• ×

منهج الشيخ حمد الجاسر في تحقيق النصوص القديمة ونشرها

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

منهج الشيخ حمد الجاسر في تحقيق النصوص القديمة ونشرها
بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم: د. أحمد بن محمد الضبيب
التاريخ:12/9/2003

يستطيع الدارس لجهود الشيخ حمد الجاسر العلمية أن يستشف موقفه من قضية المنهج في نشر التراث العربي من خلال أمرين:
1- الأعمال العلمية التراثية التي نشرها.
2- النقد الذي وجهه لبعض الأعمال المنشورة من كتب التراث.
وبتدبر ذلك يتبين للباحث أن لدى الجاسر منهجًا واضحًا لإخراج كتب التراث، قد لا يخرج كثيرًا عن المعروف المألوف لدى جمهرة المحققين، لكنه يؤكد ذلك المنهج ويلتزم به في معظم الأحيان، بل ويحاسب الآخرين بموجبه. وهذا يدل على أنّ الرجل لا يصدر فيما نشره من كتب التراث عن اجتهاد عشوائي فيه -كما نجد عند بعض الناشرين- ولكنه يصدر عن منهج يهدف إلى التجويد، ويصدر عن رؤية واضحة لما ينشره من الكتب، بل كان في هذه الرؤية متمردًا على السائد في مجتمعه وفاتحًا الطريق لغيره كي يسيروا على منواله، كما سنرى فيما بعد.
الهدف من التحقيق
يرى الجاسر منذ البداية أن الهدف الأساس من تحقيق كتاب التراث هو إخراجه بصورة يكون فيها مطابقًا لما وضعه عليه مؤلفه دون زيادة أو نقصان، وقد أشار إلى ذلك في مناسبات عدة منها قوله: "من المدرك بداهة أن معنى (تحقيق الكتاب) التحقق والتثبت من أنّ ما ينشر منه مطابق حقًّا لأصله، كما وضعه مؤلفه بدون زيادة أو نقصان، أو تغيير في النص، أو تحريف له، متى كان لأصل ذلك الكتاب من النسخ ما يصح الاعتماد عليه وإن لم يكن ذلك فلا أقلّ من أن يطابق المنشور النسخة المخطوطة الموثوق بها، إن كان لأصل ذلك الكتاب نسخ، أو كانت النسخة الوحيدة إن لم يكن سواها"(1).
إنّ تعريف الجاسر ذاك جاء في سياق الاهتمام بالنص قدر الإمكان، وعدم تدخل المحقق فيه بالحذف أو الإضافة، أو تغيير ترتيبه، أو إقحام ما ليس منه فيه، بحجة إصلاحه أو جعله مفهومًا لعامة القراء. ولذلك نجده ينتقد بشدة عمل المحققين الذين باشروا نشر كتاب تاريخ الإسلام للذهبي في مركز تحقيق التراث بالقاهرة، فهو يقول: "لقد استغلق عليهم فهم كثير من العبارات الواضحة، إما لعدم دربتهم على قراءة المخطوطات، أو لقصور فهمهم، فما كان منهم إلا أن غيّروا بعض الكلمات في مواضع، وزادوا كلمات في مواضع لا تستدعي الزيادة، ميزوها بأن أشاروا في الهوامش إليها، مع وضع بعضها داخل مربعين [..] وحذفوا حروفًا أو كلمات لم يستطيعوا قراءتها(2).
وفي مراجعته لكتاب تاريخ المدينة لابن شبة النميري نجده ينتقد بشدة عمل المحقق لفرط استعماله بعض مصادر التاريخ وإقحام ما جاء فيها في صلب كتاب ابن شبة، قائلاً إنه "اتخذ منها مادة يرجع إليها لإكمال ما يراه من نقص في مباحث الكتاب، وهو نقص في المخطوطة، كان عليه أن يشير إلى مواضعه بدون أن يتصرف في أصل الكتاب فيلحق به ما ليس منه بحيث لا يستطاع القول بأنّ النص الوارد في مطبوعة كتاب ابن شبة هو من كلام ابن شبة نفسه"(3).
وهكذا فالمساس بالكتاب المحقق من حيث مضمونه أو صورته التي تركها عليه مؤلفه يعدّ عبثًا غير مقبول عند الجاسر، وقد توصّل إلى هذه النتيجة منذ عهد مبكر من حياته العلمية. ففي سنة 1365هـ/1945م نشر بحثًا في مجلة المنهل تناول فيه معاجم الأمكنة عند العرب، وفي هذا البحث انتقد صنيع الأستاذ مصطفى السقا في نشره لكتاب معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري؛ فقد كان من أهم مآخذه على هذه النشرة قيام الأستاذ السقا بتغيير ترتيب مادة الكتاب وجعلها حسب ترتيب الحروف في المشرق، مع أنّ البكري رتّب كتابه على حسب ترتيب الحروف في المغرب، الأمر الذي أحدث خللاً في ترتيب مادة الكتاب نفسها، وخاصة عند إحالة المؤلف إليها، كأن يقول: "مذكور في الرسم الذي قبله" مع أنّ المادة في الترتيب الجديد تأتي بعد هذا الموضع لا قبله(4).
ويعدّ الجاسر من العبث حذف مقاطع من الكتاب، أو فصولاً لا تتسع لها صدور بعض القراء، فالكتاب عنده وثيقة تحكي السائد في زمانها من أفكار وعقائد وعادات، وحذفها فيه طمس للحقيقة، خاصة وأنّ الزمن الحاضر يختلف عن الماضي فلم يعد المعاصرون مقتنعين بما يرد في تلك الكتب من أوهام قضت عليها الثقافة السائدة والتعليم الصحيح. ففي مقدمته لـ معجم الشيوخ يقول الجاسر: "وهذا الكتاب لم يؤلف إلا لطبقة خاصة من العلماء، وهو يجلو وجهًا من أوجه الثقافة الدينية -من الناحية التاريخية- في حقبة من الزمن طغى فيها الجمود الفكري طغيانًا شمل العالم الإسلامي كله. ولهذا فقد يمر القارئ بعبارات لا يتسع لها صدره تتعلق بالصوفية و(لبس الخرقة) أو بالحلولية كذِكر ابن عربي، أو بتعبيرات غير مألوفة شرعًا كجملة (قاضي القضاة) و(زيارة قبر النبي) صلى الله عليه وسلم، ونحو هذه التعبيرات أو الجمل. ولهذا ينبغي أن تكون النظرة إلى هذا الكتاب باعتباره يسجل جانبًا من حياتنا الثقافية تسجيلاً تاريخيًّا يجب أن نعرف هذا الجانب على علاته، حق المعرفة، بدون تغيير، أو تأثر... ولن نستطيع -إذا أردنا الاستفادة بتراثنا- إلا أن نقف هذا الموقف أمام كثير مما وصل إلينا من ذلك التراث"(5).
وفي مقدمته لنشرة كتاب الدرر الفرائد نجده يشير إلى هذه النقطة، فبعد أن يشير إلى عصر تأليف الكتاب الذي اتسم بالجمود الفكري، ووجود مواضع في الكتاب -بسبب ذلك- مما لا ترتاح إليه نفس القارئ ولا ينشرح له قلبه لما فيه من مصادمة لبعض المفهوم من النصوص الشرعية، يعقّب على ذلك بقوله "ومما يهوّن شأن تلك الأمور -وإن كانت ليست هيّنة بنفسها- أنّ الصحوة الفكرية التي شملت العالم الإسلامي، قد أزالت كثيرًا مما لصق بعقول بعض المنتسبين إلى العلم من آثار المتقدمين... ولو نظرنا نظرة عامة إلى ما خلّفه لنا المتقدمون من مؤلفات، وأردنا الاقتصار منها على ما ليس فيه ما لا نرتضيه... لقلّ ما نحصل عليه من ذلك التراث"(6).
وفي هذا السياق نفهم نشره لرسالة الجواهر المعدّة في فضائل جدة للشيخ أحمد الحضراوي (1327هـ) في مجلة العرب على ما في كلام مؤلف الرسالة عن الدعوة السلفية من تجاوز قائلاً: "ترددت كثيرًا عندما قرأت كلام الحضراوي عن الدعوة السلفية، وما نسبه إلى القائمين عليها من أمور باطلة حتى هممت بعدم نشر بقية الرسالة، لكن هل عدم نشرها يحول دون اطلاع القراء على ما فيها من الزور والبهتان؟ ثم إنّ رمي دعاة الإصلاح -أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- ورميهم بما هم منه براء شنشنة قديمة وقد أظهر الله زيفها وبطلانها.. ولئن كان علماؤنا يحذّروننا من الاطلاع على كتب أهل البدع والأهواء والزيغ والضلال فإنّ ذلك التحذير كان في محله عندما كانت تلك الكتب حبيسة المكتبات الخاصة، وكان الحصول عليها لا يتسنى لكل أحد... أما الآن فإنّ وسائل النشر يسّرت لكل قارئ الاطلاع على كل كتاب يريده، وهيأت لكل كتاب أن ينتشر حسب رغبة من يهمهم أمر ذلك الكتاب... وخير لنا أن نوضح ما في تلك الكتب من آراء باطلة بالحجة والبرهان من أن نحاول إخفاءها عن أعين القراء..."(7).
ومما نشره على هذه الشاكلة رسالة في وصف المدينة المنورة لمؤلفها علي بن موسى، وكتاب الوفا بما يجب لحضرة المصطفى لمؤرخ المدينة المنورة علي السمهودي؛ فقد نشر نصيهما كاملين، ونبه على ما فيهما في المقدمة وعلّق على مواضع تعليقات خفيفة في الهوامش(8).
إنّ هذا المنهج الذي اتخذه الجاسر في نشر كتب المخالفين للدعوة الإصلاحية السلفية هو المتبع حاليًّا، وذلك ابتداء من نشر كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب الذي كان ثاني مطبوعات دارة الملك عبد العزيز بعد إنشائها، وانتهاء بكتاب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد النجدي الذي حققه الدكتور عبد الرحمن العثيمين وكتاب منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم للسنجاري، الذي صدر عن جامعة أم القرى سنة 1419هـ/1998م، والذي رحب الجاسر بصدوره ترحيبًا مناسبًا من خلال كتابته عنه(9).
لكن هل استطاع الجاسر خلال مسيرته العلمية أن يحافظ دائمًا على هذا المنهج المنفتح على الماضي بعيون ناقدة؟
الواقع أنّ الشيخ في فترات متعددة من حياته العلمية لم يستطع أن يطبّق ما أراده من هذا المنهج إلا بصعوبة؛ فقد اضطر إلى تلخيص كثير من رحلات الحج إلى الأراضي المقدسة وحذف مقاطع منها فرارًا من إشكالات ما قد يكون في كثير منها من البدع والممارسات، التي لا تتسع لها صدور بعض القراء؛ ففي مقدمته لنشرة رحلات القطبي بين مكة والمدينة، نراه يبين أنّ الطريقة المثلى -في نظره- "نحو هذه الكتب التي تحوي من الآراء ما يخالف معتقداتنا الصحيحة هي إيضاح ما يبطل تلك الآراء بالحجج والأدلة المعقولة" ولكنه يبدي أسفه لعدم استطاعته تطبيق هذا المنهج قائلاً: "ويؤسفني حقًا أنه ليس من المستطاع الآن -إذا أردنا الاستفادة مما وصل إلينا من تراث العصور المظلمة في تاريخنا- إلا بعدم نشر ما لا تتسع لقبوله طائفة من القراء، وهذا ما دفعني مضطرًا لحذف طائفة من أقوال صاحب الرحلات، وأكثرها لا صلة له بالناحية التي دفعت إلى نشر تلك الرحلات، بل تتصل بأشعار وجمل طغت على عاطفة المؤلف في التعبير حتى تجاوز الحد... وقد أشرت إلى ما حذفت"(10). ومن الطبيعي أنّ ما حدث من حذف أو تغيير في هذه النصوص التي نشرها الجاسر لم يكن داخلاً ضمن إرادته ولا موافقًا لمنهجه، وإنما حدث بفعل ما تفرضه الرقابة من قيود على مثل هذا المنهج.
النسخ الخطية
يجتهد الجاسر في الحصول على أكبر قدر من النسخ الخطية للكتاب، فهو يحاول حصر النسخ ما أمكن، ويتبع الطريقة السليمة المتبعة في الموازنة بين النسخ من حيث قيمتها العلمية، ويعتمد ذلك على قِدم النسخة وضبطها وكونها مقروءة على المؤلف أو مقابلة على أصله، أو مكتوبة بخط أحد العلماء أو مقروءة عليه أو مقابلة على أصله أو غير ذلك مما هو معروف لدى المحققين. ففي نشرته لكتاب الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة نجده ينظر في عدد من النسخ، ثم يقدم نسخة خزانة القرويين في فاس وهي نسخة كتبت بخط مغربي وأصابها من أثر الرطوبة والبلل والعثة ما جعلها شبه مهترئة في بعض أجزائها، لكنها تتميز بالقِدم من جهة وبزيادات لا توجد في غيرها من جهة أخرى؛ ولذلك قدّمها وجعلها أصلاً، ولقد كانت لديه من النسخ واحدة وصفها بجودة النسخ وأنه يبدو من جمال خطها وما في هوامشها من إشارات أنّ عالِمًا طالعها وقابلها على نسخة أخرى، تلك هي نسخة جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية.
وكذلك يفعل عند نشره كتاب الأماكن للحازمي (ت 584هـ) إذ نجده يقدّم نسخة مكتبة (لاله لي) التركية المؤرخة سنة 620هـ على نسخة (ستراسبورج) المؤرخة سنة 715هـ قائلاً: "اتضح لي أنّ مخطوطة (ستراسبورج) كثيرة التحريف، بحيث تتوقف الاستفادة منها على مجرد الاستعانة بها، بخلاف نسخة (لاله لي) التي اتخذتها أصلاً أعوّل عليه، لقِدمها ولصحة ضبطها، وإتقان خطها، مع رجوعي إلى معجم البلدان في النصوص التي ينقلها عن الحازمي"(11).
وعند نشره كتاب الوفا بما يجب لحضرة المصطفى للسمهودي نجده يعتمد في النشر على نسخة الإسكوريال مع أنه يعلم أنّ هنالك نسخة أقدم منها في كتب الشيخ عبد الستار الدهلوي في مكتبة الحرم بمكة المكرمة، فيعتذر عن ذلك بقوله: "وكنت اطلعت في مكتبة الحرم المكي على نسخة من هذا الكتاب... ومع حرصي على الاستفادة من هذه النسخة أثناء الطبع فإنني لم أتمكن من ذلك إلا بعد الطبع، مع أنّ الطريقة القويمة عدم نشر أي كتاب قبل جمع ما يمكن من مخطوطاته، والمقارنة بينها، واختيار أجودها وأصحها"(12). ومع ذلك فقد نظّم -بعد حصوله على النسخة الثانية- جدولاً للمقارنة بين النسختين في آخر الكتاب يستدرك فيه الزيادات ويشير فيه إلى أخطاء النشرة.
ولا يعني الحديث عن ذلك أنّ الجاسر لم يعتمد على نسخة واحدة في أي من تحقيقاته، بل الواقع أنه فعل ذلك عندما تكون النسخة وحيدة، كما في نشرته كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة الذي نسبه أول الأمر إلى الإمام الحربي ثم إلى القاضي وكيع، وما تزال نسبته إليه قلقة. فالنسخة فريدة وجدت في المكتبة الرضوية بطوس من إقليم خراسان في إيران. وإذا اتفقت النسخ في أشياء كثيرة كأن كانت متقاربة التواريخ أو ترجع إلى أصل واحد لم يجعل الجاسر أيًّا منها أصلاً، وإنما يلفق بينها كما فعل في نشرته لكتاب بلاد العرب المنسوب إلى أبي علي لغدة الأصبهاني؛ فقد وجد أنّ النسخ الخمس المعروفة للكتاب جميعها حديثة، ترجع إلى نسخة السيد نعمان الألوسي قائلاً: "تكاد النسخ تتفق في كل شيء، وإن اختلفت ففي كلمات يسيرة قد تكون من أثر الناسخ... وقد قمت بمقابلة كل النسخ ما عدا نسخة الإنكرلي واخترت ما اتفقت النسخ عليه عند الاختلاف إلا إذا تبين لي وجه الخطأ فيه"(13).
ولا يكترث الجاسر كثيرًا بتبيين الفروق بين النسخ الخطية، فإذا استثنينا ما أورده من فروق في جدول خاص بين نسختي الإسكوريال والحرم المكي من كتاب الوفا بما يجب لحضرة المصطفى -وهو كتاب صغير تحتوي إحدى نسخه على زيادات لا يمكن تجاهلها- فإننا لا نكاد نجد اهتمامًا كثيرًا منه بتبيين الفروق في كتبه الكبيرة الأخرى؛ ففي كتاب لغدة مثلاً نجده يصرح بذلك قائلاً: "ولم أرد تكثير الحواشي بإيراد اختلاف النسخ إلا نادرًا"(14). وفي الدرر الفرائد نراه يقول: "ورجعت إلى النسخ الأخرى في الكلمات التي يقع فيها اختلاف، ووضعت ما اتفق عليه أكثرها، دون الإشارة إلى الاختلاف، ما لم يكن محتملاً أن يكون هو الصواب"(15). ويقول في مقدمته لكتاب المناسك "لم أستحسن ملء هوامش الكتاب ببيان ما وقع في مخطوطته من تحريف، لأنّ هذا لا يفيد القارئ"(16).
الرجوع إلى المصادر والتخريج
يرى الجاسر أنّ من وسائل تحقيق الكتاب وإخراجه على الصورة التي تركها عليه مصنفه استكمال مراجعته على المصادر التي أخذ عنها أو أخذت عنه، ولذلك نراه يجهد نفسه في مراجعة المصادر التي تتصل ببعض الكتب التي نشرها، فنراه في مقدمة المناسك يجعل تقويم الأصل مربوطًا "بالرجوع إلى المصادر ذات الصلة"(17).
ويقول في مقدمته لكتاب بلاد العرب للغدة: "قابلت أسماء المواضع على ما ورد عنها في كتاب الإسكندري حيث تبين لي أنه اطلع على هذا الكتاب ونقل عنه كثيرًا، ومما نقله ما لا نجده في معجم البلدان -الذي حوى كثيرًا مما في كتاب نصر-... وقد حرصت على أن أرجع إلى كتاب نصر عند كل اسم، غير أنني لم أستطع ذلك دائمًا؛ إذ الكتاب لا يزال مخطوطًا، وكثيرًا ما يذكر الاسم في غير موضعه. وهذا يستلزم جهدًا كبيرًا...إلخ"(18). ويذكر إلى جانب ذلك مراجعته مادة الكتاب على كتاب الزمخشري وكتاب ياقوت معجم البلدان.
وكذلك فعل في نشرته لكتاب الأماكن للحازمي، فقد رجع في نشرته له إلى كتاب نصر وكتاب معجم البلدان الذي حوى جل ما في الكتابين قائلاً: "ومن هنا فإنّ ما عملته يوفر للباحث الاطلاع على الكتب الثلاثة"(19).
وفي بحثه المعنون "من تاريخ الدولة السعودية الأولى في المؤلفات اليمنية"، نجده يؤكد على أنّ من سمات المؤرخ استكمال ما يتعلق بموضوع دراسته من مراجع بصرف النظر عما يكون بينها من اختلاف(20). ونراه يأخذ على محققي تاج العروس "عدم رجوعهم إلى المصادر المتيسرة"(21).
ومع ذلك فإنّ من المهم أن نشير إلى أنّ منهج الشيخ في الرجوع إلى المصادر ليس على إطلاقه، فالملاحظ أنّ الشيخ يرجع -وبخاصة في تحقيق الكتب الجغرافية- إلى الكتب الموسوعية في الموضوع، أو ما يمكن أن يسمى بالكتب الوسيطة ككتب نصر والحازمي وياقوت والبكري ونحوها، لكنه لا يكاد يرجع إلى الكتب الأصول التي رجعت إليها هذه الكتب، وكمثال على ذلك نجد الحازمي في الأماكن ينقل نصًّا عن الأزهري وبيتين من الشعر، فيحيل المحقق إلى كتاب نصر دون أن يرجع إلى المصدر الأصلي للمؤلف وهو كتاب الأزهري تهذيب اللغة والنص موجود فيه(22). وينقل الحازمي عن الليث قوله: "الزابان نهران في سافلة الفرات، وربما سموهما مع ما حواليها من الأنهار الزوابي وعامتهم يحذفون منه الياء ويقولون الزاب، كما يقولون للبازي باز"(23). فيرجع الشيخ إلى كتاب نصر وينقل ما ذكره عن الزاب، ويغفل الرجوع إلى كتاب العين الذي يرد النص فيه، وهو المصدر الأصلي(24).
ومع ذلك فقد بذل الشيخ في هذا الصدد اهتمامًا بالكتب الجغرافية التي نشرها أكثر من الكتب التاريخية، والناظر في كتابه رسائل في تاريخ المدينة يدرك أنّ الشيخ لم يكد يرجع إلى أي مصدر تاريخي نقل منه مؤلفو تلك الرسائل ولم يقابل ما أورده أولئك المؤلفون من نقول على مصادرهم، وكثير منها موجود ومتاح. كما يلاحظ أنّ التعليق على تلك الرسائل كان محدودًا جدًّا، ويتعلق بالرد على بعض الآراء المخالفة باختصار، أو تضعيف بعض الأحاديث دون سند. لكن ذلك ليس مطردًا، فقد نجد اهتمامًا بمصادر المؤلف التاريخية وعودة إليها كما في كتاب الدرر الفرائد الذي راجعه على بعض مصادره مثل كتاب مروج الذهب للمسعودي وكتاب أخبار مكة للأزرقي وكتاب شفاء الغرام للفاسي.
ويدخل في باب الرجوع إلى المصادر موضوع مهم من موضوعات التحقيق وهو التخريج، ونقصد به تخريج النصوص غير الجغرافية على مصادرها المختلفة كالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأمثال والأقوال، وهي منتشرة في كثير من المؤلفات التي نشرها الجاسر.
والواقع أنّ الشيخ يغفل ذلك إغفالاً يكاد يكون تامًّا في كثير مما نشره، فلسنا نجد في هذه الأعمال اهتمامًا بتخريج النصوص الدينية أو الأدبية، فإذا استثنينا تخريج الآيات القرآنية في كتاب الدرر الفرائد وبعض الأحاديث في المناسك فإننا لا نجد لديه ميلاً إلى التخريج في تحقيقاته الأخرى؛ ففي رسائل من تاريخ المدينة جملة من الآيات القرآنية التي لم يدلّ على مواضعها في القرآن الكريم، ومنها ما تطرّق إليه الخطأ(25). كما أنّ في الكتاب أحاديث كثيرة اكتفى المحقق بتضعيف بعضها دون إشارة إلى المصدر(26).
أما الأشعار فيغفل الجاسر تخريجها متعمدًا؛ فعلى الرغم من أنّ كثيرًا من الأشعار قد وردت منسوبة إلى شعرائها(27) إلا أنّ الشيخ لا يكاد يرجع إلى دواوين أولئك الشعراء، مكتفيًا -فيما يبدو- بتخريجها أحيانًا على كتب المواضع، كما فعل في كتاب بلاد العرب عند تعليقه على بيت جرير:
إذا حلّت فتاة بني نمير على تبراك خبثت الترابا
فقد اكتفى بالإحالة على ياقوت قائلاً: "البيت في (يا) محرّف، والقائل جرير من قصيدته المشهورة: أقلاّ (كذا، وما في الديوان: أقلّي) اللوم عاذل والعتابا" ولم يخرجه على الديوان(28).
ولعل من المرات النادرة التي رجع فيها إلى ديوان لأحد الشعراء هو تخريجه لبيت النابغة:
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها كأنهن نعـاج حول دوار
فقد رجع إلى ديوان النابغة في نشرتيه الأولى بتحقيق أبي الفضل إبراهيم والثانية بتحقيق شكري فيصل، وهي صنعة السكري، التي وجد فيها كلمة "دوار" قد ضبطت بضم الدال كما في رواية الحازمي، بينما كانت في الطبعة الأخرى مفتوحة الدال(29)، وهذا يدلّ على أنه رجع إلى الديوان بطبعتيه ليحقق الاسم الوارد في البيت، لا ليوثّق نسبته إلى الشاعر. ومن هذه المرات النادرة تخريجه بيتين على ديوان الخنساء، طبعة شيخو سنة 1895م، دون ذِكر للصفحة، لكن الرجوع إلى الديوان اقترن بما وجده في هذا الديوان من شرح للمواضع وتحديد لها لا يوجد في كتب الأمكنة، الأمر الذي جعله ينقل الشرح في الهامش بحذافيره نقلاً يتجاوز الصفحة في الكتاب(30). ولا شك أنّ الاطمئنان إلى نسبة البيت إلى شاعر معيّن في المصدر دون الرجوع إلى ديوانه مظنة للخطأ، وأبرز مثال عليه نسبة أبيات إلى النابغة الذبياني في كتاب البرق اليماني(31)، وهي ليست له بل للنابغة الجعدي(32)، ويدلّ على ذلك ترحم القطبي على الشاعر، ولسنا نظن أنه يترحم على شاعر جاهلي، خاصة وأنه -أي القطبي- عالم بالشعر والشعراء. ومن ذلك نسبة بيتين إلى المقرب (؟) وهما مشهوران للمتنبي(33).
أما الأبيات غير المنسوبة إلى شعراء معينين في الكتب التي نشرها الشيخ فإنه نادرًا ما يخرجها ويعرّف بقائليها، حتى وإن كانت بعض الأبيات معروفة لبعض الشعراء المشاهير. وتلك طريقة سار عليها في معظم ما نشره.
ومع أننا لا نجد الشيخ يصرح بأسباب إغفال تخريج الأبيات الشعرية إلا أننا يمكن أن نستشف من اتباعه هذا النهج أنه يعدّ ذلك خارجًا عن عمل المحقق، أو يعدّه تزيّدًا لا داعي له.
الضبط بالشكل
لم يتخذ الشيخ طريقة واضحة في ضبط نص المخطوط بالشكل؛ فتارة نراه يعتني بذلك اعتناءً كبيرًا فيضبط كل كلمة في المخطوط، وتارة يتوسط في ذلك وتارة يهمل الضبط إهمالاً واضحًا.
والناظر في الكتب التي نشرها الشيخ يجد أنه يوجه عناية كبيرة لضبط الكتب الجغرافية، وإن كانت هذه العناية تتفاوت بين كتاب وآخر. ومن أمثلة الكتب التي بالغ في العناية بضبطها كتاب الأماكن للحازمي؛ فقد ضبط تقريبًا كل كلمة فيه بالشكل، وقد يقال إنّ النسخة التي اعتمدها من هذا الكتاب كانت نسخة خزائنية مضبوطة بالشكل بصورة عامة، لكن الواقع أنّ الجاسر قد بالغ في ضبطها بما يفوق ما هو موجود في تلك النسخة، فقد تعدى الضبط إلى حروف الجر ونحوها من الألفاظ التي تعرف بالبداهة لدى عامة القراء فضلاً عن خاصتهم، بل إنه، في ذلك الكتاب، ضبط كثيرًا من الهوامش بالشكل ضبطًا يكاد يكون تامًّا، وترك بعضها بلا ضبط، ولسنا نعرف سببًا لذلك سوى اختلاف الأوقات التي عمل فيها بالكتاب، فلعل ذلك كان مرده إلى السهو.
ومن الكتب التي توسط في ضبطها كتاب بلاد العرب للغدة الأصبهاني، وهو من أميز ما صنعه في هذا الصدد؛ فقد ضبط منه ما يحتاج إلى ضبط وترك ما عداه، وذلك اقتصار على المطلوب دون زيادة أو نقصان.
ويلاحظ الباحث أنّ معظم الكتب التاريخية وكتب الرحلات لم تجد من الشيخ عناية تذكر من حيث الضبط بالشكل، وبخاصة تلك الكتب التي تنتمي إلى القرن العاشر وما بعده كمؤلف السمهودي المسمى الوفا بحق حضرة المصطفى وجميع الرسائل التي نشرها في كتابه رسائل في تاريخ المدينة وكتاب البرق اليماني للنهروالي وكتاب الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المكرمة.
في هذه الكتب لم يلق المحقق بالاً للشكل، فجاء التحقيق خلوًا منه، إلا ما ندر، واقتصر الضبط أحيانًا على أسماء المواضع كما في كتاب البرق اليماني الذي ضبطت فيه هذه الأسماء طبقًا لما في المؤلفات القديمة، وأشير في مواضع يسيرة إلى طريقة نطقها الآن عند أهلها كما يقول المحقق(34)، والجدير ذِكره أنّ كثيرًا من الكلمات كانت في حاجة إلى ضبط.
التعليق على النص
إنّ المبدأ الثابت الذي ينطلق منه الجاسر هو العناية بالكتاب بتقريبه إلى نسخة المؤلف، وهو الهدف من التحقيق عنده، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، وينبني على ذلك رفضه للتكثير من التعليقات والحواشي على الكتب التي نشرها أو أشرف على إصدارها؛ ففي مقدمته لكتاب الإيناس في علم الأنساب للحسين بن علي الوزير المغربي (ت418هـ) يقول بعد أن أشار إلى عمله في التحقيق: "أما إطالة التعليقات بما هو زائد عن موضوع الكتاب، أو إيضاح ما قد يحتاج من إيضاح من كلماته، فأرى كل ذلك زائدًا عما يجب على الناشر عمله، إنه من عمل الشارح أو المستدرك على المؤلف"(35). وعندما عهد إليه القاضي محمد بن علي الأكوع بالإشراف على نشر كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني، لم يجد بُدًّا من حذف الشروح الطويلة التي ملأ بها المحقق حواشي الكتاب مقتصرًا على ما يخص المواقع منه ومعتذرًا بأنّ "موضوع الكتاب وارتفاع أجور الطبع وثمن الورق، وتغير الأحوال تغيرًا جعل القارئ في هذا العصر متكيفًا بحالة عصره، فكان من أثر ذلك الحرص على الانتفاع بما بذله الأستاذ الجليل من جهد فيما له صلة بتحديد المواضع، وإرجاء ما عدا ذلك لمجال أرحب في فرصة أخرى..."(36). ويقول في نهاية المقدمة: "ولما عهد إلي بالإشراف على الطبع رأيت السير في النهج الذي سلكه المحقق الجليل لا يتسنى لغيره، وحاولت أن أوضح من أسماء المواضع النائية عن اليمن ما قد يكون من خطأ الناسخ، أو هفوة المؤلف، أو أضيف إلى التعريف بالموضع أو وصفه على ما هو عليه الآن ما قد يحتاج إليه القارئ، غير أنني رأيت أنّ هذا العمل يضاعف حجم الكتاب، بل يخرج عن النهج المألوف في التحقيق إلى عمل هو بالشرح ألصق... لهذا انحصر عملي في إضافة كلمات موجزة على ما كتبه الأستاذ المحقق، وفي مقابلة الأصل الذي نسخه وعلّق عليه بمخطوطة لدي من الكتاب..."(37).
ويقول في مقدمة تحقيق الدرر الفرائد: "حاولت التثبت من صحة ما فيه من نصوص منقولة عن مؤلفات استطعت الاطلاع عليها فقابلتها وأشرت إلى ذلك في الحواشي التي حاولت أن تكون موجزة؛ فالغاية تحقيق النص لا شرح الكتاب"(38).
ومع ذلك فإننا لا نعدم تعليقات تتميز بالإطناب في بعض تحقيقات الشيخ ومعظمها يتعلق بنقول يأخذها من المصادر السابقة على الكتاب أو لاحقة له حول المواضع بشكل خاص. ومنها ما يتعدى تحقيق المكان إلى ذِكر بعض أخباره كما في التعليق على "فيد" في كتاب المناسك(39) ومما يدخل في جملة الشرح المتسم بالإطناب ترجمة الشيخ لزبيدة، زوج الرشيد، التي استغرقت ما يقارب صفحة من كتاب المناسك(40).
ولا شك أنّ التعليق على الكتب يتسع لدى الجاسر عندما يكون الكتاب من المصادر المتعلقة بالمواضع، وهو يدخل تعليقاته حينئذ في باب المراجعة على المصادر التي أشرنا إليها آنفًا، والتي يعدّها أمرًا أساسيًّا لتحقيق الكتاب، ويقلّ التعليق عنده على الكتب الأخرى ككتب التاريخ والرحلات ونحوها.
المقدمات ودراسة الكتاب
يعتني الجاسر بمقدمات الكتب التي ينشرها عناية تامة، فيقسمها تقسيمًا مناسبًا، وغالبًا ما يبدأ الكتاب بما يشبه التقديم أو التمهيد في صفحة أو صفحتين يبين فيه كيف بدأت علاقته بالكتاب، وموضوعه العام، ويشير فيه إلى من ساعده أو سبقه بنشر الكتاب، فإذا انتهى من ذلك انتقل إلى المؤلف فكتب له ترجمة وافية تتناول حياته بمختلف جوانبها ثم مسيرته العلمية ومؤلفاته التي يحاول استقصاءها والإشارة إلى ما هو موجود منها سواء أكان مخطوطًا أم مطبوعًا وما كان مفقودًا، ولا يفوته تحقيق تاريخ وفاته بدقة بعد أن يستوفى الآراء الواردة في ذلك. ويُرْدفُ ترجمة المؤلف بحديث مفصّل عن النسخ الخطية، ثم يذكر طريقته في النشر.
وتعدّ مقدمته لكتاب المناسك في طبعته الأولى أطول مقدمة كتبها الشيخ لما نشر من كتب؛ فقد بلغت 273 صفحة كان معظمها ترجمة لأبي إسحاق الحربي الذي نسب الشيخ إليه الكتاب. ويمكن أن تعدّ هذه الترجمة كتابًا قائمًا برأسه، وحبذا لو أعيدت طباعتها مستقلة بعد أن فصلت من الكتاب في طبعته الثانية.
ومن مميزات الشيخ في بعض مقدمات كتبه فسحه المجال لغيره ممن له علاقة بالكتاب أن يكتب رأيه عن الكتاب أو مؤلفه، وينشر الشيخ ذلك ضمن الجزء الخاص بالمقدمات، فمن ذلك نشره بحثًا للدكتور صالح العلي عن كتاب جزيرة العرب للأصمعي في كتاب بلاد العرب المنسوب للغدة الأصبهاني(41)، ونشره لبحث عن علي بن موسى، مؤلف رسالة وصف المدينة المنورة بقلم عبيد مدني(42).
الفهـارس
لا يشك الجاسر في أهمية الفهارس للكتاب وبخاصة الكتاب التراثي؛ ولذلك يجعل من أهم مآخذه على الطبعة السابقة لطبعته من كتاب الدرر الفرائد، خلوّ الكتاب من فهارس مفصّلة لما يحويه من أسماء المواضع وأسماء بطون القبائل وأفخاذها مع أسماء الأعلام الكثيرة"(43)، كما يرى أنّ: "وضع فهارس مفصّلة للكتاب من مستلزمات هذا العصر؛ إذ القارئ بحاجة إلى توفير الوقت مع الاستفادة من الكتاب في أقصر زمن"(44).
وقد سبق للشيخ أن انتقد خلوّ الترجمة العربية التي قام بها الدكتور أحمد خالد البدلي لكتاب سفر نامه لناصر خسرو من الفهارس المفصّلة التي يتساهل بها بعض المعنيين بنشر كتب التراث حسب رأيه، مضيفًا أنّ "ظروف العصر ومتطلباته أبرزت شدة الحاجة إليها، لأنّ أيّ قارئ في عصرنا الحاضر ليس في استطاعته أن يستوعب قراءة كتاب، باستثناء المعنيين بتتبع جميع ما فيه من معلومات؛ لهذا كان من أهم ما يعنى به ناشرو هذا العصر تقريب مباحث الكتاب ومحتوياته بوضع فهارس مفصّلة له"(45).
من هذا المنطلق زود الشيخ معظم ما نشره من مؤلفات بفهارس عديدة تتفاوت في الكثرة والقلة حسب أهمية الكتاب؛ ففي كتاب لغدة بلاد العرب وضع المحقق 11 فهرسًا، وفي المناسك 7 فهارس، وفي الدرر الفرائد 8 فهارس، وتعدّ فهارس هذا الكتاب من أضخم الفهارس؛ فقد استغرقت 357 صفحة، كما تعدّ من أوفى ما وضعه الشيخ من فهارس؛ إذ شملت المباحث العامة والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأعلام والجماعات والمواضع والشعر والكتب. نقول ذلك لأنّ الشيخ كان انتقائيًّا أحيانًا في وضع الفهارس، فإذا كان كتاب الدرر قد ضم معظم أنواع الفهارس المطلوبة فإنّ بعض الكتب الأخرى التي تولى الشيخ إصدارها لم تلق العناية نفسها. فكتاب البرق اليماني -مثلاً- لم يحظ إلا بأربعة فهارس ضمّت فصول الكتاب وأسماء الرجال وأسماء المواضع والجماعات والقبائل والأمم. وأغفل الشيخ بعضها عمدًا قائلاً: "وضع فهرس للموضوعات العامة لا يفي بالغرض، ولا يكون مستوفيًا لكل ما في الكتاب من معلومات مثل استيفاء فهارس الأعلام، وهذا ما دعا إلى وضع ثلاثة فهارس للأعلام (من أشخاص ومواضع وجماعات) أما ما عدا ذلك من وضع فهارس للشعر ولأسماء الكتب إلخ فالكتاب ليس أصلاً قديمًا، أو مصدرًا من مصادر دراسات اللغة، أو الأدب بحيث يقدّم للباحث جديدًا فيهما، ووضع فهارس من هذا القبيل قليل الجدوى"(46).
والواقع أنّ الفهارس تعدّ بمثابة المفاتيح للكتاب؛ ففهارس الشعر أو فهارس الكتب لا توضع لمعرفة ما لدى القدماء من مأثورات أدبية أو فكرية وحسب وإنما توضع لتسهيل وصول القارئ إلى مادة الكتاب أيًّا كان عصره؛ ذلك أنّ مادة الكتاب الفكرية مهما كان نوعها تعرض الثقافة السائدة في عصر المؤلف، مما يفيد الباحث في كثير من النواحي العلمية والثقافية.
وعلى الرغم من أنّ الشيخ قد تعمّد إغفال بعض الفهارس في بعض الكتب المتأخرة نسبيًّا ككتاب رسائل في تاريخ المدينة وكتاب البرق اليماني، إلاّ أننا نجده يبالغ في فهرسة كتاب الدرر الفرائد ومؤلفه من علماء القرن العاشر الهجري، بل إنه يدرج في فهارسه المواد المذكورة في الهوامش، وهو أمر لا ضرورة له. كما أنه يغفل فهارس الشعر والأماكن في كتاب الإيناس وهو كتاب قديم، مؤلفه من علماء القرن الرابع الهجري.
وبعد، فقد كانت هذه الجولة في منهج الجاسر العلمي في تحقيق التراث وإخراجه ونشره، وبقيت لنا وقفة حول موقف الشيخ من أعماله ورأيه فيما أخرجه إلى الناس من مؤلفات، وهو رأي يدلّ على أنّ الشيخ كان من التواضع بحيث لم يفرض رأيًا أو أسلوبًا على أحد، ولم يدّع كمال العلم، بل كان في مناسبات كثيرة يشير إلى اجتهاداته على أنها محاولات يكتنفها النقص، وقد لا تخلو من الخطأ؛ ومما يؤيد ذلك قوله: "ويحسن هنا أن أشير إلى أمر من أكثر ما يعترض الباحث -أيًّا كان مبلغه من العلم- ذلك هو الوقوع في الخطأ، وليس من العيب على المرء أن يقول أخطأتُ والصواب كذا، وإنما العيب أن يخطئ، ثم يحاول الإصرار على الظهور بمظهر المتمعلم، أي المتكلف للعلم، وهو الجاهل حقًّا؛ ذلك أنّ العلم أوسع من أن يحيط به أي إنسان على ظهر البسيطة، والجهل من الصفات الإنسانية التي لا يمكن أن ينـزه عنها المرء مهما بلغ من درجات العلم، وخير للباحث أن يقول لقد أخطأتُ والصواب كذا وكذا من أن يقال له لقد أخطأتَ، ورأي المرء من حقه الخاص قبل أن يذيعه على الملأ، وبعد إذاعته يصبح عرضة بل يصبح حقًّا مشاعًا، وقديمًا قالوا: (الحق ضالة المؤمن) أي أنّ الحق هو ما يبتغيه كل إنسان يثق بعلمه وبنفسه ثقة تحمله على الاطمئنان، لهذا فإنني منذ أصبحت أدرك هذا صرت أعتقد أنّ كلمة (لقد أخطأتَ) هي خير لي من كلمات الثناء؛ ذلك أنني أعرف نفسي حق المعرفة، وأعرف مقدار ما أتصف به من العلم معرفة تجعلني أتطلب المزيد وأقنع بما لدي، ولا أستفيد من كلمات الثناء والتقدير أية فائدة بخلاف الإرشاد إلى الخطأ"(47).
لقد طبّق الجاسر ذلك عمليًّا في حياته العلمية في مواقف كثيرة، ويكفي أن نشير إلى اختلافه مع الأستاذ أحمد السباعي حول موقع الحجون في مكة المكرمة(48)، وعودته عن رأيه بتصويب رأي الأستاذ أحمد السباعي فيما بعد(49).
أما بالنسبة لما حققه من نصوص فمن المعروف تنازله عن القطع بنسبة كتاب المناسك إلى الإمام أبي إسحاق الحربي لاحتمال نسبته إلى القاضي وكيع، وحذفه ترجمة الإمام الحربي من هذه النشرة.
ثم إنّ الشيخ -في سبيل الوصول إلى أفضل المستويات في التحقيق والضبط- نجده يفتح الباب لمن يأتي بعده في تحقيق الكتاب نفسه إن كان لديه من المسوغات ما يجعل نشرته أكثر إتقانًا وأوفى نصًّا؛ ففي كتاب المناسك يقول: "وحسبي أنني بلغت جهدي، وإن لم يبلغ الرضا من نفسي مبلغه، وهذا ما أرجو أن يقوم به من هو أقدر مني"(50).
ويقول في مقدمته لكتاب الدرر الفرائد: "وأنا حين أقدّم هذا الكتاب -جليل النفع، غزير الفائدة- أحسُّ بالأسى لكونها غير محتوية على ما في أوفى مخطوطة منه وصلت إلينا، لعدم إمكان قراءة بعض صفحاتها التي أشرت إليها في الحاشية، وآمل أن يعثر على نسخة أوفى وأوضح من النسخ التي اتخذتها أصلاً لهذه المطبوعة ليعاد نشر الكتاب بصورة أصح وأكمل مما برزت به هذه المطبوعة"(51).
نحن إذن بإزاء شخصية تتشوف إلى الكمال والحق، وتدرك أبعاد معرفة الإنسان، مهما بلغ من العلم وما بذل من الجهد؛ ولذلك فهي تتقبل النقد، وتتطلب التجويد، وتؤمن بتراكم المعرفة والخبرة، فتفسح المجال لكل مجتهد، وترحب بالإضافة الجديدة، وتلك -وأيم الله- أخلاق العلماء.

الهوامش
(1) الجاسر، حمد، تاريخ الإسلام للذهبي وموقف مركز إحياء التراث منه، العرب، 12/853.
(2) نفسه، ص859.
(3) الجاسر، حمد، تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة النميري، العرب، 20/372 وما بعدها.
(4) الجاسر، حمد، نقد معاجم الأمكنة بجزيرة العرب، المنهل 6/ع 1 ص7.
(5) ابن فهد الهاشمي، عمر، معجم الشيوخ، تحقيق محمد الزاهي، ط1، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، د.ت [المقدمة 1402هـ/1982م]، ص7.
(6) الجزيري، الدرر الفرائد، مصدر سابق، ص5.
(7) العرب (1398-1399هـ) 13/685.
(8) انظر: رسائل في تاريخ المدينة، الرياض، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1392هـ/1972م، ص ص15-18 و48-49.
(9) عكاظ، ع12182 في 26 رمضان 1420و ع12196 في 10 شوال 1420هـ.
(10) الجاسر، حمد، في رحاب الحرمين، رحلات القطبي من مكة إلى المدينة، العرب 16/507-509.
(11) الحازمي، محمد بن موسى، الأماكن، أو ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة، أعده للنشر حمد الجاسر، ط1، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1415هـ، ص24.
(12) الجاسر، حمد، رسائل في تاريخ المدينة، مصدر سابق، ص50.
(13) لغدة الأصفهاني، بلاد العرب، تحقيق حمد الجاسر ود. صالح العلي، ط1، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1388هـ/1968م، ص68.
(14) نفسه.
(15) الجزيري، عبد القادر بن محمد، الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المكرمة، ط1، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، 1/58.
(16) الحربي، إبراهيم بن إسحاق، كتاب "المناسك" وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، ط1، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1389هـ/1969م، ص273.
(17) الجاسر، حمد، كتاب المناسك، مصدر سابق، ص272.
(18) لغدة الأصبهاني، بلاد العرب، مصدر سابق، ص68.
(19) الحازمي، كتاب الأماكن، مصدر سابق، ص20.
(20) الجاسر، من تاريخ الدولة السعودية الأولى في المؤلفات اليمنية، العرب، 26/434.
(21) الجاسر، حمد، نظرات في تاج العروس، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1407هـ/1987م، ص318.
(22) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، 9/116-117.
(23) الحازمي، كتاب الأماكن، مصدر سابق، ص492-393.
(24) انظر: الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، سنة 1408هـ/1988م، 7/392.
(25) انظر الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، ص109، وهي الآية الثانية من سورة الحجرات.
(26) انظر على سبيل المثال ص ص81، 80، 108، 111.
(27) انظر على سبيل المثال الشعراء الآتية أسماؤهم في: الإيناس في علم الأنساب، الرياض: ط1، النادي الأدبي، سنة 1400هـ/1980م، ص49، حاتم الطائي، ص60، الفرزدق، ص96، أوس بن حجر ص 103، والمناسك، مصدر سابق، ط2: ذو الرمة، ص96، زهير، ص338، عبيد بن الأبرص، ص348؛ وبلاد العرب، مصدر سابق: ذو الرمة، ص295؛ والدرر الفرائد، مصدر سابق: عمر بن الفارض، 1/190، ابن رواحة 1/209، المتنبي 1/297، أبو تمام 1/299.
(28) لغدة الأصفهاني، بلاد العرب، مصدر سابق، ص366.
(29) الحازمي، الأماكن، مصدر سابق، ص438.
(30) انظر المناسك، مصدر سابق، ط2، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1420هـ، ص91-92.
(31) النهروالي، البرق اليماني، مصدر سابق، ص ص362-363.
(32) انظر ديوانه، ط1، دمشق: المكتب الإسلامي، سنة 1384هـ/1964م، ص ص71-73.
(33) النهروالي، البرق اليماني، مصدر سابق، ص384.
(34) النهروالي، البرق اليماني، مصدر سابق، ص74.
(35) الوزير المغربي، الحسين بن علي، الإيناس في علم الأنساب، مصدر سابق، ص49.
(36) الهمداني، الحسن بن أحمد، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، ط1 الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1394هـ/1974م، التمهيد، ص5.
(37) نفسه، ص36.
(38) الجزيري، الدرر الفرائد، مصدر سابق، 1/59.
(39) ط1، ص306-307.
(40) نفسه، ص288-289.
(41) لغدة الأصبهاني، بلاد العرب، مصدر سابق، ص ص10-31.
(42) الجاسر، حمد، رسائل في تاريخ المدينة، مصدر سابق، 6-10.
(43) الجزيري، الدرر الفرائد، مصدر سابق، 1/8. (44) نفسه.
(45) العرب، 20/626.
(46) البرق اليماني، مصدر سابق، المقدمة، ص74.
(47) الجاسر، حمد، في شمال غرب الجزيرة، ط1، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، سنة 1390هـ/1970م، ص ص9-10.
(48) العرب، 2/865 وما بعدها.
(49) العرب، 20/834-837.
(50) الحربي، المناسك، ط1، مصدر سابق، ص273.
(51) الجاسر، حمد، الدرر الفرائد، مصدر سابق، 1/59.


المصدر : http://www.hamadaljasser.com/article...p?articleid=29


بواسطة : hashim
 1  0  2934
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-07-33 11:48 مساءً عبد الله الحسني :
    رحم الله الشيخ العلامة حمد الجاسر فله دور رائد وواضح في علم الأنساب وشكرا للدكتور أحمد بن محمد الضبيب
    وهذا من وفاء الأدباء والامانة العلمية
-->