• ×

إخراج الشيخ محمد بن سليمان السوسي المغربي من الحرمين الشريفين بين المصادر المتقدمة والمراجع المتأخرة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إخراج الشيخ محمد بن سليمان السوسي المغربي من الحرمين الشريفين بين المصادر المتقدمة والمراجع المتأخرة
مقال نشر بجريدة الجزيرة صفحة وراق الجزيرة العدد (14458) الأحد 8/6/1433هـ، الموافق 29/4/2012م.
للمؤرخ محمد بن حميد الجحدلي الحربي


يُعد العلامة الإمام المسند المحدث الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن سليمان بن الفاسي بن طاهر، الروداني(1)، السوسي، المغربي، المكي، المالكي، صاحب المصنفات في علم الحديث، مثل: كتاب: "جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد"، وكتاب: "جمع الكتب الخمسة مع الموطأ"، وكتاب: "صلة الخلف بموصول السلف"، وغيرها من المصنفات، من أبرز العلماء المجاورين بالحرمين الشريفين في القرن الحادي عشر الهجري (1001-1100هـ)(2).

وقد كان للشيخ شأن كبير في مكة المكرمة، بعد أن اجتمع بالسلطان العثماني محمد خان(3)، الذي فوض إليه أمر النظر في أوقاف الحرمين الشريفين. فقام بعدد من الأعمال، منها: أن تكون الأربطة لمن يستحقها بشرط الواقف، وأعاد توزيع حب الصدقات إلى ما كانت عليه سابقاً، وأبطل الدفوف في الزوايا، ومنع النساء من الخروج ليلة المولد(4)، ومنع الاحتفال بزيارة قبر العيدروس، وقد كان يقام فيه مولداً عظيماً في كل عام(5)، وغير ذلك من الأعمال(6).

وأجمعت المصادر التاريخية، على أن الشيخ أُخرج بعد ذلك من الحرمين الشريفين، إلى دمشق، وترك أهله في مكة المكرمة، واستقر في دمشق إلى أن توفي ودفن بها، والفترة الزمنية بين خروجه من مكة المكرمة، ووفاته في دمشق نحو عشرة أشهر فقط(7). وبعد أن ورد إلى مكة المكرمة خبر وفاته في دمشق، سلمت أملاكه إلى ابنه الذي كان يُقيم في مكة المكرمة(8).

وينص الكتاني(9) على أن المؤرخ النسابة أبي محمد عبد القادر المدعو الجيلاني الإسحاقي، ذكر في رحلته الحجازية، التي دون فيها حجة الأميرة خناثة بنت بكار(10) زوجة سلطان المغرب إسماعيل ابن الشريف العلوي(11)، أنه التقى بابن الشيخ في مكة المكرمة، وذكر أن اسمه محمد(12)، وله دار ورثها عن أبيه الشيخ قرب المسجد الحرام. كما نص الكتاني أيضاً - على أن محدث الهند ولي الله الدهلوي(13)، روى الحديث بسنده إلى الشيخ، من طريق ابنه محمد وفد الله(14).

أما بعض المراجع التاريخية المتأخرة، مثل: كتاب: "نسب حرب" للأستاذ عاتق بن غيث البلادي، وكتابيَّ: "مشيخة العسوم"، و"ملامح من تاريخ قبيلة حرب" للدكتور مبارك بن محمد المعبدي، فقد نصت على أن الشيخ نُفي إلى خُليص(15).

واختلفت تلك المراجع في تحديد القرن الذي نُفي فيه الشيخ. فالبلادي ينص على أنه نُفي إلى خليص في القرن الحادي عشر. بينما ينص المعبدي على أنه نُفي إلى خليص في القرن السابع الهجري، الحادي عشر الميلادي، بعد نهاية حكم الشريف رميثة العناني، وانتقاله إلى قرية الخُوَار(16) للسكن فيها(17).

وبمناقشة ما ذكره كُلاً من: البلادي، والمعبدي، على ما دونته المصادر التاريخية نجد ما يلي:

1- أن البلادي، والمعبدي، لم يستندا على أي مصدر تاريخي في قولهما: بأن الشيخ ُنفى إلى خليص. وهما بذلك خالفا ما أجمعت عليه المصادر التاريخية، التي نصت على أن الشيخ أُخرج من مكة المكرمة، إلى دمشق، وتُوفي ودفن بها.

2- خالف المعبدي المصادر التاريخية حين نص على أن الشيخ نُفي إلى خليص في القرن السابع الهجري (601-700هـ)، بينما أجمعت المصادر التاريخية على أن أنه أًخرج من مكة المكرمة في القرن الحادي عشر الهجري (1001-1100هـ). ومن الواضح أن المعبدي ناقلٌ للخبر من البلادي دون تحقق، ثم وقع في لبسٌ واضح عند تعيين القرن الذي نُفي فيه الشيخ، فاعتقد أنه في القرن الحادي عشر الميلادي، لأن البلادي لم ينص في كتاب: "نسب حرب"، على أن المقصود بقوله: القرن الحادي عشر، هو: القرن الهجري. كما أخطأ المعبدي حين ذكر أن القرن الحادي عشر الميلادي، يوافق القرن السابع الهجري. والصواب: أنه يوافق القرن السادس الهجري.

3- أحال المعبدي بعد أن ذكر اسم الشيخ إلى الحاشية ، وقال في الحاشية ما نصُّه: "انظر: جريدة القصر، للعماد، ج3، من قسم الشام، التراجم، ص 13". وتدل هذه الإحالة من المعبدي على أن العماد ترجم للشيخ في ذلك الكتاب. والصواب: أن العماد الأصبهاني (ت 597هـ) له كتاب: "خريدة القصر وجريدة العصر"، وليس كتاب: "جريدة القصر". كما أنه لم يترجم للشيخ في ذلك الكتاب، لأنه متقدم زمنياً عن الشيخ ، وتبلغ الفترة الزمنية بين تاريخ وفاة العماد في القرن السادس الهجري، وتاريخ مولد الشيخ في القرن الحادي عشر الهجري، نحو أربعة قرون ونصف القرن.

4- خالف المعبدي المصادر التاريخية، حين نص على أن الشريف رميثة انتهى حكمه في القرن السابع الهجري، وأنه انتقل إلى قرية الخوار وسكن بها بعد انتهاء فترة حكمه في شرافة مكة المكرمة. بينما أجمعت المصادر التاريخية على أن الشريف رميثة كان أميراً لمكة المكرمة في القرن الثامن الهجري، وأنه تُوفيَّ ودفن في مكة المكرمة(18).

5- نعت المعبدي الشريف رميثة بـ "العناني"، وهو بهذا النعت، فقد نسب الشريف رميثة إلى حفيده الشريف عنان بن مغامس بن رميثة، والأصل أن يُنسب الرجل إلى آبائه وأجداده، وليس إلى أبنائه وأحفاده.

ختاماَ؛ فأن المصادر التاريخية المتقدمة أجمعت على أن الشيخ نُفي إلى دمشق، وتوفي بها، والفترة الزمنية بين خروجه من مكة المكرمة، ووفاته في دمشق نحو عشرة أشهر فقط. أما ما ذكره البلادي، والمعبدي، عن نفي الشيخ إلى خليص، فهو يخالف المصادر التاريخية، ولا يستند على أي مصدر تاريخي.

وإن كان البلادي وَهِم في نفي الشيخ إلى خليص، غير أن المعبدي نقل الخبر عن البلادي دون تحقق، ثم أضاف إليه معلوماتٍ خاطئة تخالف المصادر التاريخية، وأحال عند ذكر اسم الشيخ إلى مصدر متقدم كثيراً عن زمن الشيخ.

الهوامش والتعليقات الجانبية:

(1) وقيل: الرداني. وهي نسبة إلى مدينة تراودانت، أو رودانة، وهي صيغتان شلحية، وعربية مستعملتان إلى الآن. والنسبة الغالبة: روداني. وتكتب بالراء بعد الواو، وبدونها. انظر: محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت 1304هـ): فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2، 1982م، ج1، ص 425؛ محمد بن سليمان الروداني: صلة الخلف بموصول السلف، تحقيق د. محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1408هـ-1988م، مقدمة المحقق، ص 7-8، الهامش (2).

(2) انظر ترجمة الشيخ في: عبد الله بن محمد العياشي (ت 1090هـ): الرحلة العياشية (رحلة ماء الموائد)، تحقيق د. سعيد الفاضلي ود. سليمان القرشي، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، ط1، 2006م، ج2، ص 43-61؛ محمد أمين بن فضل الله المحبي (ت 1111هـ): خلاصة الآثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت، د.ط، د.ت، ج4، ص 204-208؛ ؛ الكتاني: فهرس الفهارس، ج1، ص 425-429؛ خير الدين بن محمود الزركلي (ت 1396هـ): الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، ط15، 2002م، ج6، ص 151-152؛ الروداني: مصدر سابق، مقدمة المحقق، ص 7-13. وغيرها من المصنفات.

(3) هو: السلطان محمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن مراد بن سليم بن سليمان بن سليم خان، ولي السلطنة من سنة 1058هـ إلى سنة 1099هـ. (عبد الملك بن حسين العصامي (ت 1111هـ): سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1419هـ-1998م، ج4 ، ص 120-122).

(4) هي ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول، ومن البدع التي لا تزال منتشرة بين بعض المسلمين الاحتفال في تلك الليلة بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(5) الاحتفال بالمولد النبوي، وما يصاحبه من ضرب الدفوف، وخروج النساء، وكذلك الاحتفال بزيارة أضرحة الأولياء، من البدع التي كانت منتشرة في ذلك الوقت. ويبرز جهد الشيخ في محاولة إزالة تلك البدع. وينص كُلاً من: السنجاري، والطبري، على أن الشيخ يذكر بأن الاحتفال بزيارة ضريح العيدروس من المناكير. انظر: علي بن تاج الدين السنجاري (ت 1125هـ): تاريخ مكة (منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم)، دراسة وتحقيق د.ماجدة فيصل زكريا، مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1419هـ-1998م، ج4، ص 428-429؛ محمد بن علي الطبري (ت 1173هـ): تاريخ مكة (إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بنى الحسن)، تحقيق د. محسن محمد حسن سليم، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، ط1، 1413هـ-1993م، ج2، ص 115.

(6) انظر: العصامي: مصدر سابق، ج4، ص530، وما بعدها؛ المحبي: مصدر سابق، ج4، ص 204-208؛ السنجاري: مصدر سابق، ج4، ص 394، وما بعدها؛ الطبري: مصدر سابق، ج2، ص 108، وما بعدها.

(7) انظر: العصامي: مصدر سابق، ج4، ص547-549؛ المحبي: مصدر سابق، ج4، ص 204-208؛ السنجاري: مصدر سابق، ج4، ص 492-511؛ الطبري: مصدر سابق، ج2، ص 117-118، 128-129؛ أحمد بن زيني دحلان: خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، د.ط، 1397هـ-1977م، ص 102-104.

(8) انظر: السنجاري: مصدر سابق، ج4، ص 511.

(9) هو: محمد عبد الحي بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني. ، ولد سنة 1264هـ، وتوفي سنة 1304هـ، له من المصنفات: "فهرس الفهارس"، "اختصار الشمائل"، وغير ذلك. (الزركلي: الأعلام، ج6، ص 187-188).

(10) هي: خناثة بنت بكار بن علي بن عبد الله المغافري.أميرة، لها علم بالفقه والأدب. كانت زوجة المولى إسماعيل بن محمد العلوي السجلماسي. حجت سنة 1142 فعمت الناس بعطاياها. توفيت سنة 1155هـ. (الزركلي: الأعلام، ج2، ص 324).

(11) هو: إسماعيل بن محمد الشريف بن علي الشريف المراكشي الحسني العلوي الطالبي. ولد سنة 1056هـ، وولي الحكم سنة 1082هـ، ودام حكمه 57 سنة، توفي سنة 1139هـ. (الزركلي: الأعلام، ج1، ص 324-325).

(12) هو: محمد وفد الله بن محمد بن محمد بن سليمان الروداني. انظر: الكتاني: مصدر سابق، ج1، ص 427-429؛ الروداني: مصدر سابق، مقدمة المحقق، ص 15.

(13) هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي، أبو عبد العزيز، الملقب شاه ولي الله: فقيه حنفي من المحدثين، من أهل دهلي بالهند.ولد سنة 1110هـ، وزار الحجاز سنة 1143 - 1145 هـ. توفي سنة 1176هـ. له من المصنفات: "الفوز الكبير في أصول التفسير"، "الإرشاد إلى مهمات الإسناد"، وغير ذلك. (الزركلي: الأعلام، ج1، ص 149).

(14) انظر: الكتاني: مصدر سابق، ج1، ص 428-429؛ الروداني: مصدر سابق، مقدمة المحقق، ص 15.

(15) خليص: وادٍ كثير الماء والزرع، يقع شمال مكة على بعد 100 كيل. فيه ثلاثون قرية. (عاتق بن غيث البلادي: معجم معالم الحجاز، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، ط1، سنوات الطباعة مختلفة،ج3، ص 149-153).

(16) الخوار: من أكبر عيون وادي أمج، به قريتان، هما: الشعبة، والنَّزة. (البلادي: مصدر سابق، ج3، ص 165).

(17) انظر: عاتق بن غيث البلادي: نسب حرب، دار مكة للنشر والتوزيع، ط3، 1404هـ-1984م، ص 59؛ مبارك بن محمد المعبدي: مشيخة العسوم آل رومي شيوخ زبيد في خليص، دار البيروتي، دمشق، ط2، 1417هـ، ص 63؛ مبارك بن محمد المعبدي: ملامح من تاريخ قبيلة حرب في ضوء المصادر والمراجع المعاصرة، دار البيروتي، دمشق، ط1، 1423هـ، ص 149.

(18) عن الشريف رميثة، انظر: عز الدين عبد العزيز ابن فهد (ت 922هـ): غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام، تحقيق فهيم محمد شلتوت، مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1409هـ-1988م، ج2، ص 78-111؛ العصامي: مصدر سابق، ج4، ص242-253؛ الدحلان: مصدر سابق، ص 28-32.

بواسطة : hashim
 3  0  2314
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    17-06-33 10:22 صباحًا ابو وجود الشريف :
    المؤرخ محمد بن حميد الجحدلي الحربي المقال قيم وهادف , نشكرك وتقبلوا تقديرنا
  • #2
    21-06-33 10:15 مساءً محمد الغالبي :
    تسلم يا استاذ محمد الجحدلي على هذا البحث القيم وشكرا لكم
  • #3
    26-02-35 05:46 مساءً mmmmm :
    بارك الله فيك على مجهودك

    ارجو أن لا تتكلم بما لك بة علم دون الاستاذان من اهلة

    انت تخالف جميع الكتب والنسابة بهاذا الكلام وتثبت انه لا علاقة لة بخليص

    الشيخ رحمة الله ذهب مع رميثة الشريف الى خليص وتم حمايتة من قبل مشائخ حرب وتزوج من الذرا والكل عارف ها الكلام والبلادي والمعبدي مجرد باحثين جزاهم الله خير وكل كبار خليص يعرفون ان للشيخ ذرية في خليص وهم ال حفيظ

    ولا تصدع بقصه جديده وتثبت انه نفي الى دمشق ، عايش في خليص وعاش ومات في دمشق بوصية من

    ونا احد ابناء هاذا الرجل واقول لك ، لك حرية الكتابه ولك حريت البحث والنقاش ونا لي حرية الرد

    ومغاربة خليص لهم تاريخ مع قبيلة زبيد في خليص قبل 600 سنة

    واول شخصية ( رومي المغربي شيخ زبيد عام 845 هـ ) كتاب البلادي وغيرة

    والقائد ملحم بن مفتاح المغربي 907 هــ

    وشكرا لكم جميعا
-->