا الذَّكران فهما الحسن والحسين ، و أمَّا الأنثيان فهما أمّ كلثوم وزينب .
أمَّا أمّ كلثوم فتزوَّجها عمرُ بنُ الخطَّاب ، وأنجبت له زيداً ورقية ، وانقطعَ نسلُهما ، وماتتْ أمّ كلثوم ، وانقطعَ نسلُ أمِّ كلثوم بنت عليّ بنِ أبي طالب بنت فاطمة .
وأمَّا زينب بنتُ فاطمةَ فتزوَّجها عبدُ الله بنُ جعفر بنِ أبي طالب ، وانقطعَ نسلُها كذلك ، فلم يبقَ للنبيِّ نسلٌ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه إلا منِ ابنتهِ فاطمة ، ولم يكنْ لفاطمةَ نسلٌ إلا منْ قِبلِ الحسن والحسين رضيَ الله عنهما .
فهذان هما وذرِّيتهما مَنْ يستطيعُ أنْ يقولَ جَدِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو شرفٌ و أيُّ شرفٍ ، نعم والله إنه شرفٌ للإنسانِ أنْ ينتسبَ إلى هذا الرَّجلِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .

حتى قالَ الإمامُ مالك رحمه الله تباركَ وتعالى : " مَنِ انتسبَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يكنْ كذلك ضُرِبَ وسُجِنَ وشُهِّرَ به ؛ لأنه آذى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لانتسابهِ إليه وهو ليسَ منه " . إلى هذه الدرجة .
فحديثُنا إذاً عن


حديثُنا عن رجلٍ يقولُ جَدِّي رسول الله .. عن رجلٍ أخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه سيِّدٌ منْ ساداتِ المسلمين .. إنه أبو محمَّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم .
هذا الرَّجلُ الذي يَشْرُفُ على الخلقِ بأنَّ جَدَّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنَّ أمَّه فاطمةُ ، وأنَّ أباه عليٌّ ، وجَدَّته خديجة ، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين .
إنَّ حديثَنا عن الشَّهيدِ السَّعيدِ .. إنَّ حديثَنا عن ريحانةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم و حبيبهِ .. إنَّنا سنتكلَّم عن أبي محمَّد رضيَ الله عنه وأرضاه

الحسنُ بنُ عليّ ، كانَ أشبهَ النَّاسِ خَلْقاً برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
حتى قالَ أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه : " قد رأيتُ الحسنَ بنَ عليّ وكانَ أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم " .
وكانَ أبو بكرٍ مع عليٍّ يوماً بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وإذا الحسنُ بنُ عليٍّ يلعبُ مع الصِّبيةِ ، فجاءَه أبو بكرٍ ثم أخذَه وضمَّه إليه
ثم قالَ مرتجزاً : " بأبي شبيهٌ بالنبيّ ... ليسَ شبيهاً بعليّ " و عليٌّ يضحكُ .

فكانَ الحسنُ رضيَ الله عنه أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
حتى قيلَ إنَّ الحسنَ والحسينَ كانا يُشبهانِ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، أمَّا الحسنُ فكانَ يُشبهُ النبيَّ منْ رأسهِ إلى بطنهِ ، وأمَّا الحسينُ فيشبهُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ أسفل .
فالحسنُ على كلِّ حالٍ هو أشبهُ النَّاسِ مُطْلَقاً برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في خِلْقَتهِ .

وُلِدَ الحسنُ في السَّنةِ الثَّالثةِ منَ الهجرةِ ، وكانَ عليٌّ رضيَ الله عنه تزوَّج فاطمةَ في السَّنةِ الثَّانيةِ منَ الهجرةِ ، ثم رزقَهما الله تباركَ وتعالى بالحسنِ ، وهو باكورةُ هذا الزوَّاجِ المباركِ ، فأنجبتْ فاطمةُ الحسنَ ، فأوَّلُ ما أنجبتْه قيلَ إنَّ عليّاً رضيَ الله عنه سمَّاه حرباً ، فلمَّا جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليراهُ
فقالَ : " أعطوني ولدي لأراه "
فأخذَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قالَ : " ماذا أسميتوه ؟ "
فقالَ عليٌّ رضيَ الله عنه : أسميتُه حرباً .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " بل هو حَسَن " .
فسمَّاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا الاسم الكريم الذي دلَّ عليه خُلُقُهُ ودلَّ عليه فِعْلُهُ رضيَ الله عنه وأرضاه .. فهو حَسَنُ الخُلُقِ .. حَسَنُ الفعلِ .. حَسَنُ الإيمانِ .. حَسَنٌ في كلِّ شيءٍ رضيَ الله عنه وأرضاه .
سمَّاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم حنَّكه، أي أخذَ تمرةً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ثم مضغَها و أخرجَ طعامتَها ، ثم أخذَها بأصبعهِ فمرَّرها في فم الحسنِ يتطعَّمها ، وهذه سُنَّةٌ كانَ يصنعُها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيمَنْ يُوْلَدُ للمسلمين أنه كانَ يحنِّكه بالتَّمرِ .
واختلفَ أهلُ العِلْمِ في هذا التَّحنيكِ هل هو خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو أنه يحنِّك كلُّ صالحٍ ؟؟
أي إنه إذا وُلِدَ اليومَ ولدٌ هل يُشْرَعُ تحنيكُه أمْ أنَّ هذا الأمرَ خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ لأنه شخصٌ مباركٌ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ؟؟؟
والأظهرُ - والعِلْمُ عند الله تباركَ وتعالى - أنَّ هذا خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ولذلك أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا يأتون بأولادِهم إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا وُلِدُوا ليحنِّكهم ، لأنه رجلٌ مباركٌ بنصِّ كتابِ الله و سُنَّةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم .
فالقصدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سمَّاه ثم حنَّكه صلَّى الله عليه وسلَّم وعَقَّ عنه ، ولم يأذنْ لعليٍّ أنْ يذبحَ عن الحسنِ ، بل قامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وذبحَ عن الحسنِ كبشاً ، وهذا جائزٌ ، وذلك أنَّ الذَّكَرَ يُذبحُ عنه كبشان ويجوزُ أنْ يكتفي بكبشٍ واحدٍ ، فذبحَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحسنِ بكبشٍ وعن الحسينِ بكبشٍ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما .

كانَ الحسنُ كما قلنا شبيهاً بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبالتَّالي كانَ وسيماً جميلاً ، وكانَ دَيِّناً وَرِعاً جواداً رضوانُ الله تباركَ وتعالى عليه .

وكانَ عليُّ بنُ أبي طالب يوماً يقولُ للحَسَنِ : يا بنيَّ ، إني أحبُّ أنْ أسمعَك تخطبُ .
فقالَ الحسنُ : يا أبتي ، إني أستحيي أنْ أخطبَ حيثُ أراكَ .
يعني أراكَ وأخطب لا أستطيعُ .. احتراماً لأبيهِ .
فجاءَ عليٌّ يوماً وجلسَ خلفَ النَّاسِ بحيثُ لا يراهُ الحسنُ ، فقامَ الحسنُ وخطبَ خطبةً بليغةً فصيحةً ، فلمَّا قضى
قالَ عليٌّ رضيَ الله عنه : " ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) "سورة آل عمران .
إي والله الذي لا إلهَ إلا هو ذرِّية بعضُها منْ بعضٍ ...
أليسَ جَدُّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
أليسَ أبوه عليّ بن أبي طالب رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه ؟؟
بلى إنه كذلك .

الحسن بن عليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما كانَ منْ أكرمِ الخَلْقِ

*- في يومٍ منَ الأيام مَرَّ على رجلٍ يدعو ويسأل الله تباركَ وتعالى
فإذا هذا الرَّجل يقولُ : اللَّهمَّ إني أسألُك عشرةَ آلافِ درهم .
لعلَّه محتاجٌ إلى هذا المالِ
فقالَ : اللَّهمَّ إني أسألُك عشرةَ آلافِ درهم .
فذهبَ الحسنُ رضيَ الله عنه إلى بيتهِ وأتى بعشرةِ آلافِ درهم وأعطاها إيَّاه استجابةً منه لدعاءِ هذا الرَّجُلِ لربِّه تباركَ وتعالى .

*- و مِنْ كرمهِ رضيَ الله عنه وأرضاه أنه قاسمَ الله مالَه ثلاثَ مرَّاتٍ .
يعني يأتي في يومٍ منَ الأيام ثم يجعلُ مالَه قِسمين ، نصف بالنِّصف ، ثم يتصدَّق بنصفهِ ، فعلَها ثلاثَ مرَّاتٍ ، وتصدَّق بمالهِ كلِّه مرَّتين في حياتهِ ، تخلَّص منْ مالهِ كلِّه في سبيلِ الله تباركَ وتعالى ، ثم رزقَه الله وهكذا رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه .

وردتْ أحاديث ونصوص في فضلِ الحسنِ رضيَ الله عنه ، و قبلَ أنْ نتكلَّم عن هذه النُّصوصِ الخاصَّةِ به
نتكلَّم عن النُّصوصِ العامَّة ، مِنْ ذلك :

*- قول الله تبارك وتعالى : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) "سورة الأحزاب .
لما سمعَ أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الآية جاؤوا إلى النبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
فقالوا : يا رسولَ الله عرفْنا كيف نسلِّم عليك فكيفَ نصلِّي عليك ؟
فقالَ لهم صلَّى الله عليه وسلَّم : " قولوا اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم ، اللَّهمَّ باركْ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما باركتَ على آلِ إبراهيم " .
والحسنُ منْ آلِ محمَّد بلا شَكّ

*- وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً في الطَّريقِ فرأى الحسنَ يأخذُ تمرةً منَ الصَّدقةِ فأخذَها منه
وقالَ : " كِخْ كِخْ " .
ثم قالَ : " إنها لا تحلُّ لمحمَّد ولا لآلِ محمَّد " .
فهو منْ أخصِّ آلِ محمَّد صلواتُ ربِّي وسلامُه على محمَّد

*- لما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً : " أذكِّركم الله أهلَ بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي " ، الحسنُ منْ رؤوس آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .

*- بل قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إني تاركٌ فيكم ثَقَلَينِ أحدُهما كتاب الله " ثم ذكرَ الثَّقل الثَّاني وقالَ : " آل بيتي " .
فهو منْ ذلك الثّقل الذي أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم برعايتهِ والعنايةِ به وحِفْظِهِ و احترامهِ ومحبَّتهِ .
هذا هو الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه

*- كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً في بيتِ عائشةَ رضيَ الله عنها فدخلتْ عليه فاطمةُ ، فدعا عليّاً ، فجاءَ عليٌّ ، ثم جاءَ الحسنُ ، ثم جاءَ الحسينُ ، ثم جلَّلهم بكساءٍ ، أي غطَّاهم بعباءَته ( بشته ) غطَّاهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ( عليّ وفاطمة والحسن والحسين )
ثم قالَ : " اللَّهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي ، اللَّهمَّ أذهبْ عنهم الرِّجْسَ وطهِّرهم تطهيراً " .
فدعا لهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، وقرأ عليهم قولَ الله تباركَ وتعالى : " ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) "سورة الأحزاب .

*- في يومٍ منَ الأيام جاءَ وفدٌ منْ نجرانَ - وكانوا نصارى - جاؤوا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وناظروه في عيسى فنزلَ قولُ الله تباركَ وتعالى : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) " سورة آل عمران
ثم ذكرَ الله تباركَ وتعالى العقيدةَ في عيسى ، فقرأ عليهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الآيات ، وعرفوا ما هو عيسى ومَنْ يكونُ عند المسلمين ولكنَّهم عاندوا و أبَوا أنْ يتَّبعوا النبيَّ محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم .
عندها أنزلَ الله تباركَ وتعالى قولَه جلَّ وعلا : " فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) " سورة آل عمران
فدعاهم إلى المباهلةِ ، فوافقوا
فقالَ : الموعد غداً .
فجاءَ النبيُّ منْ غدٍ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ومعه عليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ ليُباهلَ بهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
فلمَّا رأى نصارى نجران الجِدَّ في عينيِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفي فِعْلِهِ أبَوا المباهلةَ .
وقالوا : لا نباهلُك ولكنْ أرسلْ معنا مَنْ يعلِّمنا .
فأرسلَ معهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبا عبيدةَ عامرَ بنَ الجرَّاح رضيَ الله عنه .

الحسن والحسين اجتمعتْ فيهما فضائلُ ، نصوصٌ جاءتْ فيهما معاً ، منْ ذلك :

*- إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " الحسن والحسين سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة " .
أيُّ فضلٍ أعظمُ منْ هذا ؟؟
" سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة "
فيُطلقُ عليهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا اللَّفظَ الكريمَ سيِّد .. و سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة جميعاً رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما .
وليسَ هذا لأجلِ أنهما ابنا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لا لا.. ليس الأمرُ كذلك بل " إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم " ، لما وَقَرَ في قلبهِ وقلبِ أخيهِ منَ التَّقوى والإيمان والدِّين بحيثُ ارتفعَ إلى هذه الدَّرجةِ المباركةِ عند الله تباركَ وتعالى .

*- كانَ عبدُ الله بنُ عمر يوماً في المدينةِ فجاءَه رجلٌ يسألُه
فقالَ له : يا أبا عبد الرَّحمن ، ماذا تقولُ في قَتْلِ المحرمِ للذُّبابِ في المسجدِ ؟؟
يعني هل يجوزُ للمُحْرِمِ أنْ يقتلَ الذُّبابَ خاصَّةً إذا كانَ في المسجدِ ؟؟
فقالَ له عبدُ الله بنُ عُمَرَ : مِنْ أين أنتَ ؟؟
منْ أيِّ البلادِ أنتَ ؟
قالَ : منَ العراقِ .
فقالَ عبدُ الله بنُ عُمَرَ : عجبتُ لكم أهلَ العراقِ تقتلون ابنَ بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ( يعني الحسين ) رضيَ الله عنه وتسألون عن قتلِ الذُّبابِ في المسجدِ ؟؟!!
وقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ عن الحسن والحسين : " هما ريحانتي منَ الدُّنيا "
" هما ريحانتي منَ الدُّنيا " ، هكذا يخبرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحسن والحسين .

*- يقولُ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه للحسن والحسين : " أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّة منْ كلِّ شيطانٍ وهامَّة ومنْ كلِّ عينٍ لامَّة " .
يعوذُ بهما الحسن والحسين
ثم يقولُ : " بهذا كانَ يعوِّذ إبراهيمُ إسماعيلَ وإسحاقَ " ، فكانَ يعوِّذهما صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه بما يعوِّذ به إبراهيمُ إسماعيلَ وإسحاقَ .
وقالَ لهما يوماً : " اللَّهمَّ إني أحبُّهما ، مَنْ أحبَّهما أحبَّني ، ومَنْ أبغضَهما أبغضَني " ، هكذا يُعلنُها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
هذان هما ريحانتا النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم

أما الحسنُ وما وردَ فيه خاصَّة .
فقد جاءَ الحسنُ في يومٍ منَ الأيام إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يصلِّي بالنَّاسِ ، وهي صلاةُ العصر .
يقولُ شدَّاد بنُ أوس : سجدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الصَّلاةِ فأطالَ السُّجودَ حتى خشيتُ أنْ يكونَ قد أصابَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمرٌ !!!
أطالَ كثيراً في هذه السَّجدةِ
يقولُ : فرفعتُ رأسي لأرى ، فإذا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ساجدٌ وإذا الحسنُ على ظهرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم راكبٌ ، فسجدتُ واطمأنَّ قلبي أنه لا يوجدُ إلا الخير .
فلمَّا قضى النبيُّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه الصَّلاةَ سألَه أصحابُه لأنهم لم يرفعوا رؤوسَهم ولم يرَوا شيئاً
فقالوا : يا رسولَ الله ، أطلتَ السُّجودَ !!!
فقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم :" إنَّ ابني ارتحلَني فكرهتُ أنْ أُعْجِلَه حتى يقضي حاجتَه "
فلمَّا قضى ونزلَ رفعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأسَه منَ السُّجودِ .

الشيخ يكلم أحد الحضور : يعني الآن أبو معاذ لو أنك فعلتها ، صليت وارتحلك ابنك ، وأطلتَ السُّجود وعلم الناس ، ماذا يصنعون ؟؟
شكوى إلى الأوقاف مباشرة ..لأنَّ هذا نظر الناس .
لكنِ انظروا فِقْهَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، يقولُ : " إنَّ ابني ارتحلَني فكرهتُ أنْ أُعْجِلَه حتى يقضي حاجتَه " .
حتى اكتفى ونزلَ عن ظهرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهذا دليلُ محبَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لهذا الغلام رضيَ الله عنه وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد .

الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه قالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً هو وأسامة : " اللَّهمَّ إني أحبُّهما فأحبَّهما وأحبَّ مَنْ يحبُّهما " .
اللَّهمَّ إنَّا نُشهدُك على حبِّهما ..
اللَّهمَّ إنَّا نُشهدُك على حبِّهما ..
اللَّهمَّ إنَّ نُشهدُك على حبِّهما ..

وقالَ له يوماً خاصَّة : " اللَّهمَّ إني أحبُّه فأحبَّه وأحبَّ مَنْ يحبُّه " .
يعني الحسنَ بنَ عليّ .
وكانَ النبيُّ يوماً جالساً ومعه الأقرع بن حابس ، سيِّدٌ منْ ساداتِ بني تميم ، فجاءَ الحسنُ ، فلمَّا رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذَه وقبَّله ، فاستنكرَ الأقرعُ بنُ حابس
فقالَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أتقبِّلون أولادَكم ؟؟
قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " نعم " .
فقالَ الأقرعُ : إنَّ لي عشرةً منَ الولدِ ما قبَّلتُ أحداً منهم .
وفي روايةٍ : إنه قد ظهرَ الشَّعرُ في وجوهِهم ما قبَّلتُ أحداً منهم .
فماذا قالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
قالَ : " وماذا أصنعُ لك إنْ كانَ الله نزعَ الرَّحمةَ منْ قلبِك ، مَنْ لا يرحم لا يُرحم " ، هكذا يقولُها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .

وفي يومٍ صعدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المنبرَ وهو يحملُ الحسنَ بنَ عليّ ( والحسنُ كانَ صغيراً ، توفِّي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وللحسنِ سبعُ سنواتٍ ) .
ثم قالَ للنَّاسِ : " إنَّ ابني هذا سيِّد ، ولعلَّ الله أنْ يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين " .
وقد تحقَّقتْ نبوءةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما سيأتي ذكره إنْ شاءَ الله تبارك و تعالى .

أبو هريرة رضيَ الله عنه لما سمعَ هذا الحديثَ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وذلك بعد عهدٍ طويلٍ كانَ أبو هريرةَ جالساً مع جماعةٍ منَ الناس فمرَّ الحسنُ عليهم وردَّ السَّلامَ ،
قالَ : السَّلامُ عليكم .
فردُّوا عليه السَّلامَ ولم يردّ أبو هريرةَ السَّلامَ لأنه لم يسمعْ
فلمَّا تحرَّك الحسنُ ( جاوزَهم ) قالَ رجلٌ لأبي هريرةَ : سلَّم الحسنُ بنُ عليّ ولم تردّ عليه السَّلام !!!
قالَ : أين هو ؟
قالَ : ذاك هو .
فذهبَ إليه أبو هريرةَ ، فقالَ : " وعليكَ السَّلامُ يا سيِّدي ، فقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو على المنبرِ يقولُ : " إنَّ ابني هذا سيِّد ، ولعلَّ الله أنْ يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين " .
يقولُ : السَّلامُ عليك يا سيِّدي .

وجاءَه يوماً أبو هريرةَ فقالَ له : يا أبا محمَّد اكشفْ لي عن سُرَّتك .
قالَ : ولماذا ؟
قالَ : قد رأيتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقبِّل سُرَّتك فأريدُ أنْ أقبِّل مُقبَّل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فكشفَ له الحسنُ عن سُرَّتهِ ، فقبَّل أبو هريرةَ سُرَّةَ الحسنِ بنِ عليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم أجمعين .

ورآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً - وكلُّ هذه الأحاديث التي أذكرًها صحيحةٌ - رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً و رأى الحسين ( الحسن و الحسين صغيران ) فرآهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ : هذا - يشيرُ للحسنِ - مني وحسين منْ عليّ " .
يعني هذا أشبهُ بي وحسين أشبهُ بعليّ ، وهكذا كانا ، فكانَ الحسنُ أقربَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكانَ الحسينُ أقربَ إلى عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد .

أمَّا عبادتُه رضيَ الله عنه وأرضاه فكانَ كما ذُكِرَ ، ذُكِرَ هذا عنه وذُكِرَ عن عليّ بن الحسين ، و أيّاً كانَ فلا يُستعبد أنْ يكونَ فعلَ هذا الحسنُ وفعلَه عليُّ بنُ الحسين .
يقولُ : كانَ إذا توضَّأ يتغيَّر لونُه !!!
فيقولون له : ما لكَ ؟؟؟!!
فيقولُ : حقٌّ لمنْ أرادَ أنْ يدخلَ على ذي العرش أنْ يتغيَّر لونُه .
حقٌّ على مَنْ أرادَ أنْ يدخلَ على ذي العرش أنْ يتغيَّر لونُه .
ولذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " إذا قامَ أحدُكم يصلِّي فإنما يُناجي ربَّه ، فلينظرْ أحدُكم مَنْ يُناجي " .
وجاءَ عن عليِّ بنِ الحسين أنه كانَ يقولُ لما تغيَّر لونُه وقالوا له : ما لكَ ؟!! قالَ : ألا تدرون مَنْ سأناجي ؟؟؟ إني سأناجي الله سبحانه وتعالى .
فيستشعر الخوفَ والرَّهبةَ والحبَّ عندما يأتي ويقفُ بين يدي ربِّ العِزَّة تباركَ وتعالى ، كما قالَ الله جلَّ وعلا : " ‏ ‏قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل
فإذا قالَ العبدُ ‏: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏"
‏قالَ الله تعالى : حمدني عبدي .
وإذا قالَ : " ‏ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
‏قالَ الله تعالى : أثنى عليَّ عبدي .
وإذا قالَ ‏: " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ‏" .
‏قالَ : مجَّدني عبدي ...و هكذا
علاقةٌ بين العبدِ و بين ربِّه في الصَّلاةِ ، بخلافِ صلاةِ كثيرٍ منَ المسلمين ، لا يستشعرون هذا الوقوفَ بين يدي الله تباركَ وتعالى والمناجاة التي كانَ يلتذُّ بها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ولذلك كانَ يقولُ لبلال : " أرحْنا بها " ، كانَ يرتاحُ إذا دخلَ الصَّلاةَ لأنه يشعرُ بهذه المناجاةِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .

كانَ الحسنُ بنُ عليّ إذا صلَّى الفجرَ يجلسُ في مصلَّاه إلى أنْ تُشْرِقَ الشَّمسُ ثم بعد ذلك يذهبُ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يسلِّم عليهنَّ إكراماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنهنَّ أمَّهاتُ المؤمنين و زوجاتُ جَدِّهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .

الحسنُ بنُ عليّ ذكروا أنه حجَّ خمساً وعشرين مرَّة ، وذُكِرَ أنه حجَّها ماشياً على قدميهِ رضيَ الله عنه وأرضاه .

أمَّا زُهْدُه فقد كانَ خليفةً للمسلمين وأميراً لهم فتنازلَ عن هذا كلِّه في سبيلِ جمعِ كلمةِ المسلمين ، ولذلك سُمِّيَ العامُ الذي تنازلَ فيه الحسنُ عن الخلافةِ بعامِ الجماعةِ ، لأنه لمَّ شملَ الأمَّة بعد أنْ كانَ قد تفرَّق .

الحسنُ بنُ عليٍّ قالَ يوماً : كانتْ جماجمُ العربِ بيدي ، يُسالمون مَنْ سالمتُ ويحاربون مَنْ حاربتُ ، فتركتُها اتِّقاءَ وجهِ الله .
يتقرَّب إلى الله تعالى بهذا ، لا يتنازع لأجلِ كرسيّ ويقاتل وكذا ، أبداً .. تركَه كلَّه لوجهِ الله تباركَ وتعالى .

ومنْ زُهدهِ قولُه :
لَكِسرةٌ منْ خسيسِ الخبز تُشبعُني*** وشربةٌ منْ قَرَاحِ الماءِ تكفيني
و طَرَّةٌ منْ دقيقِ الثَّوبِ تسترُني **حيّاً ، وإنْ مِتُّ تكيفي لتكفيني
أي تكفيني لتكونَ كفناً لي

ويقولُ رضيَ الله عنه :
يا أهلَ لذَّاتِ دُنيا لا بقاءَ لها ** إنَّ اغتراراً بِظِلٍّ زائلٍ حُمْقُ
نعم .. الذي يغترّ بِظِلٍّ زائلٍ لا شكَّ أنه أحمق .
الحسنُ بنُ عليّ رضيَ الله عنه مرَّ على جماعةٍ منَ الفقراءِ وإذا هم يأكلون كِسراً منَ الخبزِ لفقرِهم وحاجتِهم ، فلمَّا مرَّ عليهمُ الحسنُ سلَّم عليهم .
فقالوا له : تفضَّل معنا .
فقالَ : نعم .
فجاءَ وجلسَ معهم متواضعاً لله جلَّ وعلا ، وأكلَ منهم منْ هذه الخبيزات .. منْ هذه الكِسَر ، فلمَّا قضَوا أكْلَهم .
قالَ : الآن أنا ادعوكم فتفضَّلوا معي .
فأدخلَهم بيتَه وأكرمَهم رضيَ الله عنه وأرضاه .

وجاءَ هذا الفعلُ كذلك عن الحسنِ مع أطفالٍ صغارٍ صبيةٍ مرَّ عليهم وهم يأكلون .
فقالوا له : تفضَّل .
قالَ : نعم .
فجلسَ معهم وأكلَ معهم ثم دعاهم إلى بيتهِ ثم أطعمَهم رضيَ الله عنه وأرضاه .

الحسنُ بنُ عليّ جاءَه رجلٌ منْ أهلِ الشَّام ، وكانَ في أهلِ الشَّام نواصب ، والنَّواصبُ هم مَنْ كانوا يُبغضون عليَّ بنَ أبي طالب رضيَ الله عنه ..فمرَّ الحسنُ .
يقولُ هذا النَّاصبيُّ الشَّاميُّ : فلمَّا رأيتُه و إذا وجهُه مسفرٌ ، وفيه نورٌ ، ودخلَ إلى قلبي .
فقلتُ : مَنْ هذا ؟؟
قالوا : هذا الحسنُ بنُ عليّ .
يقولُ : فتذكَّرتُ بُغضي لعليٍّ .
يقولُ : فجئتُه و سبتتُ عليّاً و سبتتُه لبُغضي لعليٍّ .
ولم يردّ عليَّ ، فلمَّا سكتُّ
قالَ لي الحسنُ : كأنك غريبٌ لستَ منْ أهلِ هذه البلادِ ؟
قالَ الرَّجلُ : نعم .. أنا لستُ منْ هذه البلادِ .
قالَ : منْ أين ؟؟
قالَ : أنا منَ الشَّام .
قالَ الحسنُ : إنِ احتجتَ إلى منزلٍ أنزلناكَ ، و إنِ احتجتَ إلى طعامٍ أطعمناكَ ، و إنْ كانتْ لك حاجةٌ قضيناها لكَ .
هذا بعدَ أنْ سبَّه وقالَ له مثلَ هذا الكلام !!!
ولكنْ كما قالَ عليٌّ : ذرِّية بعضُها منْ بعضٍ .
قالَ الرَّجلُ : فانصرفتُ عنه وما على وجهِ الأرضِ أحبُّ إليَّ منه ، ( أي منَ الحسنِ بنِ عليّ )
بهذه الكلماتِ .. كظمَ غيضَه " ... فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ(34) " سورة فصلت ، مصداق الآية تماماً طبَّقها الحسنُ فكانَ له ما أخبرَ الله تباركَ وتعالى عن ذلك .

الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه تولَّى الخلافةَ بعد استشهادِ عليٍّ رضيَ الله عنه وأرضاه ، وذلك في رمضانَ سنةَ أربعين منَ الهجرةِ ، بايعَ النَّاسُ أهلُ الحلِّ والعَقْدِ الحسنَ بنَ عليٍّ وتمَّت له البيعةُ ، وكانَ قبل ذلك وقعَ خصامٌ وحربٌ وقتالٌ بين عليٍّ و معاويةُ رضيَ الله عنهما في صِفِّين ، فلمَّا استلمَ الخلافةَ الحسنُ بنُ عليّ أرسلَ إلى معاويةَ ، قالَ : تعالَ نتصالح ، إلى متى الخلافُ ؟ فتصالحَ الحسنُ مع معاويةَ وقالَ : هذه الخلافةُ لك ، المهمّ أنْ تجتمعَ كلمةُ المسلمين ، أنا لا أريدُ الخلافةَ ، لك الخلافةُ يا معاويةُ وتجتمعُ كلمةُ المسلمين ، هذا أهمّ شيءٍ .
وفعلاً كانَ هذا بعد سِتَّة أشهر فقط منِ استلامهِ للخلافةِ ، وتنازلَ وجمعَ اللهُ المسلمين مِصداقاً لنبوءةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم " إنَّ ابني هذا سيِّد ، ولعلَّ الله أنْ يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين " ، وكانَ كما أخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
وفي سنةِ تسعٍ وأربعين منَ الهجرةِ أكلَ الحسنُ بنُ عليٍّ طعاماً وقد جُعِلَ فيه سُمٌّ ، فذهبَ به إلى الخلاءِ ، ثم لفظَ ما أكلَ ، و شعرَ بالسُّمِّ يسري في جسدهِ فمرضَ فعادَه أخوه الحسينُ
فقالَ له : مَنْ سقاكَ السُّمَّ ؟
قالَ : وماذا تريدُ منْ ذلك ؟؟
أتريدُ أنْ تقتلَه ؟؟
قالَ الحسينُ : نعم .
فقالَ : هذا بيني وبينه عند الله سبحانه وتعالى .
ثم توفِّي شهيداً سعيداً سيِّداً رضيَ الله عنه وأرضاه سنةَ تسعٍ وأربعين ، وكانَ له منَ العمر سِتّ وأربعون سنةً عندما توفِّي ، وصلَّى عليه والي المدينةِ سعيدُ بنُ العاصِ ، ودُفِنَ في البقيع رضيَ الله عنه وأرضاه .
وبعد موتهِ كانَ أبو هريرة يمرُّ على النَّاسِ ويقولُ : يا أيُّها النَّاسُ ، ماتَ اليومَ سيِّدُ المسلمين فابكُوا .
وكانَ يبكي رضيَ الله عنه وأرضاه .
وهكذا ذهبتْ هذه النِّسمةُ الطيبةُ المباركةُ إلى بارئِها إلى جنَّات النَّعيم برفقةِ جَدِّهِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم
والله أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وآله الطاهرين وصحبه الغر الميامين .

من سلسلة آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم

تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و نازك و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمد الخميس حفظه الله



بواسطة : hashim
 2  0  2389
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    23-05-33 07:40 مساءً وليد الشريف :
    بارك الله فيكم موقع أشراف الحجاز وجزى الله خير كل ساهم في هذا البحث عن حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
  • #2
    24-05-33 01:42 مساءً ابو وجود الشريف :
    رضي الله عن الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين
    بارك الله فيكم على هذا الجهد المبارك
    لكم تحياتي
-->